المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ترجمة كتاب أصل التفاوت بين الناس لروسو

أصل التفــاوت بين النـــاس

 جــون  جـاك  روســـو

 

 

 

ترجمة

 

 

نور الدين العـــــــلوي

 

 

 

 

 تونس 2004

 


هذا الكتاب ترجمة لكتاب جون جاك روسو :

 

(Discours sur l origine et les fondements de

L'inégalité parmi les hommes)

 

وقد تمت الترجمة باعتماد طبعة  صادرة سنة 1971 عن دار النشر الفرنسية بباريس 

         editions sociales  Les حيث نص في مقدمتها  على ان حق الترجمة والاقتباس و إعادة الطبع مسموح به لكل العالم . وقد قدم لهذه الطبعة  وعلق على النص الأصلي  مبرز جامعي فرنسي هو   ج.ل.لوسركل  (J.L.LECERCLE)ويتضمن الكتاب كذلك  ترجمة المقدمة التي وضعها  محقق النص كما تمت ترجمة التعريف الذي وضعه لجون جاك روسو .

 

*****

 

المترجم : خريج الجامعة التونسية  قسم علم الاجتماع  حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع ومختص في الخدمة الاجتماعية  يكتب الرواية والقصة القصيرة ويعمل خبيرا في الضمان الاجتماعي  ويهتم بروسو  ضمن اهتمام أوسع بالمسالة الاجتماعية  وبالترجمة لمفكري النهضة .


الفــــــهرس

 

 

1.      مقدمة المترجم : لماذا نستعيد روسو

2.      تعريف الكاتب : جون جاك روسو

3.      مقدمة المحقق :  J.L.LECERCLE

4.       إلى جمهورية جنيف

5.       توطئة جون جاك روسو

6.      المقالة ...

7.     القسم الأول من المقالة : في اصل التفاوت بين الناس

8.     القسم الثاني من المقالة : في اصل التفاوت بين الناس

9.     الهوامش


لماذا نستعيد  روسو ؟

إذا لم يكن الإعجاب  بنص روسو كافيا لترجمته  فان التعلم منه يظل باستمرار ضروريا للعودة إليه باللغة المتاحة ، ولان لغة  روسو الأم لم  تعد متاحة للكثير من مريدي العلوم الإنسانية نتيجة مشاريع الترجمة العشوائية  للعلوم الإنسانية والاجتماعية ، ولان نصوص روسو  في ظل تراجع القراءة توشك ان تختفي من الرفوف إلا ان تكون تحفا خاصة ، فان التنقيب عن روسو و تقريبه  إلى قراء العربية يصير مطلبا ملحا دون ان ينفي ذلك ان قيمة روسو تظل فوق الاعتبارات الظرفية للقراءة وهو ما يجعل نصه فوق الزمن .و لن أدعو هنا إلى هذه الترجمة  بتمجيد النص الأصلي الذي خلد في الأجيال وليست هذه استعادة لأثر بعد عين .

         لقد تداول الناس لجون جاك روسو بشكل  واسع كتابه في العقد  الاجتماعي واقتطفوا منه ما يروق لكل خطاب ولكل ظرفية غير ان بقية نصوص روسو لم يتم تداولها بنفس القدر رغم أنها تقع موقعا مركزيا في فكره الاجتماعي ،ولعل كتابه اصل التفاوت بين الناس يحتل مكانة لا تقل أهمية عن العقد الاجتماعي في عقد أعمال روسو لكنه لا يبدو متداولا بنفس القدر ، ويعود ذلك في تقديرنا إلى أسباب عديدة منها ضعف الترجمة المتاحة  وتأخرها وسيطرة الفكر الماركسي والترجمات الماركسية السوفيتية بالخصوص للفكر الماركسي وتطبيقاته التي أغنت قراء العربية عن العودة إلى غيرها ممن لم يطرح  خططا عملية لإنهاء التفاوت بين الناس،  فضلا على ان الديموقراطية السياسية التي تأسست على فكر روسو لم تصل قراء العربية بعد لذلك لم تصر  الحاجة إلى روسو ضرورية للفهم والتحليل ثم بناء العمل الديموقراطي .

 هذا بعض روسو  مترجما  إلى العربية لمن لا يقرا روسو بلغته ولمن يقبل روسو ويرفض لغته أو يعجز دونها .

