المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مقاربة لمجموعة همس القوارير ....بقلم د. زياد علي


 

كتبوا عن مجموعة همس القوارير 2

     78imag

 

 

قصص لا تفضي أسرارها بسهولة

 

                

 529ima

 بقلم د. زياد علي  

 

 

 

 

المجموعة القصصية الأولى للكاتبة تركية عبد الحفيظ همس القوارير لا تحتاج الى بصمات إضافية لوصولها إلى المتلقي، فهي تملك قامتها التي تفرض حضورها بداية من شفافية الإهداء إلى السرد الممتع، واللغة الجميلة والمضمون.
وهي قصص عايشت مناخات وفضاءات متعددة، خرجت كاتبتها في بعضها من ثوبها النسائي لتتماهى مع شخصية الرجل المتمثل في رفيق العمر واستطاعت بذكاء وحرفنة أن تعايش عوالمه، وتستبطن مناخاته مادياً ونفسياً وتتحدث بصوته.. فيها يتجاوز السياسي خطوط الإبداع أحياناً قبل أن يتم لجمه، من قبل صاحبته، التي تعرف كيف تجهض شهوة الحكي التي تسرق البعض، ودائماً تقف في الحد الفاصل بين وضوح الفكرة وبين الإنشاء والثرثرة.
وهذا أهم ما يحققه الكاتب السردي، عندما لا تأخذه المجانية والتكرار.
نصوصها ليست القصة الحديثة التي لا تفضي أسرارها بسهولة، وأيضاً ليست العبث، بل القصة المتكاملة المكثفة المختارة بدقة، قد يحسد عليها صاحبها. تمتح صاحبتها من المدرسة الواقعية محاذرة السقوط في المباشرة والتقريرية في أغلب النصوص.
* في القصة الأولى (وأصبحت شاعراً يا جنان) يتمثل أمام القارئ المتنبي وهو يفتح عينه على كثير ولكن لا يرى أحداً، وإن كان الخطاب العنتري متواجداً كمطربي (هذا العصر..)، ليس هذا فحسب فهناك الحضور المتحقق للكوميدي الساخر في الزمن الذي يشبهه. ويكون الحزن بمقدار المحبة، بمقدار الرموز الجغرافية دجلة والفرات وصولاً الى الرموز الإنسانية حيث يتمثل الإبداع وتصرخ (النشميات) ولكن: (ولا معتصماه). وتقترب القاصة (الفراشة) من جنان النار والنور الصديقة اللدودة (حبة القلب ربما.. سكينه ربما) الغريمة والحديقة التي تفرش غواياتها بزهورها البنفسجية المحتشمة والحزينة. وتقرر الأنثى الكاتبة أن تترك رد الفعل الى الإنسانة المبدعة، والتي تتجاوز الغيرة بهستيريا الرومانسية حين تخدع نفسها بالعلاقات الإنسانية البريئة، وتراهن على ما يلوح في أفقنا.. غيرة خاصة إذا ما كان الذي نعايشه هو النهج الوحيد المضمون، وتكون المواجهة خير وسائل الدفاع، وهذا ما يجعل بطلة القصة ـ مثل ما يسرد لنا البطل الذي اتخذته قناعها ـ تقفز في الظلام لتحقق كرامة التواصل مع صديقة (حبة القلب وما بعد العمر والروح)، إنها تراهن على سلاح سلالة حواء الضعيفة افتراضاً، المتمثل في الذكاء الفطري ويكون الانقلاب من اقصى الرفض الى أقصى القبول، ويتجاوز الاهتمام من طرف أفضل ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله ـ بجنان فيه المزايدة على اهتمام البطل، أن تحب الزوجة المرأة التي اصطدمت بزوجها، أكثر مما يحبها الملك فتكون أكثر منه ملكية: وتنهمر أمطار الشفقة والخوف والارتباط الروحي والسعي للاطمئنان على جنان.
* في هذه القصة التي تتماس مع مضمونها كأنموذج استطاعت القاصة بتقمصها لصوت الآخر بخلقها لقناعها، أن تقول على الورق المسكوت عنه، خارج جدران ساعات المواجهة والتحدي وأن تتماهى مع الحالة التي تفرض حضورها بالغزل والوصف من خلال معايشة أحاسيس ومشاعر الآخر، وكأنها تمكنت من تنويمه وتحقيق غسيل محور ارتكازه العلوي (العقل) وتجاهل محور ارتكازه الغضبي، على أمل أن يكون العطب لم يصل الى مضغة القلب المحور الثالث.
وكان توظيف ما يود أن يبقى مكسوتا عنه لتقدمه في قصتها وترضى بتحقيق عملها الإبداعي تعويضاً لمرارة لحظات الغيرة التي تم وأدها. ويقف المتلقي مشدوهاً أمام المفارقات بين جملة (يا عيني..) بما تحمله من شحنة قدحية وبين (يا عيني) بلهجة الشاعرة لميعة عباس عمارة المضمخة بما في بلاد الرافدين، من فجور وتقوى.
