المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
فنانون سوريون يكتبون الأدب: أصالة الموهبة والهاجس... أم حالة تظاهر ثقافي؟!

تحقيق: محمد منصور

ظاهرة اتجاه بعض الفنانين السوريين نحو كتابة الأدب، كانت محور تحقيق موسع في جريدة (القدس العربي) اللندنية، تطرقت فيه إلى معظم التجارب التي خاضها الفنانون السوريون في كتابة القصة القصيرة والمقالة والمسرحية والزاوية الصحفية. المخرج علاء الدين كوكش كان أحد أبزر الأمثلة، حيث وصفته الصحيفة بأنه (أديب في ثياب مخرج) وهنا نص التحقيق.

(محرر الموقع)

اتجاه بعض الفنانين والممثلين والمخرجين الي الكتابة الأدبية والنقدية، ظاهرة انتشرت في الوسط الفني السوري بقوة في السنوات الأخيرة. فيما مضي كانت مساهمات الفنانين الكتابية تقتصر على كتابة سيناريوهات بعض التمثيليات والمسلسلات، وكان الأمر يبدو ضمن أجواء العمل نفسها، أي في دائرة الاهتمام التمثيلي والفني... لكن هوسا من نوع آخر أطل في اهتمامات الفنانين السوريين، فمنهم من اتجه لكتابة الشعر... ومنهم من كتب القصة والرواية والمسرحية... وثمة من أراد أن يحجز لنفسه مكانا بين كتاب الزوايا الصحافية الأسبوعية في الصحف والمجلات كما فعلت المطربة أصالة نصري، وكما تفعل أمل عرفة في آخر مثال من هذا النوع!
فما هو سر بروز هذه الظاهرة... وما هي الدوافع الخاصة والذاتية لدي كل فنان على حدة... وهل شهرة الفنان ونجوميته تساهم في تسويق ما يكتب بغض النظر عن جودته، أم أن سعي الفنان نحو الكتابة هو محاولة لتدعيم موقعه الفني، والظهور بمظهر ثقافي، أمر يستوجب المزيد من الاحترام؟!  هنا تحقيق نقدي حول هذه الظاهرة، نحاول فيه استقراء الدوافع والأسباب، واختبار مدي أصالة النصوص الأدبية والنقدية التي ينشرها الفنانون السوريون بين حين وآخر!
* علاء الدين كوكش: أديب في ثياب مخرج!
المخرج التلفزيوني المعروف علاء الدين كوكش، صاحب عشرات المسلسلات التلفزيونية والمسرحية التي قدمها منذ بدايات التلفزيون السوري في الستينيات وحتي اليوم، واحد من أبرز نماذج ظاهرة (الفنانون الذين يكتبون الأدب) فهو يكتب القصة القصيرة والمسرحية، وينشر منذ تسعينيات القرن العشرين. وربما كان كوكش أحد أبرز الفنانين مواظبة علي الكتابة الأدبية، وسعيا نحو نشر كتاباته المسرحية والقصصية، فقد أصدر أربعة من نصوصه المسرحية في كتاب حمل عنوان (مسرحيات ضاحكة) وصدر عن دار اسكندرون عام 2002.
كما أصدر عام 2006 مجموعة قصصية بعنوان (انهم ينتظرون موتك) واتسعت رقعة انتشار نصوصه الأخري، فوجدت طريقها الي أرقي المجلات الثقافية والأدبية العربية (الناقد ـ الآداب ـ سطور ـ كتابات معاصرة ـ الحداثة) فضلا عن نصوص أخري نشرها في مجلات أسبوعية أو صحف يومية.. وقد أنشأ لنشر كتاباته أيضا، موقعا علي شبكة الانترنت حفل بسجالات كثيرة، وخصوصا مسرحيته الأخيرة (رسالة حب: دراما سورية لبنانية) التي أثارت لغطاحاداً علي الانترنت، لكونها تتناول العلاقات السورية اللبنانية من منظار انساني متفرد ورؤية مثيرة للاهتمام!