ان نص روسو مجملا  مادة أساسية للطلبة المتدرجين في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية يقربهم إلى الفلسفة السياسية والى الفكر الاجتماعي  لكي لا ينحصروا في شعبة من شعبه أو مذهب من مذاهبه التي تعلم الرؤية الضيقة والأفق المحدود  ونص روسو مادة أساسية كذلك للمختصين في العلوم الاجتماعية يبنون عليه التفكير في نشأة التفاوت الاجتماعي والصراعات المترتبة عنه منذ ”تجرا أحدهم وسيج أرضا وقال هذا لي“ إلى حين عولمة راس المال المتوحش الذي يعيد توزيع الفقر على صعيد عالمي ... وروسو كذلك مجملا أو مفصلا للسياسي  الذي يزعم رعاية العقد الاجتماعي ويتحيّز لفئة دون أخرى ليستمر قائما يتمتع بالجغرافيا و ينسى التاريخ . وغير هؤلاء كثير فروسو لمن يبحث عن بداية سليمة منذ قرنين أو يزيد ويدور حول نفسه ولا يجد مخرجا في تراثه ولا في تراث الإنسانية الواسع الخصيب ...حتى يفقد عواصمه واحدة تلو الأخرى .

 قد يكون روسو اكثر من ذلك أو اقل لكنه اسم في العلوم الإنسانية لا يمكن  المرور  فوقه والادعاء بسلامة التكوين ... وعسى ان تقرب هذه الترجمة نصا من أهم   نصوص روسو إلى أهل العربية  فلهم إلى روسو حاجة لا تؤجل . 

 

و بعيدا عن  الحماس الشخصي لروسو المفكر الاجتماعي الذي علمني الكثير  لا بد من تنبيه القارئ إلى بعض المسائل التي اعتمدت في الترجمة :

-    يجد القارئ في ثنايا النص كلمات بين [  ]  تلك كلمات أضفتها ليسهل بناء النص في لغته العربية وليتضح المعنى  الأصلي كما توصلت إليه . ويجد كذلك كلمات بين ( ) تلك ترجمة للفظ واحد بمترادفين أو بمعنيين متقاربين أدعو القارئ إلى ان يختار أيهما رآه اقرب إلى المعنى وهي بدعة لم يجر بها العمل في الترجمة .

-    يجد القارئ  في متن النص وفي هوامشه كما وضعها روسو حواشي وهوامش أضافها محقق النص لدى دار النشر الفرنسية  وقد تبينت لي فائدتها في تقريب النص فترجمتها كما هي بل أضفت إليها بعض الهوامش معتمدا على معاجم حديثة لأزيد النص قربا من قارئه العربي وقد أشرت إلى ما أضفت في موضعه وعسى ان يكون ذلك مفيدا فعلا .

-    يجد القارئ  في القسم الأخير من الكتاب الهوامش والحواشي التي وضعها روسو بنفسه واختار ان يضعها ذلك الموضع من الكتاب وقد احترمنا رغبته ونبهنا إلى ما أراد في أول موضع بالهوامش المذكورة .

-    يجد القارئ أنّا تداولنا الترجمة بعنوان هو ”اصل التفاوت بين الناس“  في حين ان المتن يتضمن لفظ اللامساواة وقليلا ما تم استعمال لفظ التفاوت وقد اضطررنا إلى ذلك لان العنوان الأول قد تم تداوله و ”سارت به الركبان“ فصار عنوانا وحيدا قد يوحي استبداله بوجود كتاب ثان فضلا على ان لفظ اللاسماواة لم يدخل العربية إلا حديثا وهو من الاشتقاقات التي لا تحظى بالإجماع  المعجمي رغم سعة التداول ، ورغم انه أدل على اختلاف المكانة الاجتماعية من لفظ التفاوت  وعسى ان تثير الترجمة نقاشا حقيقيا حول هذه المفاهيم  والاصطلاحات مثلما نتمنى ان تثير النقاش حول الترجمة الأقرب للفظ (Discours) هل هو الخطاب أم المقال أم المقالة أم الرسالة أم هي معان تتغير في سياق تطور اللغة  . 

