Ø آفاق "الإرهاب" والنزاعات والانتشار
من المتوقع أن تبقى هذه العناصر أساسية وذات أهمية في الأجندة الدولية، كما من غير المتوقع أن ينتهي "الإرهاب الإسلامي" في غضون العام 2025، لكنّ مفعوله قد يتلاشى إذا ما استمر النمو الاقتصادي وخفّت نسب البطالة في الشرق الأوسط. فتوفير المزيد من فرص العمل والتعددية السياسية من شانه أن يحد من انضمام الشباب إلى المنظمات الإرهابية، علمّا أن بعضهم لا ينضم لهذه الأسباب بل بدافع الانتقام أو أن يصبحوا "شهداء" حيث سيواصلون استخدام العنف لتحقيق أهدافهم.
ففي غياب فرص العمل عدم توفّر الأدوات القانونية للتعبير السياسي، ستكون الظروف مهيّأة للسخط على الواقع وتنامي التطرف، وتجنيد الشباب. في العام 2025، من المرجح أن تكون الجماعات الإرهابية مزيجا من المتحدّرين من المجموعات التي أنشئت منذ زمن طويل والتي ورثت الهياكل التنظيمية، العمليات، القيادة والسيطرة، التدريب والإجراءات الضرورية لانجاز عمليات معقّدة، ومن المجموعات الناشئة حديثا من الغاضبين والمحرومين. هذه المجموعات التي ستكون عاملة في العام 2025، ستمثّل تهديدا عالي المخاطر لاسيما في دمجها بين التكنولوجيا والمعرفة العلمية مع إمكانية استخدامها لعناصر بيولوجية أو أقل إمكانية أدوات نووية لإيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى.
على الرغم من أنّ حصول إيران على أسلحة نووية ليس أمرا حتميا، فان العديد من دول المنطقة تبدي مخاوف من إيران نووية مما قد يدفعها إلى وضع وتطوير ترتيبات أمنية جديدة مع القوى الخارجية، الحصول على أسلحة إضافية، أو النظر في مصالحها الخاصة وطموحاها النووية. ومن غير الواضح عمّا إذا كان نظام الردع الذي كان قائما ويوفّر استقرار في العلاقة بين القوى الكبرى في الحرب الباردة، من شانه أن يوفّر مثل هذه العلاقة المستقرة بين دول المنطقة في حال حصول إيران على السلاح النووي. فإذا حصلت العديد من النزاعات المكثّفة تحت المظلّة النووية قد يؤدي ذلك إلى تصعيد غير مقصود وبالتالي إلى تجاوز الخطوط الحمر بين هذه الدول خاصة إذا لم تكن راسخة ومستقرة.
ومن المعتقد انّ النزاعات الأيديولوجية لن تكون حاضرة على الساحة العالمية كما كان الحال في الحرب الباردة، حيث ستكون الدول مشغولة بالتحديات التي تفرضها العولمة على العالم، بالاضافة الى انتقال التحالفات العالمية تبدّل السلطة. أمّا قوةّ الأيديولوجيا، فمن المرجّح أن تظهر بقوّة في العالم الاسلامي وخاصّة بين الدول العربية الرئيسية، ومن المرجح أن يكتسب الاتجاه السلفي زخما في الدول التي تعاني صراعا مع الشباب والأوضاع الاقتصادية الضعيفة مثل باكستان وأفغانستان ونيجيريا واليمن.