يقول علاء الدين كوكش عن علاقته بالكتابة الأدبية: (الكتابة هاجس قديم، شغلني عنه التلفزيون لفترة طويلة... وقد بدأت في الفترة الأخيرة ومع تقدمي في العمر أحس أن هناك أشياء لا يمكن التعبير عنها في التلفزيون. فهناك أشياء بداخلي أحسست أنني لن أراها في الدراما التلفزيونية، ولا أستطيع تقديمها عموما، لأنها لا يمكن أن تجاز من قبل رقابة المحطات العربية، فكان أن اتجهت الي كتابتها علي شكل قصة قصيرة تعبيراُ عن مخزون أو مشاعر لا يمكن التعبير عنها في العمل التلفزيوني.
وثمة سبب آخر وهو أنني أتوجه الي شريحة أخري من الناس قد لا تكون ضمن جمهور التلفزيون، وأعني الشريحة التي تحترم الكلمة المكتوبة وتري في القراءة زادا معرفيا لا تغني عنه وسائل الاتصال الأخري، لكن الأهم في هذه المسألة أن كتابتي للقصة والمسرحية، ترضي لدي حاجة الابداع الفردي التي أكون فيها سيد الموقف، أي صاحب الفكرة والمعبر عنها، وعن أسلوب معالجتها دون وسائط أخري... ففي العمل الفني هناك الشروط والعوامل التي ستشعر معها أنك ان لم تتنازل عن طموحك، فان طموحك ذاته سيبقي مقيدا بالشروط والظروف وسقف الانتاج، ان لم نتحدث عن الرقابات أيضا).
ويري المخرج علاء الدين كوكش في الكتابة الأدبية انحيازا للحياة ودفاعا عنها... فهو يكره الموت رغم أنه حتمي لأنه يحس فيه (خسارة للحياة) ويكره الظلم لأن فيه سرقة للحياة أيضا... ولهذا يكتب لكي يفضح الظلم والاستغلال وامتهان كرامة الانسان، يقول:
(أكره الأشياء التي تحاول أن تسلب من الناس حقهم في أن يعيشوا كما ينبغي، ولذلك أفكر أن أكتب ولدي الكثير من المشاعر التي تؤكد حبي واحتفائي بالحياة... تلك الحياة التي يحاولون أن يسبقوا الموت في سرقتها منا).
واذا أردنا أن نقيم تجربة علاء الدين كوكش الأدبية كمخرج، سنجد أنها تجربة تمتلك عنصرين هامين في تأصيل حضوره ككاتب:
العنصر الأول: الاستمرارية في هاجس الكتابة... بما يعني أنها ليست نزوة طارئة بالنسبة له.. بل تعبيرا عن أفكار أو حالات تلتقطها عينه ككاتب باستمرار.
العنصر الثاني: أصالة الرؤية الأدبية... ففي معظم ما كتب، يختار علاء الدين كوكش موضوعات ساخنة وحارة وراهنة، ويقدم معالجة عميقة لها، تلتقط جوهر المفارقة الانسانية في الموضوع المطروح، الذي غالبا ما يقترب فيه من المحاذير السياسية والرقابية.
وهكذا فعلاء الدين كوكش لا يخوض الكتابة لتدعيم حضوره الفني... بل هو يكتب ما يلح عليه من أجل الكتابة ذاتها، فهو يكاد يكون أديباً في ثياب مخرج.
* المخرج نبيل المالح: البناء الشعري للسينما!
المخرج السينمائي السوري البارز نبيل المالح، مثال آخر علي الفنانين الذين يكتبون الأدب... ورغم أن نبيل يكتب سيناريوهات أفلامه التي حصدت الجوائز ومتابعة واهتمام الجمهور في آن معا، ولعل أبرزها (الفهد ـ بقايا صور ـ الكومبارس) الا أن اهتمامه بالكتابة الأدبية، وبالشعر علي وجه الخصوص، بدأ باكراً... وفي ذلك يقول:
(نشرت أول قصيدة لي وأنا في الرابعة عشرة من عمري. ومضيت لكي تصبح لي زاوية شعرية أسبوعية وأنا في الخامسة عشرة... اضافة لكتابة مقالات ورسوم وكاريكاتير سياسي. وفي أوروبا... نشرت العديد من الأشعار بلغات مختلفة، ولكن السينما التي درستها ومارستها، كانت تبتلع كل ما أنتج.. رسماً وشعرا وأدبا).