-    يجد القارئ بعيدا عن هذه الترجمة ترجمتين أخريين لأصل التفاوت بين الناس  أما أولاهما فقد قام بها  عادل زعيتر ونشرت سنة 1954 ببيروت أما الثانية فقد نشرت سنة 1991 بموفم للنشر بالجزائر  وقد قام بالترجمة بولس غانم وقدم لها ربيع عبد الكريم الشيخ ولم يرد في ثنايا الترجمة أي تعريف للمترجم والمقدم . وإذا خطر لأي قارئ ان يسال لماذا ترجمة ثالثة لنفس النص فاني ادعوه إلى ان يجري مقارنة فعلية لا سطحية للترجمات الثلاث وسيكفيه ذلك للإجابة .

-     يجد القارئ بعض أخطاء الطباعة التي تسربت رغم كثرة المصحيين  يمكنه ان يتجاوز عنها ويجد اختلافا بين ما قد يكون عرفه في الأصل ولم يجده في الترجمة فإذا أثار ذلك لديه غيرة  على أي من النصين  فان هذه الترجمة تكون قد نجحت في استعادة روسو إلى التداول اليومي ... أي إلى حيث يجب ان يكون ./.

نور الدين  العلوي

 


جون جاك روسو

1712-1778

لقد رفض روسو دائما كل تسوية مع السلط القائمة ( كارل ماركس )

 

Rousseau s' est toujours refuse à tout compromis

même apparent avec les pouvoirs établis  .

Karl MARX( Lettre a Schweitzer 25 Janvier 1865)

 

روسو ابن الشعب

  كتب روسو عمله الأول : رسالة في العلوم والفنون  سنة 1750  في الوقت الذي كانت فيه قوى الشعب ( من غير النبلاء والاكلرويوس ) تجمّع قواها استعدادا للهجوم الشامل على النظام القديم  وكانت هذه الفترة خصبة بالأعمال العظيمة   في مجالات الفكر المختلفة كالفلسفة والعلوم والطبيعة والتاريخ والأخلاق والحقوق الخ ... وكانت تضع تصورا جديدا للعالم  وتقضي على النظام الإقطاعي  والاستبداد والذي كانت الكنيسة الكاثوليكية تعمل وحدها على دعمه إيديولوجيا  ، ظهر كتاب منتسكيو  ”روح القوانين “سنة 1749 فيما نشر ديدرو كتابه  ”رسالة حول العميان “ سنة   1749  وظهر في نفس الوقت الجزء الأول من كتاب بوفون ” التاريخ الطبيعي“ وفي سنة 1750 ظهرت النشرة التمهيدية لدائرة المعارف والتي طبع الجزء الأول منها سنة 1751 مع الخطاب التمهيدي لالمبار  وفي نفس وقت ظهور كتاب فولتير  ”قرن لويس الرابع عشر“  ، صارت الآداب في منعرج القرن بشكل رئيسي آدابا ملتزمة  أو مناضلة  على الأقل في عنوانيها الأكثر بروزا . وقد عبرت عن مجملها عن  مطالب الشعب المحروم من كل حقوقه السياسية  والقائم ضد النظام الإقطاعي الذي كان يسمح لأقلية من الطفيليين بالعيش من بؤس الشعب و تعطيل نمو قوى الإنتاج واكتمال الوحدة الوطنية .  

 لقد توحد الشعب ضد الحكم الملكي المطلق  وضد النبلاء الإقطاعيين  وضد الكنيسة  التي كانت مركز تجمع كل الأفكار المناهضة للأفكار الجديدة  ، نحو  سنة 1750  تجمعت كل القوى الشعبية لتكون جبهة موحدة وتقود المعركة الأخيرة نحو الثورة الفرنسية .