ويتعمق غور الغيرة والسخرية ويتسع البون شاسعاً.
جرعات
ويختصر المرء الكثير ويكتفي بأن ينتبه لسيطرة القاصة على توصيل جرعات مضامينها وما تؤثث به فضاءها السردي بهدوء وحرفية، بجمل واضحة، مترابطة، دون تعسف، تشد المتلقي ولا تقطع تواصله، مخترقة المسافة دون صخب وضجيج ودون ارتباك أمام مستنقع الإنشائية مع التركيز الكامل عند رصد مشاعر الإنسان النموذج (قصة ـ حكايتي مع شاعر) بالحضور الطاغي للرومانسية النسائية والاعجاب بالشاعر الذئب، وهذا يضاف للرصيد الايجابي للكاتبة عندما تلون صوتها، وعلى أي جانب تميل تملك أن يجب الآخر، فالقوة ملازمة لما تختاره، قوية بقناع الرجل، ولا أقل من ذلك بقناعها.
الملفت في بعض القصص تجاوز الكاتبة لأمراض ترهل النص والسرد الإنشائي المتعب، وتكون القدرة في وضع الجملة حيث يجب أن تكون فعلاً بحيث الاستغناء عنها، يترك الفراع المقلق وهذا من الايجابيات التي تحقق النص الناضج. ويتماس المتلقي بسهولة مع قدرة الكاتبة وذكائها الذي يمكنها من السيطرة على أبطالها ومحيطهم والظروف الموضوعية، بحيث لا يجد المتلقي لها بسهولة ما يسجل عليها هنات تغيب الإضاءة المعقولة على عوالم نصها.
ويتبقى في اختيار رصد الواقع متعته. تنحاز الكاتبة للواقعية وتشحن شخوصها بطاقة ملفتة من الحيوية بحيث يفرضون حضورهم وخصوصية بصماتهم. ويتبقى في الذهن من القصة التوظيف العالي للبطلة ومشاعرها وصديقتها وصديق الشاعر ومتابعة تعرجات النص بتركيز واقتدار.
القلب
جمالية الإهلالة في النص وتقديم العادي، بلغة تقترب كثيراً من القلب، إضافة الى إشكالية العلاقة بين المبدع وبياض الورقة، وجنون رغبة التسرب الى العوالم المنغلقة، والتغلغل في نسيجها، واحتواء قماشة العمل الفني من الأمور الصعبة التحقيق للعديد من محترفي العمل السردي، وهذا ما وفقت فيه الكاتبة ـ قصة (استسقاء الكلمات وطوفان الألوان) نموذجاً ـ هذه الحالة حاول العديد من الكتاب رصدها، وجديد الكاتبة ارتيادها جغرافية المناطق البعيدة عنها كأنثى، ويبدو أنها تجد في حكايات (الصوت) الذي توظفه الكثير مما تعتمد عليه في نصوصها، فتستفيد عوالمها السردية بالإشباع من المحكي عنه، كمادة خام، لتعيد ما تسمعه بعد هضمه. وباعتزاز وتقدير لبعض رموز البلد الثقافية، توظفهم كحالات داخل نصوصها. أما البعض فربما تسربت كلمات قليلة من قاموسهم لتوشي بها عملها ـ افتضاض بكارة الكلمات المتمنعة، وتصوير العجز (العنة) التي تصيب ادوات الكتابة (القلم) العاجز مع أول محاولة.
إن الخلفية المعلوماتية والجهد في تثقيف الذات، واضح وهذا ما يجعل المتلقي يشعر بالامتنان نحو الكاتبة ويحترمها ويعرف زخم قاموسها، أمام ضيق التجربة، وفقر أسماء عديدة، تغمس أقلامها في دماننا، وتدعي الوحي والإلهام (جبران)، وفي الاصطدام ببعض السلبيات اجتماعياً يعلو الاحتجاج دون ارتفاع نبرة الكاتبة.
الكاتبة تنتهج الوقوف عند مسافة من النص، والحيادية في رصد ما تقدمه العين بهدوء. يساعدها وضوح مضامين نصوصها في الذهن والتكثيف واللغة البعيدة عن التقعر الأزهري.
* في قصة (لا أحد يعلم)، كان النفس قصيراً، مما خلق تقاطعات في خيوط السرد، فقد كان العمل يحتمل المزيد من التوظيف ولكن إجهاضه بالإمكان الانتباه اليه.
في (تفاصيل لقاء فشل) ضبابية في وضوح اللغة البصرية، فالعينان كالبحر والمرجان أي بين الأزرق الأخضر، والأحمر.
وإذا ما كان القصد يذهب لهذا فذلك له شأن آخر.
ويتبقى الاعجاب بالنصوص، التي تحمل الكثير، وتبشر بميلاد قاصة ولدت واقفة. ولا تحتاج إلى حيل النباتات المتسلقة، والتي سيكون لها حضورها إذا ما راهنت على عزلة الكتاب الكبار، وأخلصت لفن السرد.

المصدر :

المستقبل - الثلاثاء 13 حزيران 2006 - العدد 2293 - ثقافة و فنون - صفحة 17





"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."