ويعتقد نبيل المالح في تفسير الصلة بين الكتابة الأدبية وممارسة الابداع الفني في السينما والتلفزيون... أن السينما الحقيقة كي تنضج، يجب أن تجمع البناء الشعري والموسيقي والبصري معا.. وفي ذلك يقول:
(أنا أعتقد أن السينما الحقيقية ستكون كذلك اذا استطاعت الوصول الي البناء الشعري والموسيقي للتعبير، ولذا فهي مازالت في خطواتها الأولي بالرغم من كل شيء).
والحق أن صدي الكتابة الشعرية لنبيل المالح يتجلي في أفلامه، وخصوصا في فيلمه (الكومبارس) الذي يشبه في مشهدياته عن الحب وعن العلاقة الاستثنائية بين الأرواح المتعبة المخذولة، ما كتبه في قصيدته الرائعة (قبور الجدران) التي يقول فيها:
على الجدران
تتحرك الأحداق
الشفاه ماتت في ابتسامة
الأنامل صرخت صرختها الأخيرة
هناك على الجدران... ألف صفحة مسجونة في اطار
ألف موت مشنوق علي الجدار
يبتسم... يشير... وأخيرا يصمت
هناك علىالجدران
علقنا الأيام
والطائر الحزين لا يرى النافذة!
* الممثلة رغدة: خانت الأدب لحساب السينما!

وفي فضاء الشعر، حاولت النجمة السينمائية السورية الأصل (رغدة) أن تحلق أيضا، وأن تحقق نجوميتها التي تكرست لها في السينما المصرية... وقد أصدرت ديوانها الأول (مواسم العشق) في القاهرة عام 1989... الا أن انشغالها بفن التمثيل حرمها من أن تحقق أحلامها الأدبية، مما دفعها للقول في احدي حواراتها الصحافية المنشورة: (خنت الأدب لحساب السينما).
والمعروف أن رغدة ـ وهي شقيقة الكاتبة والصحافية حميدة نعنع ـ التي ذهبت الي القاهرة لتداعبها أحلام النجومية هناك... كانت تنوي العمل الصحافي والأدبي، لكنها تحولت فجأة الي الفن... وعن هذا التحول التي طبع مرحلة البدايات، تقول:
(نقطة تحولي من الأدب الي التمثيل تؤلمني جداً... كانت أمنيتي أن أظل شاعرة وأديبة... ولو عاد بي الزمن وقطار الحياة الي الوراء لاخترت الأدب دون تردد علي الاطلاق)
وتشعر رغدة علي ما يبدو بحالة من الندم الشديد، لاعتقادها أن امكاناتها الأدبية ستؤهلها لأن تكون نجمة في الأدب، أكثر مما هي في الفن... وفي ذلك تقول:
(ندمي شديد... لأن الأدب غرامي الأول والأكبر، وأنا واثقة ومتأكدة أنني سأكون نجمة في مجاله، أكثر مما أنا اليوم نجمة في شارع الفن والأدوار.. ونادمة لأن التمثيل أخذني من الأدب).