 غير ان الشعب لم يكن  طبقة اجتماعية منسجمة ، كانت الغالبية الواسعة منه تتكون من المزارعين الريفيين الصغار  الذين كانوا يحتملون كل حقوق الإقطاع  وضرائب الملك  في حين ان البرجوازية  المكونة من كبار الملاك يستفيدون من النظام الضريبي القائم ومن الاستبداد وكانوا هم بدورهم يستغلون الشعب البائس .  أما في القرى  فقد كان المزارعون الفقراء الملزمون  بالقوانين التقليدية  للمجموعات الريفية   يقومون  ضد المزارعين الكبار الذين يستغلون الأراضي طبقا للأساليب  الرأسمالية الجديدة  وفيما بين مواسم الزراعة كانوا يخضعون لاستغلال التجار الذين يشغلونهم في المنازل مقابل القوت اليومي  فقط . أما في المدن فكان الحرفيون  الصغار يعانون من المنافسة القوية للصناعات التحويلية  وفي سنوات المحل كان أفواج من ضعاف الحال يموتون جوعا فيما يغتني المضاربون على الحبوب .. وقبل ان تتجلى هذا المواقف المتناقضة تحت راية الثورة فإنها تجلت في النظريات . كان البرلماني الكبير والنبيل الإقطاعي منتسكيو  المرتبط بالنظام القديم يحاول في أعماله المصالحة بين النظام الإقطاعي و التطلعات البرجوازية  أما فولتير والموسوعيون الأكثر جرأة منه فكانوا يقومون بوضوح ضد النظام القديم  ويمثلون مطالب البرجوازية التقدمية و فولتير نفسه  وهو ليتيس  ودي هولدباخ   فكانوا من المصرفيين            و أصحاب الأموال   وكان برنامج هؤلاء  يسير باتجاه التاريخ  وينحو إلى تقوية القوى المنتجة .  وفي المجال الفلسفي فان البعض منهم يذهب إلى حد الدعوة المادية  ويعتقدون ان الإنسان قادر بالعلم وحده  على الوصول إلى ماهية الأشياء  وتنمية الحضارة  وتأمين السعادة على الأرض  كانوا يؤمنون بالتقدم  أما في السياسة  وإذا اتفقوا على ان ساندوا اطروحات  ديموقراطية  في مواجهة الاستبداد  ( مقال السلطة السياسية لديدرو)   فانه لا يمكن ان نعتبرهم ديموقراطيين  لقد كانوا كرماء ويريدون تامين سعادة الشعب ...  ولكن لم يكن من رأيهم  ان هذه السعادة تكون من عمل الشعب بنفسه  أي من الدهماء الفاقدة للأنوار وللحس السليم  كما يقول دي هولباخ  ولأنهم برجوازيون  فقد كانوا يحذرون من الدهماء المضطربة ويرون ان إقامة حكم العقل هي من مهام قلة من الرجال المستنيرين ..

 لكن حكم العقل كما يقول انجلز ليس إلا حكم البرجوازية وقد صار مثاليا  فبعد الأرستقراطية   بالميلاد  تقوم الأرستقراطية بالمال  فلا يقوم الحكم إلا باستغلال  الطبقات الشعبية  ، والبرجوازية الصغيرة المتوافقة مع البرجوازية الكبرى  ضد النظام القديم ليس لديها أي داع للقبول بتطور الرأسمالية الذي يدفع بها إلى الخسران  والحرمان من الملكية  وهي لا تربح شيئا من الإقطاع  وهي تعاني من النظام القديم ولكن هل كانت فعلا متفتحة على الأفكار الديموقراطية ؟  لم يكن  لهذه الطبقة من برنامج اقتصادي فعال فهي تتمسك بلا أمل بملكيتها الصغرى المحكوم عليها بالفناء تاريخيا وليس لديها أمل  إيجابي يأتيها من النظام القديم .  ان طموحاتها تتحول إلى أحلام طوباوية :  نظام من المساواة  الاجتماعية يصير فيه كل المواطنين ملاكا صغارا  ، ولان هذا الحلم يتناقض مع التطور الاقتصادي الذي لا مرد له فانه لا يمكنها إلا ان ترثي مسيرة التقدم التي ترى فيها تراجعا أي تراجعها الذاتي لذلك نظرت هذه الطبقة نظرة حذرة إلى التقدم العلمي  وسيلة التقدم ولم يمكنها ان تثق في العقل دون ان تحفّظ.

 في هذا الإطار يجب وضع أعمال روسو الذي أعطى لمجموع الطبقة البرجوازية الصغيرة إيديولوجيا ،  لقد كان روسو في نفس الوقت متقدما اكثر من الموسوعيين واكثر منهم ورعا وكان أكثرهم حزما وعمقا في التفكير السياسي وهذا هو التناقض العميق في أعماله والناتج لا عن ضعف في عبقريته بل عن الوضع المتناقض للبرجوازية الصغيرة التي كان ينطق باسمها . 

