يقول المؤرخ الأمريكي ارنولد تويني : ( الحضارات لا تموت قتلا وانما تموت انتحارا ) ، وهو هنا يشير الى التدمير الذاخلي المنطلق من البنية الأساسية للحضارة وهي المجتمعات المكونة لها ، كما يثير نقطة مهمة وهي ان النهضة لا يمكن ان يكون لها قائمة في أي مجتمع ان كانت بعيدة عن الدين ، وطبعا قد سبقه في هذا الطرح العلامة الكبير ابن خلدون وأيضا مالك بالنبي من خلال نظريته في المفاهيم الاجتماعية وكذا التغير و التطور الاجتماعي السليم .
وطبعا ما ذكرته كمقدمة يصف و بالتدقيق حالة حضارتنا الإسلامية اليوم ، فالانتحار المشار إليه يعني قطع شريان كل مقومات المجتمع الإسلامي ، فشريان الدين ينزف وكذا الاجتماعي و الأخلاقي والاقتصادي والسياسي و العلمي . وطبعا لا احد يخفى عليه واقعنا المتدني على جميع هذه الأصعدة لأنه واقعنا المعاش اليومي . بمعنى كيان الأمة الداخلي ينزف باستمرار إلى أن تجف كل الدماء .
إذن المؤشرات الداخلية لحضارتنا الإسلامية تشير إلى الصفر ، وكعلاقة طردية تكون المؤشرات الخارجية اشد سوءا ، أي تحت الصفر . و الأحداث الأخيرة التي عشناها من حصار لغزة والعدوان الغاشم عليها احد المؤشرات الخطيرة المبرهنة على ذلك ، فالحصار شاركت فيه كل الدول العربية والإسلامية سواءا بصمتها المدقع أو بدعمها للصهاينة . أما الموقف الثاني والأكثر بشاعة هو التقوقع أمام العدوان الغاشم والذي دل بشكل كبير على الخيانة العربية و التواطؤ المخزي مع العدو . هذا ما عكسته الطبقة السياسة بصفة شبه عامة على جميع الأقطار ولكن لم تعكسه أبدا الشعوب المتضامنة مع الغزيين ...شعوب رفضت الصمت والخضوع للاحكام و القرارات التي تنافي مبادئنا الاسلامية في وجوب نصرة اخواتنا.... لقد عجت شوارع جل البلدان بمظاهرات مجلجلة تنادي بدعم الغزيين وسقوط الأنظمة الظالمة المستبدة التي لم تجد سوى كلمات التنديد لما يحدث من عدوان ومجازر ..... وامام هذا الصخب القومي الداعي لحراك فعلي عاجل رأت بعض الأنظمة انه لابد من فعل شيء حتى تحد من جرعة التضامن القومي الرهيب الذي كان سيصل ذروته ولن يكون حينها بمقدور الانظمة كبح جماح شعوبها الغاضبة ، وان كان مجرد إصدار قرارات فانعقدت قمة قطر وكانت المهزلة عندما قاطعتها الكثير من الدول العربية تحت حجج إن دلت على شيء فهي تدل على الحرص على عدم الوحدة حتى في الرأي . واهم ما خرجت به القمة طبعا هو دعوة إسرائيل بإيقاف العدوان وتجميد قطر و موريطانيا لعلاقتهما و انتهاء ما يعرف بلقاءات السلام العربي الإسرائيلي و اعمار غزة من خلال صندوق عربي اسلامي مشترك بالإضافة إلى قرارات أخرى ..... لكن العدوان لم يتوقف و القصف استمر وتدمير غزة تواصل بكثافة اشد...فبدل ان يعلن تجميع القوى العسكرية العربية وقطع العلاقات تماما مع اسرائيل واعلانها حالة استنفار و حرب الى ان ينهى التواجد الصهيوني المغتصب في اراضينا...بدل كل هذا قرارات بعيدة تماما عن الميدان الذي يعيد لنا هيبتنا و كرامتنا وكينونتنا.....
ثم عقدت القمة الاقتصادية بالكويت وهنا لابد أن أقف أمام هذه القمة الزائفة الواهمة والتي لن تفضي ابدا لوحدة اقتصادية لانه بكل بساطة لا يوجد أي أرضية مجهزة لانطلاق أي تعاون او حتى نقاط اساسية لوحدة اقتصادية .ومادم هناك ولاء و طاعة للصهاينة و الامريكان و الاوربين فلن تكون هناك أي قائمة لهذا المشروع ، ليبقى مجرد حلم بعيد المنال و التحقيق ، فالوحدة الاقتصادية ان تمت تعني التحرر من التبعية و الانطلاق في فضاء المنافسة للاخر وهذا ما هو ممنوع طبعا . وما يستغرب له هو الادعاء أنها قمة رتب لها أكثر من سنة حتى تنجح ، فما كانت النتائج والبلدان المشاركة كلها تحمل أحقاد ومشاكل بينها ويبن بعض ، فعن أي قمة اقتصادية يتكلمون ؟؟؟ وبماذا يوهمون شعوبهم ؟؟؟ . وفي هذه القمة قرر طرح قضية غزة وقد تجاوز عدد الشهداء الالف ؟؟؟؟؟ وطبعا لاننا تعودنا على القرارات العربية عربية فلا منفذ من الكــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام ولا مكان ابـــــــــــــــــــــدا لاي فعــــــــــل ميداني......
غزة تصدت للعدوان وحدها..... الغز يون بإيمانهم برهنوا أن الله ينصر عباده الصابرين الصادقين... أدركوا أن الغلبة للفئة المؤمنة بقضيتها ..... وجعلوا من الشهادة هدف لأجل الله والإسلام والوطن والقضية......... غزة صفعت الأنظمة العربية النائمة منها و الخائنة ... وبرهنت أن التغير يمكن أن ينطلق من فئة صغيرة ...لكن روحها المحركة لها يغشوها الإيمان المطلق و الصادق بالله و التمسك بالإسلام............. وان لا شيء الان مستحيل.....فلتكن غزة المنعرج الحاسم لنا حتى نتعض و نغير من وضعنا ......غزة بصمة في تاريخنا الإسلامي غير مجرى حراك حضارتنا الإسلامية....... فلنواصل ما ابتداه الغزيون......... فلنتحرك يا مسلمون........