كما ومن المتوقع أن تعود أنواع أخرى من الصراعات التي لم نشهدها منذ فترة الى الظهور من جديد مثل الصراع على الموارد. والتصورات عن ندرة الطاقة سيدفع البلدان الى إتخاذ اجراءات قاسية لضمان الوصول الى امدادات الطاقة في المستقبل. وفي أسوء الأحوال، فقد يؤدي ذلك الى قيام حروب ونزاعات على سبيل المثال للوصول الى الامدادات الضرورية لتحقيق الاستقرار الداخلي والبقاء للأنظمة. ومع ذلك ، وحتى إجراءات قصيرة من الحرب سيكون لها عواقب جيو-سياسية مهمة. الأمن البحري يشكل موقعا مهما لحشد الجهود والطاقات في هذا المجال وخاصة لكل من الصين والهند اللتين تسعيان الى تنمية قدراتهما في هذا الاطار، ومن الممكن أن يؤدي تراكم وتفاقم القدرات البحرية الاقليمية الى زيادة التوتر، والخصومات، وان يخلق رد فعل مضاد، لكنّه في المقابل، من الممكن أن يشكّل فرصة للتعاون المتعدد الجنسيات لحماية الممرات المائية والبحرية المهمة ومع شح الموارد المائية المحتمل في آسيا والشرق الأوسط، فمن المتوقع ان يصبح التعاون في هذا الاطار وادارة الموارد المائية أكثر صعوبة بين الدول.
ورغم أنّ خطر استخدام الأسلحة النووية خلال الـ 20 عاما القادمة سيكون منخفضا للغاية، إلاّ انّه من المرجح أن يكون أكبر مما هو قائم عليه اليوم، وذلك نتيجة لعدد من التحولات الحاصلة في عدد من الاتجاهات. فانتشار التكنولوجيا النووية والخبرة تولّد المخاوف من احتمال ظهور أنواع جديدة من الدول التي تحوز أسلحة نووية أو مواد نووية من الممكن أن تستخدمها الجماعات الإرهابية. الاشتباكات المستمرة بين الباكستان والهند لا تزال تثير المخاوف من امكانية حدوث اضطرابات أكبر في المستقبل قد تتدهور لتتحول الى صراع بين القوتين النوويتين. كما تستمر احتمالات حدوث انقلابات او انهيارات مستقبلية في بعض الدول النووية مثل كوريا الشمالية في اثارة الشكوك حول مدى قدرة الدول الضعيفة في السيطرة والتأمين على اسلتحها الاستراتيجية وترسانتها النووية.
وإذا ما تمّ إستخدام الأسلحة النووية في غضون 15-20 سنة القادمة، فان النظام الدولي سيتعرض لصدمة نظرا لما سيعانيه على الصعد الإنسانية العاجلة، والاقتصادية، والتداعيات السياسية والعسكرية. الاستخدام المستقبلي للأسحلة النووية سيحدث تغييرات جيو-سياسية كبيرة ما قد يدفع العديد من الدول الى استحداث او اقامة تحالفات أمنية مع دول نووية للحصول على الغطاء النووي وحماية أمنها بينما قد تدفع دول اخرى باتجاه تبني مطلب النزع الكامل لأسحله الدمار الشامل والسلاح النووي عالميا.
Ø نظام دولي أكثر تعقيدا
من المرجّح ان يشهد الاتجاه نحو مزيد من السلطة والقوة الآخذ في التشكّل منذ أكثر من عقدين، مزيدا من التسارع بسبب انبثاق لاعبين عالميين جدد وبسبب تفاقم العجز المؤسساتي الدولي واتّساع التكتّلات الاقليمية وتعزّز قوة الفاعلين غير الحكوميين اضافة الى الشبكات الممثلة لهم. ومن الممكن أن يعطي تعدد الجهات الفاعلة في المشهد الدولي مزيدا من القوة من حيث سد الثغرات التي خلفتها المؤسسات التي خلفتها الحرب العالمية الثانية والتي تعاني من الشيخوخة، اوان يؤدي الى مزيد من التجزئة في النظام الدولي والتعاون الدولي. لكنّ التنوّع الحاصل في نوع الفاعلين الدوليين يرجّح احتمال التجزئة خلال العقدين القادمين خاصة في ضوء التحديات الانتقالية التي تواجه المجتمع الدولي.
