محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شـــــرف منتـــظر (قصة قصيرة )
وقفت خاملا فى أحد أركان المتجر يعترينى برد وملل , وحولى كثير من الزملاء و الرفقاء الجدد . تغير على كثير من الرفاق ولكن انفك إسارهم من هذا المتجر الصاخب ومن عنت عملائه , أما أنا فقد كنت أركدهم حظا فى إقبال الدنيا على . أعرف الآن أننى أقل وسامة منهم وجمالا وأننى أغلظ جلدا ولى وجه تجاوز سن الشباب وفيه من الصرامة حس لا يستتر , ولكن كنت أقول لنفسى كثيرا " لكل فولة كيال " .
ذات يوم أخرجتنى يده من غفوتى وهو يضع يده على وجهى ثم تنسل نحو أحد جوانبى . حملقت فى وجهه , شاب هادئ , له ملامح عاطفية وفى عينيه بدا إعجابه بى .أخيرا بدا لى أننى سأهجر هذا المكان الصاخب وأترك هذا المحبس الاضطرارى الى وظيفة أخرى غير الاستعراض . سأنطلق فى كل شوارع المدينة . لى رغبة أن أعتلى بناياتها المرتفعة صعودا على سلالمها وأن ألج كل الأماكن وأن أطأ كل الصالات الحاشدة هادئة كانت أم صاخبة .
عندما حملنى الى داره وتركنى فى مرقدى حتى انتصف الليل واستسلمت لغفوة ظننتها تطول , استيقظت على ارتطامى العنيف بأرض الغرفة بعد أن ألقانى ثم اندفع بقدميه الاثنتين لتملأا جوفى الفارغ . أخيرا لم أعد حذاءا عاطلا عن العمل ..سأطوف المدينة التى تضوعت بعطرها كتب التاريخ . سأشاهد الأحداث التى طالما عبرت أخبارها أجواء المدينة , بل سأعاين كثيرا من آثار أنباء سابقة طالما رددها رواد المتجر الكبير الذى وقفت على أحد رفوفه أكثر من عام . كان صاحبى ينطلق بى فى كل مكان . أردت أن أخرج من البطالة حقا , و لكن ليس بهذا الشكل المرهق و المضجر , إنه يجرى بى فى كل مكان وفى كل وقت . عمله لا يعرف حدود الليل و النهار . فى أيام قليلة بدت على آثار شهور طويلة . الشاب فقير ولا يمتلك سيارة . عمله يؤهله أن يسترزق منه لو أغفل ما يتمتم به عن رسالة مهنته و شرفها. أظننى سأتمزق تحت قدميه سريعا .
عندما خيم الصمت على المكان وأحسست بهيبة الموقف وخشوع الحاضرين فيه أو خضوعهم , بدأت أخرج من حالة تمردى على صاحبى وخصومتى نحو مايقوم به . خلعت عنى لا مبالاتى الأخيرة بما يصنع و يتكلم . تلفتت حولى لأكتشف بريق رفقاء الأرض جميعهم إلا أنا , فقد كنت مغبرا كئيبا . جميع الأحذية كانت تأخذها كبرياء المكان وبهجة الحدث وفخر الحضور و فخامة القاعة الرائعة حيث تلألأت أضواؤها فازداد بريق وجوههم اللامعة وازداد خجلى . توترا أحسسته فى جوفى ربما صنعته تشنجات أصابع قدميه المتوجسة . خشعت الأصوات حولى إلا من همس, حتى حركات أقدام الآخرين التى كانت تقربنا من بعض حينا و تباعدنا بهدوء حينا آخرا توقفت تماما . كل شئ سكن , الحركة و الصوت حتى التنفس و النبض وذلك عندما أهل الرجلان وراء المنصة . فاجأنى صاحبى لما امتدت يداه نحوى ينزعنى من قدميه ليضعنى على ركبتيه . ياللبؤس يبدو أن صاحبى مجنون . توترت لمقامى الجديد فلم أعهده , كما لم آلف سخونة جسده تحت نعلىّ . سمعت صراخه المارد عن الأرامل و الثكالى وضحايا هذا الطاغوت الذى خشع له المكان , ثم ياللهول, إنه يصفه بالكلب ثم يطلقنى قذيفة محملة بالإهانة نحو رأس لم ينحنِ من قبل فإذا به ينحنى هلعا منى . صرخت وأنا أشق الهواء ولم يكن ثم صوت غير صوتى ولا حركة سوى انطلاقى وصراخ كرامة جريحة تلحق بى .غفلت كل عيون العالم عن كل شئ إلا عن وجهى و وجهتى . سكت العالم عن كل شئ إلا عن فعلتى وهويتى . صار لونى و مقاسى حديثا للصحف . احتلت صورى كل الصحف و المجلات و أنا أعلو الطاغية الراكع خوفا منى و حذرا, نعم رأيت فى وجهه الصدمة و الدهشة والخوف , فقد كنت الأقرب منه حيث لم يجرؤ أ ن يقترب أحد .
صرت مثار حسد كل أحذية الأرض حتى تلك التى يرتديها السادة الملوك والأمراء والحكام والرؤساء. لقد امتلأت حقا بالكبرياء ووسمت بالشرف الرفيع . الرائع فى الأمر أنه كبرياء مستحق و شرف لم يعرفه حتى الكثير من أصحاب السمو والرفعة و الفخامة .
المشكلة الآن أننى حبيس جهة أمنية كبرى تحول بينى وبين احتفاء العالم الحرُّ بى . لكن ليس هذا ماآلمنى قدر فراقى الملحمى والأبدى عن صاحبى .أوصيكم أن أدفن معه ..فهل يوصى البطل بذلك ؟؟
|