ورغدة التي قامت ببطولة العديد من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية الهامة في مصر وسورية... يبدو أنها قد وجدت وقتا للتفرغ للكتابة في السنتين الأخيرتين... حيث تكتب زاوية صحافية أسبوعية في مجلة الصدي الخليجية، تحت عنوان ورقة حرة كما نشرت مؤخرا العديد من القصائد في احدي المجلات الثقافية.. ومنها قصيدة (قنديل الجدة والدرب) التي تقول فيها:
أحمل قنديل الجدة وأحث خطاي
أقرأ كف العتبات المبتلة
بضمير الفقر
أربت علي كتف الدرب الطاعن في عمره
يلتفت الي بعمقه
بجسده الموطوء بتجاعيد سنينه
بفضلات الذاكرة المطحونة
بقدميه الحافيتين
الا من طين البسطاء
تنتعل بلاطاته سراب العتق
وزفير العتمة
يفوح بعطر الغرباء
وهذه أفضل قصائد رغدة المنشورة مؤخرا نسبيا، وهو شعر يُقرأ دون شك، لكن وكما هو واضح فشعر رغدة متوسط القيمة عموماً، وهو لا يحمل بصمة خاصة لا في الرؤية الشعرية، ولا في الأسلوب... ولعل ما يلفت اليه الانتباه، وما يجعل المجلات التي تنشره تحتفي به، وتضع صورة كاتبته علي غلافها، مذيلة بإعلان: (قصيدة جديدة...) هو أن كاتبته هي رغدة الممثلة السينمائية المشهورة والجميلة في آن معا... ولو أن امرأة أخري تكتب هذا الشعر، لوجد طريقه للنشر.. لكنه مر مرور الكرام في زحمة الأصوات الشعرية المتشابهة!
وفي المحصلة فان النقد الأدبي... اذا ما أخضع كتابات الفنانة رغدة الشعرية لمعاييره الصارمة، فانه قد لا يوافقها الرأي أبدا... أنه كان بامكانها أن تكون أكثر نجومية في الأدب... مما هي في الفن اليوم... فالكتابة الأدبية لا تمنح أضواء الشهرة الفنية بالسرعة التي يمنحها الفن، ولا تعترف بامكانات التمثيل والمحاكاة في الكتابة والتأليف علي الاطلاق!
*الممثل بسـام كوسا: نص لص.. بداية ونهاية!
ومن الشعر الي القصة القصيرة التي استهوت الممثل النجم بسام كوسا في السنوات الأخيرة.
وبسام كوسا، كان قد بدأ ينشر قصصه القصيرة في الصحافة منذ ثمانينيات القرن العشرين، كما شارك أحيانا في احياء أمسيات أدبية بصفته قاصاً... قبل أن يشق طريقه في التمثيل، متدرجا من الأدوار الثانوية البسيطة الي أدوار البطولة التي استطاع أن يحقق حضورا ابداعيا مهما فيها
أما عن علاقته بالكتابة فقد كتب عن هذه العلاقة يقول يوماً:
ـ في البدء كانت الكلمة... في البدء كان المعني... لا فرق بين الايماءة والحرف، أحدهما يرفع الآخر علي كتفيه. ألفيت نفسي صغيرا أكتب... لمَ... وكيف؟ لم أكن أدري.. لكن عندما تسرب الي روحي وعي ما، عرفت بأنني أكتب وأمثل لأن هناك قادماً أسود، علينا أن نقف في وجهه بصلابة وحكمة).
وقد أصدر بسام كوسا عام 1998 مجموعة قصصية يتيمة أسماها (نص لص).. والعنوان ليس لاحدي قصص المجموعة، بل لمقدمة صغيرة يبدي فيها الكاتب رغبته بأن يستلهم في احدي قصصه شخصية أو نموذجا بشرياً، له مواصفات ليس اللص الكامل، بل أن يكون (نصف لص لا أكثر) لكنه يكرر أنه بعد بحث وجهد فان محاولته باءت بالفشل.. ويبرر هزيمته بالقول:
(كل من قررت أن أعتمدهم مادة لمادتي اكتشفت أنهم كاملي اللصوصية، لذلي فليعذرني سيدي القارئ لأني استخدمت عنوان مجموعتي القصصية دون أن يكون هناك قصة قصيرة أو طويلة تندرج تحت عنوان نص لص).
وعبر هذا الدخول الحار في التصنيف القيمي والأخلاقي، يضعنا بسام كوسا أمام الرؤية الانتقادية التي تنطوي علي حالة من التعرية والادانة... وهو هنا يحاول أن يقول ككاتب بصوته الخاص، مالا يقوله ربما كممثل عبر أصوات شخصيات يؤديها بخيرها وشرها.