من غير المتوقع أن تتحدى قوى الـ (BRIC) النظام الدولي على الشكل الذي فعلته كل من المانيا واليابان في القرن الـ19 والـ20، لكن وبسبب نمو نفوذهم الاقتصادي والجيو- سياسي، سيكون لديهم درجة عالية من الحريّة لتعديل وضعها السياسي وسياستها الاقتصادية بدلا من أن تتبنى بشكل كامل النموذج الغربي والمعايير الغربية. لكن من المرجّح ان يذهبوا باتجاه الحفاظ على قوّتهم للمناورة من أجل أن يتركوا الحمل والعبء على الآخرين في التعامل مع مواضيع مثل الارهاب والتغيّر المناخي والانتشار النووي وأمن الطاقة.
فالمؤسسات المتعددة الأطراف الكبيرة والمرهقة الموجودة اليوم صمّمت لنظام جيو-سياسي مختلف، وهي تبدو غير قادرة على التكيّف بسرعة للقيام بأدوار جديدة أو تراقب العضويات المتغيّرة وتزيد من مواردها.
أمّا المنظمات غير الحكومية التي تركّز على مواضيع معيّنة، فانها ستكون جزءا من المشهد العام، لكن من المرجّح ان تكون قدرتها على احداث تغيير في غياب الجهود المكثّفة للمؤسسات المتعددة الأطراف والحكومات ضعيفة ومحدودة.
فالجهود الرامية إلى تعزيز الشمولية لتعكس ظهور قوى جديدة قد تجعل من الصعب على المنظمات الدولية مواجهة التحديات العابرة للوطنيّة.
سيكون للإقليمية الآسيوية على الأرجح بحدود العام 2025، انعكاسات عالمية معززة الاتجاه نحو 3 تكتّلات تجارية ومالية: أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا. ونشوء مثل هذه التكتلات سيكون له نتائج على القدرة المتعلّقة بتنفيذ اتفاقات منظّمة التجارة العالمية فيما بعد. وقد تتمكن التكتّلات الاقليمية من المنافسة في وضع معايير انتاجية عابرة للإقليمية في تكنولوجيا المعلومات، التكنولوجيا الحيوية، "النانوتكنولوجي"، حقوق الملكية الفكريّة، ومجالات أخرى من معالم "الاقتصاد الجديد". وفي المقابل، فان غياب التعاون الإقليمي في آسيا قد يساعد على إشعال المنافسة بين الصين والهند واليابان على عدد من الأمور كموارد الطاقة.
من غير المتوقع أن تهيمن هوية سياسية واحدة في معظم المجتمعات بحلول العام 2025، لكنّ الشبكات القائمة على الدين قد تلعب دورا أكبر وأقوى في العديد من المواضيع العابرة للقوميّة مثل البيئة وعدم المساواة، من تلك التي تقوم به الجماعات العلمانية.
Ø الولايات المتّحدة: قوّة أقل هيمنة
بحلول العام 2025، ستجد الولايات المتّحدة نفسها بين عدد من الفاعلين الدوليين المهمّين وإن كانت لا تزال أقواهم على المسرح العالمي. فحتى في المجال العسكري الذي ستظل الولايات المتّحدة تملك تفوّقا ملحوظا فيه في العام 2025، فان تقدّم الآخرين في العلوم والتكنولوجيا والتوسّع في اعتماد تكتيكات غير تقليدية من قبل الدول أو الفاعلين غير الحكوميين، انتشار أسلحة الدمار الشامل البعيدة المدى والدقيقة الاصابة اضافة الى الحروب في الفضاء كلها عوامل من شأنها أن تحدّ من حرّية الحركة لدى الولايات المتّحدة الأمريكية. ولا شكّ انّ تقييد الدور الأمريكي سيكون له انعكاسات على الآخرين وعلى المواضيع التي يجري البحث عن وسائل للتصدي لها بشكل فعّال. وعلى الرغم من صعود التوجهات العدائية للولايات المتّحدة الأمريكية، فانّ النظر إليها كحاجة ضرورية للتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط وآسيا سيبقى قائما على الأرجح. ومن المتوقع أن تواصل الولايات المتّحدة في لعب دور مهم عبر استخدام قوتها العسكرية في مواجهة الإرهاب العالمي.
