إن المجتمع الإسلامي تعرض و ليزال يتعرض لعملية تجهيل مستمرة و بطرق و أساليب نجحت في تكوين أفراد فاقدي الوعي و الفهم الصحيح لكل المفاهيم ،أفراد جاهلين لحقوقهم و واجباتهم ،منغمسين في قضايا دنيوية فرعية لا هدف منها سوى إبعادهم عن ممارسة حياة اجتماعية متكاملة متوازنة وكذا تجميد عقولهم مع عرقلة كل مساهمة او سعي لأجل التغير و الاصلاح والنهوض بالأمة التي غذت اليوم آخر الأمم ، وما يحدث في ربوعها هو دليل لواقعها المزري .
إن الوصول بمجتمعاتنا لمرحلة التجهيل ليس و ليد فترة زمنية قصيرة وإنما عصارة تخطيط طويل المدى و عمل ممتد عبر قرون ( –وقد سبق لنا تناول موضوع تخطيط طويل المدى للأمة يمكن العودة إليه للراغبين -) على المستويين الداخلي و الخارجي ، والذي طبق بطريقة أثمرت نتائج مذهلة نحن اليوم نقطف ثمارها . هذا المخطط الذي انطلق قبل الحملات الصليبية و استمر إلى غاية احتلال أراضينا الإسلامية وحتى بعد خروجهم منها والى يومنا هذا عن طريق الأيادي العميلة والسلطة السياسية الموالية التي تحضن و تشرف على ثبات عملية طمس المعارف السليمة و القويمة في جميع الميادين الدينية الاجتماعية الاقتصادية و السياسية وتجعل بذلك من الفرد تابع لها تسخره لخدمة مصالحها بدل أن تسخر هي مؤسساتها لخدمة هذا المجتمع .
إن الهدف المخطط لنا هو:
1- أن يٌجهل المسلم في أولى مراحله الاكتسابية (الأسرة ،المؤسسات التربوية و الثقافية وغيرها ).
2- أن يٌجهل بعد اكتساب سليم سابق ( من خلال تشتيت للذهن ، تشكيك فيما تحصل عليه ، الإغراء، توظيف الإعلام بطريقة سلبية و غيرها ) .
3- تركيز اهتمام الفرد على أمور دنيوية فردية ، بمعنى غرس الأنانية في النفوس و تفكيك روح الجماعة .
4- ارتكاب تجاوزات أخلاقية و القيام بأعمال منافية للقيم من طرف الفرد دون أن يشعر بسلبية فعله بل يجد تبرير ليقنع نفسه و محيطه أن لا ضرر في تجاوزاته .
اذن التجهيل يعمل على :
/ تجريد الفرد من الأخلاق التي تعدد أهم ركيزة في الإسلام ، والتي اعتبرها مفتاح التحول لأي مجتمع ( إما من القمة إلى القاع أو العكس ) . فأزمتنا اليوم هي أزمة أخلاق بالدرجة الأولى .
/ و أيضا التشكيك في مفاهيمه ( الفرد ) القويمة المكتسبة سابقا و زرع بدالها مفاهيم مشوهة أو لا صلة لها بالحقيقة تجعله دوما تائه لا يعرف أين يوجه دفته التفاعلية كفرد في مجتمع إسلامي له قوانينه التي من المفروض أن تضبطه وتسيره و الأمر في ذلك انه إن حاول البحث عن الحقيقة سيجد عدد كبير من التيارات التي تحاول كسبه في صفها ، هي في حد ذاتها تائها عن أصل الحقيقة إلا عدد محدود منها .
ولا أعتقد انه هناك من ينكر أن التخطيط قد نجح بعدما أصبحنا نفهم ديننا بصورة خاطئة فانحلت مجتمعاتنا وتعفنت بظواهر سلبية ،ولنتوقف أمام بعض نتائج التدمير:
* التطبيق شكلي للفروض دون تلاحم الروح مع الجسد في العبادة ولم يعد لأداء الفرض تأثيرا في النفس و الروح . فالمساجد تمتلئ بمجرد سماع الأذان فينصرف العامل عن وظيفته بحجة لا تأخير لفريضة و يترك الناس تنتظر معطلا مصالح كثيرة و قد تجاهل أن العمل عبادة و الدين أجاز تأخير الصلاة إلى أن نفرغ من اشغلنا الضرورية ، وهذا الموظف نفسه الذي يتسارع لأداء الصلاة في وقتها لا يتوانى في طلب رشوة لقضاء عمل هو مفروض عليه و هو نفسه الذي يؤجل و يؤخر مطالب الناس إلى أيام أخرى ، وهو نفسه الذي لا يتقن عمله و هو نفسه الذي تجده في رمضان لا يفارق القران تاركا كل أعماله ...