ان بسام كوسا الكاتب، هو صاحب رؤية تبحث في الجوهري والأصيل في الحياة، وتنحاز بمحبة ووعي الي عالم الناس البسطاء والمأزومين بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم... فهو ليس كاتبا رومانسيا، ولا كاتبا عبثيا، أو صاحب بحث جمالي وفني خاص.. انه كاتب يعبر عن أفكار لصيقة برؤيته الانتقادية الخاصة من خلال سرد قصصي يبدو مرتبكا في بعض الأحيان، وصياغة لغوية تبدو في بعض المواضع بحاجة الي شيء من التنقيح والتكثيف... رغم جماليات الشكل القصصي التي تبرز في المجموعة وتنوعها.
وقد صمت بسام كوسا منذ ثماني سنوات تقريبا عن كتابة ونشر القصة القصيرة، وكأن هواجسه القصصية قد نفذت، أو أن اشتغالاته في عالم التمثيل قد أخذته من الأدب الي غير رجعة!
* المخرج حاتم علي: هواية من زمن مضى!
والأمر نفسه نجده لدي الممثل والمخرج حاتم علي، الذي توقف عن كتابة الأدب أو نشره ـ علي الأقل ـ بعد أن أصبح اسما لامعا ومطلوباً في عالم الاخراج التلفزيوني.
وحاتم علي الذي درس التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وتخرج عام 1986... كانت الكتابة هي الطريق الذي قادته نحو التمثيل، كما يقول، في زاوية منشورة له:
(علاقتي بالكتابة بدأت قبل التمثيل.. وكانت السبب المباشر في دخولي هذا المجال. فقد جئت المعهد العالي للفنون المسرحية بهدف الانتساب الي قسم الدراسات المسرحية الذي سمعت أنه قد تم افتتاحه... ولكنه كان مجرد اعلان من قبيل التفاؤل... فلقد تأخر ذلك أكثر من أربع سنوات... كنت خلالها قد تخرجت. فلقد آليت علي نفسي ألا أعود خائباً.. فانتسبت الي قسم التمثيل، الذي كان القسم الوحيد في المعد العالي للفنون المسرحية. فيما بعد تحولت الكتابة الي اهتمام ثان... ثم ما لبثت بسبب انهماكي في العمل الفني، أن تحولت الي مجرد هواية!).
وفي عالم الهواية أصدر حاتم علي أكثر من مجموعة قصصية ومسرحية، وكانت البداية مع مجموعته القصصية الأولي (موت مدرس التاريخ العجوز) التي صدرت في دمشق عام 1988، والتي حولت مجموعة قصصها فيما بعد الي سيناريوهات لأفلام تلفزيونية... ثم مع مجموعة مسرحيات مشتركة مع الممثل زيناتي قدسية، حملت عنوان (الحصار)، فضلا عن قصتين طويلتين للأطفال صدرتا في كتابين مستقلين.. أما آخر ما نشره فكان المجموعة القصصية (ما حدث وما لم يحدث) التي صدرت عام 1996.
وتجربة حاتم علي في الكتابة، خلقت مبرراتها الذاتية... فقصصه تحمل في الغالب عالما نفسيا مأزوما، محكوما بالفقر والخوف... الأمر الذي يفسر تعاطفه الانساني المطلق مع أبطال قصصه، وتوغله في العالم الداخلي لشخوصه برهافة وصفاء بالغين... وعبر لغة بسيطة وسلسة ومشرقة في صورها الحياتية، بعيداً عن التعقيد والجزالة المفتعلة.
وقد وجد حاتم علي في كتابة سيناريوهات الأعمال التلفزيونية، امتدادا ما لتجربته في الكتابة الأدبية... وخصوصا أنه قدم قصصه نفسها أحيانا... لكن نجاح تجربته الاخراجية، جعلته لا يهجر الكتابة فحسب.. بل يهجر التمثيل أيضا... وينطلق في أفق الصياغة النهائية للعمل الفني.