سنوات التكوين

ولد روسو بجنيف سنة 1712  وسيكون من قبيل الغمط لكل أثره الفكري  ان ننظر إليه كمواطن من جنيف  كتب فقط لأهل جنيف  ومن اليقين انه عندما كان يكتب العقد الاجتماعي كان يجهل كل شيء عن دستور جنيف .ان روسو ينتمي إلى فرنسا لا لانه متحدر من أسرة بروتستانتية التجأت إلى جنيف من فرنسا في القرن السادس عشر فقط بل لان ثقافته فرنسية بالكامل وقد ساهم بدور فعال في الثقافة الفرنسية والحياة السياسية بفرنسا .. غير ان انتماؤه إلى جنيف قد لعب دورا مؤثرا على بعض أعماله ، لقد ولد على مذهب كالفن  أي على دين فرداني اكثر عقلانية واكثر صرامة وتقشفا من الكاثوليكية ( ان الإصلاح الديني حسب ماركس كان هو المرحلة الأولى من الثورة البرجوازية ) خاصة وان جنيف كانت جمهورية  وكان روسو يفخر طيلة حياته انه من بين رعايا ملك فرنسا الذين ولدوا في جمهورية واللقب الوحيد الذي يحمله أبدا هو ”مواطن من جنيف“ . وغير مهم لدينا هنا ان لا تكون هذه الجمهورية اكثر من حكومة أقلية من الأغنياء حيث تتجمع السلطة بين أيدي مجلس صغير من خمس وعشرين عضوا  ولم يتفطن روسو إلى ذلك إلا بعد ان نشر أعماله  لقد ساعدت روسو ولادته جمهوريا للوعي بفرادة فرنسا  . كان أبوه ساعاتيا و  أسرته تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة  ولا يعتبر روسو نفسه متحدرا من الطبقات الفقيرة جدا  ، وقد ولد كما يقول في الاعترافات  في عائلة تتميز عن الشعب  بأخلاقها  ولكنه وجد نفسه بسرعة  متروكا لحاله فانتمى إلى الشعب.   لم يكن أبوه رجلا مستقرا وكان وهو يصلح الساعات يجبر ابنه على ان يقرا له روايات عاطفية ولكن يجبره كذلك على قراءة كتب من قبيل الرجال العظماء

  (Les Hommes Illustres)  لبلوتارك (Plutarque)  والذي كان منذ قرن  بمثابة مختصر للمدنية لدى كل  ذوي الميول الجمهورية وقد غادر الأب جنيف دون ان يهتم مطلقا بجون جاك  والذي كان قد فقد أمه قبل ذلك .., أودع الطفل لدى القس (Lambercier)   لمدة عامين وعنده بدأ يتعلم اللاتينية  وكانت تلك تقريبا هي الدراسة الوحيدة المنتظمة التي خضع لها تحت إشراف شخص آخر  ثم بدا يتعلم مهنا مختلفة فمكث حولين عند خطاط وكانت شروط التعلم المهنية من أقصى الشروط المهنية في ذلك العصر  وكان جون جاك يمتحن ويضرب ويتعرض للمنغصات ويدافع عن نفسه بوسائل طفل ،فكان يكذب ويختلس وذات يوم هرب ليقضي ثلاثة عشر سنة من عمره متسكعا   عرف خلالها كل المهن وكل أشكال البؤس حتى انتهى في حماية سيدة شابة ( Mme de Warens)  ثم صار عشيقا لها . كانت  السيدة بدورها امرأة مغامرة وبلا مبادئ . ثم اعتنق الشاب الكاثوليكية بنية انتهازية فيما يبدو وصار تابعا يعلم الموسيقى بدون سابق معرفة بها  ويعيش بصحبة  السيدة  ( Mme de Warens) في  ( Annecy) ثم في (Chambery) وكان يقرا كثيرا وتعلم ان يكون نفسه بنفسه بشكل منهجي .