فيما يتعلّق بالمسائل الأمنية المستجدّة كالتغيير المناخي، فان زعامة الولايات المتّحدة سينظر على نطاق واسع لها على أنها ضرورة حاسمة لرفع مستوى التحدي وإيجاد الحلول. في الوقت نفسه، فان تعدد الجهات الفاعلة والمؤثرة يعني مجالا أقل للولايات المتّحدة للقيام بإعمال بدون دعم قوي من شركائها، كما أنّ التطورات الداخلية في عدد من الدول لا سيما الصين وروسيا ستلعب دورا حاسما في تحديد السياسة الأمريكية.
Ø العام 2025: أي مستقل؟
تقترح الاتجاهات التي تمّ ذكرها خلال النص حصول انقطاعات، انقسامات كبيرة، صدمات ومفاجآت، والامثلة على ذلك تتضمن عددا كبيرا من المواضيع من ضمنها استعمال الأسلحة النووية او الوبائية. في بعض الحالات، قد يكون عنصر المفاجأة مجرّد مسالة وقت لا أكثر: فحصول تحوّل في قطاع الطاقة أمر محتوم لا محالة، والسؤال الوحيد هو متى وكيف سيحصل هكذا تحوّل وما إذا كان سلسا أم صعبا؟. فالانتقال في الطاقة على سبيل المثال من نوع معيّن من الفيول إلى نوع آخر "بدائل" هو أمر حصل تاريخيا لمرة واحدة في القرن على ابعد تقدير، مع تداعيات أكيدة. فالانتقال من الخشب إلى الفحم على سبيل المثال ساعد في إطلاق الثورة الصناعية، ولذلك فان حصول تحوّل في الاعتماد على نوع معيّن من الوقود سيؤدي إلى نتائج كبيرة بالنسبة لمنتجي الطاقة الرئيسيين في الشرق الأوسط وأوراسيا، اذ قد يؤدي هذا إلى تدهور موقع بعض الدول كقوّة إقليمية وعالمية.
في المقابل، فان انقطاعات أخرى قد تكون غير قابلة للتنبؤ، من المرجح أن تكون نتيجة تفاعل عدد من الاتجاهات وتعتمد على نوعية الزعامة أو القيادة، مثل اذا ما كانت الصين أو روسيا ستصبح ديمقراطية ضمن هذه الفئة، فنمو الطبقة الوسطى في الصين تساعد على زيادة الفرص، لكنّ لا تدفع باتجاه جعل هكذا تحوّل أمرا حتميا. في الجهة الأخرى، قد تبدو التعددية السياسية أمرا اقل احتمالا في روسيا في ظل غياب التنويع الاقتصادي. وإذا تحوّلت أي من الدولتين الى ديمقراطية، فسيكون لذلك أثر كبير ومهم على العديد من الدول النامية.
من غير الأكيد أيضا توقّع النتائج المتعلقة بمخرجات التحديات الديمغرافية التي تواجه أوروبا واليابان وحتى روسيا. وسيكون لبعض الإجراءات مثل التكنولوجيا ودور الهجرة وتحسين الصحّة العامة وقوانين تشجيع زيادة مشاركة المرأة في الاقتصاد وغيرها أثر في تغيير مسار الاتجاهات الحالية التي تؤشّر نزولا نحو نمو اقتصادي أقل، زيادة التوترات الاجتماعية والميل نحو الضعف.
وعمّا اذا كانت المؤسسات الدولية ستتكيّف وتحيا، فهو أمر آخر غير محسوم أيضا. فالإتجاهات الحالية تشير الى أنّ تشتّت السلطة والقوّة سيخلق فجوة في الحكم العالمي. وعكس هذه الاتجاهات وتغييرها يتطلب بطبيعة الحال زعامة وقيادة قوية لعدد من القوى في المجتمع الدولي بما فيها القوى الناشئة.
قد يكون لبعض الأمور غير المحسومة تأثير وانعكاس أكبر من بعضها الآخر اذا ما حصلت خاصة اذا كانت أمور تتعلق مثلا بالإرهاب بواسطة أسلحة دمار شامل، سباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط، أو غيرها من القضايا التي بنيت لها العديد من السيناريوهات في التقرير المفصّل.