وهكذا ظلت تجربة حاتم الأدبية، حالة هواية... ربما رفدت ثقافته كممثل وكمخرج لاحقا، لكنها في كل الأحوال.. لم تحقق اضافة في عالم الأدب... بقدر الحضور الانساني الخاص لقلم يقدم هواجس ذاتية وخاصة حينا وعامة حينا آخر، ومكتوبة بحرفية أدبية معقولة!
*المخرج هيثم حقي: حميمية القصة أم صخب المعارك النقدية؟!
وبين النقد والأدب... تنقل المخرج المعروف هيثم حقي... فهو كتب العديد من القصص القصيرة، التي حول بعضها الي سيناريوهات تلفزيونية، كما فعل مع قصته (واختلطت الأصوات) التي حولها الي فيلم تلفزيوني بالعنوان نفسه. لكن عندما أراد هيثم حقي أن يصدر كتاباً يحمل اسمه كمؤلف، فانه اختار معاركه النقدية التي خاضها في الصحف، مع زملائه في الوسط الفني... ليصدرها في كتاب حمل عنوان (بين السينما والتلفزيون) وصدر عام 1998 وهو كتاب يتمتع بقيمة نقدية حقيقية، وخصوصا في نقده التطبيقي للأعمال السينمائية والتلفزيونية العربية.
وعلاقة هيثم حقي بالأدب بدأت باكرا... ومن بوابة أخري غير القصة القصيرة التي أحبها لاحقا.. وفي ذلك يقول:
(بدأ اهتمامي بالأدب مبكرا... فقد نشأت في بيئة ثقافية تعني بالفن والأدب عناية فائقة. أبي اسماعيل حسني حقي، كان فنانا تشكيليا رائدا، وهو من أوائل الذين درسوا في كلية الفنون الجميلة في روما مطلع الخمسينيات... وكما يذكره من عرفه، كان موسوعة متنقلة، وقد شغفت به وصادقته منذ مراهقتي.. وأحبني هو لما وجد لدي من ميل لما يحب، فكان يسمح لي أن أقرأ ما أريد من مكتبته الضخمة... ولا يتردد في شرح أعقد المسائل النفسية وحتي الجنسية أحيانا. وأولي محاولاتي الأدبية كانت أقرب الي الخواطر الرومانسية. وقد لقيت تشجيعا علي أسلوبي الأدبي حينها، فحاولت أن أقرض الشعر... لكن ما كتبته من شعر كان متوسط السوية بين ما كان يكتبه زملائي... وكان ولعي بالسينما والرواية قد أصبح الاهتمام الأول في حياتي الي جانب اهتمامي الثقافي العام... فخطر لي أن القصة هي مجالي والسينما هي حرفتي، وفعلا اعتبارا من الخامسة عشرة من عمري وأنا أكتب القصص القصيرة).
في قصص هيثم حقي التي لم ينشرها في كتاب بعد... ثمة حس تسجيلي، وثمة اهتمام بالتفاصيل التي تصوغ المشهد القصصي، وكأن النص القصصي مكتوبا برؤية بصرية... ورؤي هيثم حقي الفكرية تبرز واضحة في قصصه عموماً، لا تحتاج الي شرح أو تفسير... وربما أمكن للقارئ والناقد أن يطلع علي تجربة هيثم حقي في الكتابة بشكل أدق فيما لو نشرت في كتاب!
*ومن الأدب الي الصحافة!
ان ظاهرة اتجاه الفنانين الي الكتابة في الوسط الفني السوري... لا تمثل تيارا أو حالة عامة، بقدر ما تتصل باهتمامات الأفراد أنفسهم واهتماماتهم...