 سنة 1740  انتقل إلى مدينة ليون ليصير مربيا لأطفال السيد ( M de Mably)  وهو أخو  ( Condillac et Mably) الفيلسوفين ثم قدم إلى باريس حاملا معه مشروع   كتابات موسيقية نوى ان يكّون منها ثروة ولكنه قدمها  إلى أكاديمية العلوم بدون طائل . وارتبط بكاتب صغير وغير معروف حتى ذلك الحين هو ديدرو  الذي كان مندمجا في الصالونات الأدبية  وخاصة صالون السيدة   (Mme Dupin )ابنة المصرفي (Samuel Bernard)  ولكثرة ما علّم الموسيقى فقد حفظها فكتب أوبرات   ( les Muses galentes) ولكن كل ذلك لم ييسر له العيش  فعاد إلى الفقر من جديد فقبل بعمل كاتب شخصي لدى سفير في   البندقية (فينيز)  فبقى في خدمته ثمانية عشر شهرا ثم اختصما فافترقا ، في هذه الفترة بالذات بدا الاهتمام بالمسائل السياسية وبدا في تشكيل أول الأفكار من كتاب عن ”المؤسسات  السياسية“  لم يكتب منه سوى المقدمة وهي العقد الاجتماعي  ثم عاد يقيم في باريس بشكل دائم هذه المرة .  وبدا يعرف بين الناس بأنه موسيقي  وكاتب مسرحي  وقدم عرضا لمسرحيته المذكورة أعلاه وتعاون مع فولتير في أوبرا   (les fetes de Ramire)  وعمل في نفس الوقت كاتبا للسيد      (M. de Francueil)    وهو صهر السيدة (Mme Dupin )  وفي هذه الفترة عاشر عاملة بنزل وهي (Therese Levasseur)    و كانت امرأة   أمية تماما  وقد انجب منها خمسة أطفال أودعاهما جميعا بالتتابع في بيوت الأيتام .

وسع روسو علاقته بين الفلاسفة فإلى جانب ديدرو وكونديلاك اللذين صار من خلصائه تعرف على السيدة      (Mme d Epinay) وهي من بنات المصرفين المعروفين ثم صادق الفيلسوف قريم (Grimm) . في صيف 1749 سجن ديدرو في حصن فانسان  (Vincennes) وفيما كان روسو ذات عشية يزور صديقه في سجنه وقع على نشرية   (Le mercure de France) حيث قرا المسالة المطروحة من قبل أكاديمية ديجون ”هل ساهم  تقدم العلوم  والفنون في  تلويث الأخلاق  أم في تطهيرها ؟ “ وكتب لاحقا في الاعترافات  الكتاب الثالث  الصفحة 216 ” في لحظة قراءة ذلك السؤال انفتحت أمامي عوالم أخرى وصرت أنسانا آخر “ . وكان ذلك مدخل روسو إلى الشهرة والمجد

لقد ركز النقد الرجعي على كل أشكال الاضطراب في سلوك روسو وعلى طبعه المتقلب ( كاعتناقه الكاثوليكية بعد البروتستانتية  ثم عودته إلى البروتستانتية  بعد الكاثوليكية ) ووضعه غير الأخلاقي مع السيدة (Mme de Warens) والتي رعته والتي كان يناديها أحيانا بأمه ثم يقبل ان يتقاسمها مع عامل الحديقة    Claude Anet) ) وكذلك إهمال أطفاله وهو الذي يزعم  وضع مدونة تربوية  هي أميل .   والنقاد الأكثر تسامحا أو الأكثر خبثا كانوا يرجعون  كل هذه الاضطرابات إلى أمراض روسو العصبية  لقد كانوا يصمونه بالجنون وكانت تلك الوسيلة الأنجع للطعن في أفكاره وإفقادها مصداقيتها .

ولم تكن هذه الانتقادات مخطئة تماما فقد كان روسو مضطربا فعلا وكان مصابا طيلة حياته بمرض يؤثر على جهازه العصبي ولكن لم تظهر عليه اضطرابات عصبية إلا في مرحلة الشيخوخة وبفترات متباعدة ونتيجة للاضطهاد الذي تعرض له وستكون فرية غبية ان ينعت بالجنون المفكر الذي وضع ”العقد الاجتماعي“” واصل التفاوت“ ”و اميل“  .