عندما أصبح الحجاب هو عبارة عن ملابس تلتصق بجسد المرأة و يقتنع به ... عندما أصبح الصغير لا يحترم الكبير وتعودنا على ذلك ...عندما أصبح الكبير لا يوقر الصغير ورضينا ..... عندما انتشر الفساد الأخلاقي من زنا و اغتصاب و دعارة و انحلال ....عندما تحول شبابنا إلى مدمني مخدرات و متابعين للثقافة الغربية المنحلة...عندما جعلنا من التقاليد السوداء هي من توجه حركة الافراد دون الرجوع إلى الأصل ( الدين ) ....عندما انتشر الفساد الإداري.... عندما تجردنا من حب الوطن .... وأصبحنا نقبل و نرضخ بمن ينهبون حقوقنا و يجعلوننا نعيش حياة ضنكا .... عندما سلمنا بالفقر كأنه مكتوب علينا بينما بلداننا من أغنى البلدان في العالم و يستغلها غيرنا....هذا هو التجهيل ..... لكن كيف و صلنا إلى كل هذه الظواهر المدمرة ؟؟
1- الأسرة :
لقد حدد الإسلام أن أهم نواة لبناء المجتمع هي الأسرة ، لذا انطلق التجهيل من هذه النقطة فخرب الأسرة الكبيرة التي كانت تحمل معنى التآزر و الوحدة و تقدم نموذج البناء القويم الداخلي للمجتمع ،و تحولت إلى أسرة مصغرة كنوع من التطور و التقدم الاجتماعي المأخوذ من النموذج الغربي وبات يتخلى عن الوالدين في دور العجزة أو الاستغناء عن رعايتهم و تلبية مطالبهم ، و أخرجت المرأة من منزلها مكرهة أكثر منها مختارة فالحياة الاقتصادية اليوم لا تسمح بدخل واحد يعيل مصاريف الأسرة، و ترك الأولاد ليربوا في أحضان مربية لا يعلم عن قدراتها التربوية شيئا أو أن يتكفل بهم الشارع و لنا أن نتخيل حال هؤلاء الأطفال و قد استعدوا ليدخلوا مرحلة التعليم.
2- المرأة : عندما أصبحت المرأة المسلمة تطالب بحريتها و حق المساواة مع الرجل وترى في الإسلام قيود لها تحرمها من حياة كريمة و تعرقل دورها في المساهمة في نمو و تطوير المجتمع . فكونت الجمعيات تطالب بحقوق مهضومة و تغيير لوضعيتها في المجتمع الإسلامي جاعلة من المرأة الغربية قدوة لها . فالتعري و الإثارة و تعدد العلاقات هو الهدف المنشود .... ( موضوع أخر )
3- المؤسسات التعليمية :
التي تفتقد عندنا كل ميزات التكوين السليم ، مرتكزة على قتل روح الإبداع و المبادرة و التميز وتعتمد على تجميد الفكر و تقيد المعارف المقدمة بطرق تحد من تنمية الذكاء مرتكزين فقط على الذاكرة التي تملأ مؤقتا لتفرغ بعدها و تملأ بعلوم أخرى ( إن صح التعبير) و هكذا إلى أن يتخرج الطالب بشاهدة من ورق دون تمكن أو قدرة فعالة على تطبيق على ارض الواقع كل ما قدم له من خبرات و إن كانت محدودة أو غير كاملة أو لا تتماشى مع الواقع العملي للمجتمع......
فالجامعات العربية باتت تحتل أخر المراتب الدولية ، و غذت العقول العربية تستقطبها البلدان الأجنبية حتى تستغلها في بناء و تطوير ذاتها بعدما رفضوا من طرف بلدانهم.........
3- المؤسسة الدينية : اين هي المؤسسات الدينية اليوم ؟ لقد تحولت إلى يد تابعة للسلطة السياسية تحركهما كيفا تشاء و تريد وفقد الفرد ثقته فيها وأدرك أنها لم تعد تؤدي دورها في المجتمع .
4- الإعلام
الإعلام الفاسد اليوم ساهم بشكل مهول في زرع الانحلال من خلال ما يقدم من ثقافة هدامة ، لا علاقة لها بديننا و لا تراثنا الإسلامي ثقافة مشبعة بكل ما هو غربي تزرع بذور الخراب في امتنا ، تدعو للاهتمام بالغرائز و إشباعها.... فالقنوات الفضائية لا تهتم إلا بالغناء و الرقص و أفلام فاقدة لهدف التوعية و الإرشاد.... ناهيك عن القنوات الإباحية الوجهة خصيصا للمشاهد العربي ... والتي تلقى إقبال و متابعة .... فكيف يكون حال المتلقي ؟؟؟
5- المستوى الاقتصادي : إن تدني الدخل و غلاء المعيشة جعل الفرد يقتنع بضرورة استغلال عمله في تحصيل المزيد من المال وان كان بطريقة غير مشروعة : الرشاوى و المطالبة بالإكراميات و التي أصبحت عادة منتشرة لا يعفى منها أحد . كما يتجه الأغلبية إلى ممارسة عمل ثان على حساب عمله الأول و صحته و أسرته ، بدل أن يطالب بحقه في دخل يناسب الأوضاع المعيشية .
ثم ان تحديد الدخل الفردي له هدف و هو محاصرة الفرد بإشغاله فقط في كسب قوة يومه دون أن يكون له أي دور آخر داخل مجتمعه ويحد تفاعله ( موضوع يمكن التوسع فيه ).
إن أي مجتمع عقيم من طبقة مثقفة ذات مبادئ و أسس قويمة لا يمكن أن يحدث حراك اجتماعي متزن بل على العكس حراك مختل كما نعيشه نحن اليوم.....
التجهيل ليزال قائم و رغم أننا ندرك ما يحدث لنا إلا أننا مستسلمين له..... الم يحن الوقت بعد للتغير و نشر الوعي و الحد من التجهيل المتعمد .....