وقد تفرع عن هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، ظاهرة الفنانين الذين يكتبون الزوايا الصحافية... فواظب بسام كوسا علي كتابة زاوية أسبوعية لأشهر عدة في جريدة (الثورة) قبل ثلاثة أعوام... مثلما واظبت رغدة حاليا علي كتابة زاوية صحافية في احدي المجلات الخليجية، كما سبق وأسلفنا، محاولة اضفاء طابع ثقافي علي موضوعاتها... ومثلما فعلت الفنانة أصالة نصري التي تكتب زاوية أسبوعية في مجلة (زهرة الخليج) الاماراتية... تحت عنوان: (صوت علي الورق) هي أقرب الي الموضوعات الاجتماعية والشخصية منها الي الكتابة الثقافية... فيما تعتبر الفنانة أمل عرفة أحدث الوافدين الي عالم الزوايا الصحافية من الوسط الفني، حيث تنشر زاوية أسبوعية في جريدة (بلدنا) اليومية الاجتماعية الترفيهية التي تصدر في دمشق
واذا كان تقييم الزاوية الصحافية، يختلف عن التقييم الأدبي... علي اعتبار أن الكتابة الصحافية يمكن أن تكون عابرة... فان حالة اللهاث وراء الكتابة التي تصيب بعض الفنانين حينا... لا تبدو خالية من أمراض الاستعراض الثقافي، وحب الظهور بمظهر الفنان المثقف والشامل.
والواقع أن هذا الاتهام لا يمكن أن يعمم علي جميع التجارب... فثمة فنانون يمتلكون بالفعل دوافع أصيلة للكتابة، ويمتلكون ما يودون قوله للقارئ بصدق وجدية، كما توحي بذلك نصوصهم ذاتها.. وكما نجد حاليا في الحس النقدي الذي تتمتع به زوايا الفنانة أمل عرفة... ومن قبلها الفنان بسام كوسا.
* من يخدم من؟!
وفي كل الأحوال... يبقي السؤال: من يخدم من؟! هل الفنان هو من يخدم الكاتب في تسويق نصوصه وحضوره بين القراء في ظل حالة الكساد التي تعاني منها الثقافة عموما؟ أم الكاتب هو الذي يخدم الفنان فيسبغ عليه مظهراً ثقافيا مستعاراً؟!
الواقع يقول أن حضور الفنان يطغي في هذه التجارب علي حضور الكاتب مهما كان مبدعا وموهوبا... فالقارئ وجهة النشر والنقاد، يتلقون النص الأدبي الذي يكتبه الفنان من زاوية النجومية التي يتمتع بها أمام الكاميرات... وقد يخلطون بين روعة أدائه التمثيلي أو غنائه... وبين حسن تقبل كلماته كرمى لخاطر الفن!
ولأنه في الفن تحديداً (ليس كل ما يلمع ذهباً) ولأن كثير من النجوم الذين يتحدثون في كتاباتهم عن القيم والمشاعر والنزاهة والانحياز الي الظواهر الاجتماعية الايجابية ومحاربة الفساد، غالبا ما يكونون بعيدين عن هذه الروح في ممارساتهم وحضورهم في الوسط الفني والثقافي أحياناً كثيرة؛ فان الكتابة تبقي لدي بعض هؤلاء مجرد تعبير نظري حالم قد لا يمت لواقعهم الشخصي بصلة، وتبقي لدي بعضهم الآخر خيارا شخصيا، وتجربة مفتوحة للجميع... يمكن أن يتذوقوها أو يتفاعلوا معها حسب درجة الصدق التي تنضح بها!
وعلي صعيد آخر.... فقد تغني الكتابة شخصية الفنان، وترفع من احساسه بقيمة الكلمة وتذوقه لها في النصوص الدرامية التي يمثلها أو يخرجها في السينما والمسرح والتلفزيون... لكن الأمر لا يعني بالضرورة حكم قيمة لصالح التجربة، فالنص المبدع، والاستمرار الأصيل في الكتابة والانتماء لعالم التعبير الأدبي، هو الذي يؤكد مدي جدية تجربة هذا الفنان في النهاية... ومدي انتمائه الحقيقي للأدب والكلمة بعيدا عن حالة التظاهر واستعراض النجومية في مجال آخر!

جريدة (القدس العربي) 28/2/2008

 





"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."