 لقد كان روسو في أول حياته يترك حوله انطباعا بأنه معذب ومنبوذ وغير ودود وغير قادر على التحكم في نزواته ولكن ذلك يعود بالأساس إلى الطفولة التي عاشها حيث ترك لشأنه بلا رعاية  وتعرض منذ الطفولة الأولى إلى ضغوط المجتمع  ولقد وقع بين أحضان امرأة مغامرة والغريب ان هذا الطفل والذي كان مؤهلا ليصير منحرفا وسقطا من المجتمع بنى رغم ما تعرض له  شخصية قوية وكون نفسه بنفسه  ولا يمكن ان نحكم على سلوك روسو من خلال القيم المسيطرة الآن أو من خلال الإمكانات المتاحة الآن في التربية ولكن من خلال الواقع الحقيقي في لحظة روسو الاجتماعية التي عاشها بنفسه  فلقد كان من الممارسات الشائعة في القرن الثامن عشر ان يتخلى الآباء عن أولادهم لبيوت الرعاية دون تأنيب ضمير وكانت تلك إحدى ممارسات الطبقة الأرستقراطية  ولا يخفى على أحد مثلا ان السيد دي لامبار (D Alembert)   كان ابن السيدة تانسن(Mme de Tencin ) وقد أهملته على باب إحدى الكنائس.ولقد كان روسو دائما يفتقد المال فعائلة(Therese Levasseur) كانت كلها تعيش على نفقته ولقد كان روسو مثل الآخرين وكان له من الأعذار اكثر مما للسيدة (Mme de Tencin) ولكن الأخطر من ذلك انه حاول لاحقا ان يفرض نظرية في التربية مضادة لطريقة الأرستقراطيين ولكن أيام تخلى عن أطفاله لم تكن نظريته قد نضجت بعد ويبدو انه تعذب كثير في شيخوخته مما فعل بأولاده في بداية حياته ويبدو انه هنا كان ضحية اكثر مما كان راغبا .

أما مسالة الاضطراب التي يتهم بها فتبدو مسألة ترفع من قدره اكثر مما تحط منه فهذا الرجل الحساس يبدو غير قادر على احتمال هذا النير ويبدو انه يتألم اكثر من الآخرين من الحياة المتشردة  التي عاشها وعندما كانت حريته تتعرض للمساس بها كان يغادر ويبدو انه فضل دائما الحياة الحرة المتشردة على حياة العبودية الرخوة المنعمة . فلم يكن شيئا احب إلى قلبه من الحرية  لقد كان يريد ان يكون مخلصا لنفسه حرا في ما يفعل  فلم ينشغل بكسب الثروة أو المجد أو حتى  تامين  وجوده  نفسه ولا أحد كان قادرا على ان يغلق فمه عندما كان يريد  ان يتكلم ليدافع عن فكرة يؤمن بها ولو اقتضى الأمر ان يظل وحده وقد دافع دائما عن أفكاره التي آمن بها  . 

لقد كانت حياته المتشردة تجربة استثنائية بين كتاب  عصره وقد عرف خلال تنقلاته بؤس الشعب      ( يعاد إلى  الاعترافات،  الكتاب الرابع،  حكاية المزارع الذي كان يخفي قوته عند زيارة جامعي الضرائب ) وقد عرف بنفسه الإهانة التي يعيشها من يخضع في تحصيل قوته إلى نزوات الآخرين . وقد تعلم ان يحب الشعب والذي أحس دائما بالراحة وهو يعيش بينه . وفي نفس الوقت فان هذا الرجل الذي تربى في مدرسة الشارع القاسية  تعلم ان يبني لنفسه  تكوينا ثقافيا  سليما  ولم تكن بلا شك في مثل ثقافة ديدرو الواسعة الذي تعمق اكثر في دراسة العلوم ولكن روسو رغم ذلك يعتبر شخصا موسوعيا ويشهد على ذلك اتساع المواضيع التي كتب فيها  والتي عاد إليها عند الكتابة من موسيقى ومسرح وشعر وكيمياء وعلوم النبات واللغات والاقتصاد والسياسة والحقوق وعلوم التربية والرواية الخ ... وهذه الثقافة لم تستوعب داخل المدرسة لقد كانت  عمل شخص عصامي يسيطر على ما يعرف وتعود ان يخضع كل الأفكار إلى لهيب النقد .

 هذه هي صورة الشخص الذي ظهر في الصالونات الباريسية في سنة 1741  ولقد كان مدفوعا بحماس الشباب فقد كانت باريس عاصمة الثقافة في عصره وفي الصالونات الباريسية كانت تكتسب الشهرة   وبالنسبة لمثقف قادم من أعماق الشعب فانه لا أحد كان قادرا على إعطائه الفرصة مثل الصالونات ففي الصالونات كان يلتقي رعاة الأدب من الأغنياء الذين يعيلون الكتاب الموهوبين وتعيش النساء النافذات اللاتي يفتحن كل الأبواب  ورجال مثل(Marmentel) و (Grimm)   ولاحقا مثل (Beaumarchais)     صنعوا مجدهم   في الصالونات  فلما لا يفعل روسو مثلهم ؟ فلم يكن لديه أية أحكام مسبقة ضد أرستقراطية الصالونات الباريسية  ونحن لا نجد في أعماله وهو شاب أية علامة من عداء للكبار من حوله .

ولكن عداوته لهم بدأت من الاختلاط بهم وسيتطور كرهه لهم  و ”حذره المرضي“  نتيجة أسباب تعود إلى طبيعته  فلكي يشتهر المرء في الصالونات عليه ان يكون أريحيا أما هو فكان خجولا منطويا  وكان يجب ان يكون المرء حاضر البديهة أما هو كان بطيئا وكان لا يفكر ولا يبدع إلا متفردا وكان يجب على المرء ان يكون قادرا على مناقشة كل القضايا العميقة  بخفة وبعمق في ان واحد أما هو فكان جديا وكان يبذل كل ما عنده في صراع الأفكار  وبكلمة كان يجب ان يكون  امرئ مثل فولتير ولكنه كان روسو لا غيره . ولكن السبب العميق الذي حدد موقفه كان موقفا طبقيا  ففي الصالونات الأرستقراطية كان البرجوازيون يعيشون من بؤس الشعب وكان يجد نفسه من الشعب البائس  . وقد سأله يوما البارون (d Holbach)  لماذا هو بارد تجاهه فأجابه ” لانك غني جدا “هؤلاء الأغنياء بلا قلوب ، انهم  مصطنعون .   يقول روسو في الاعترافات  صفحة 228 ”  في أوساط الشعب حيث الرغبات لا تعبر عن نفسها إلا قليلا فان المشاعر الطبيعية تسمع باستمرار أما في الطبقات الأعلى فان المشاعر الطبيعية تخنق بالقوة فلا تتكلم  تحت قناع الأحاسيس إلا المصلحة والغرور “ .

 كان يمكن لشخص آخر غير روسو   ان ينحني ويتأقلم أما عبقرية روسو فكانت ان يظل واقفا منتصبا و في مقابل  ان  يكون رجل صالونات  أي نسخة أخرى مصغرة  من فولتير  كما أريد

 له فانه أصر على ان يكون جون جاك روسو مواطن من جنيف وسيفضح أكاذيب مجتمع يعيش بعضه التخمة ويعيش اغلبه  اشد أنواع البؤس .

 

تحرير الأعمال  الكبرى . ( 1750-1762 )

حظي عمل روسو ” مقالة حول العلوم والفنون “  بالتقدير من قبل أكاديمية ديجون  و أثار بسرعة  ضجة كبيرة وتبعته مجادلات  كثيرة وشارك في النقاش كتاب كثر منهم بعض الهواة مثل ملك بولونيا ستانيسلاس(Stanislas)  الذي انخرط في الموقف المضاد لروسو الذي رد عليه ودام النقاش إلى حين نشر الخطاب الثاني  وقد حاول أعداء روسو ان يحقروا من جهده فزعموا بالاعتماد على مذكرات   (Marmentel) و (Morellet) ان ديدرو هو الذي أوحى له بتلك الأطروحة   فقد زعموا ان روسو عرض على ديدرو فكرة ان تقدم العلوم والفنون قد ساهم في تطهير القيم وقد وجد ديدرو ان الأطروحة ليست هينة وأنها قابلة للتطوير وانه أوحى لروسو ببقية الحجج التي عليه اعتمادها وقد طور روسو تلك الأفكار بناء على النصيحة . ولم تصمد هذه الترهات للوقائع فقد كانت ترهات تهين كلا المفكّرين إذا تظهرهما دعيّين شرهين يلويان عنق الوقائع  من اجل النجاح والشهرة   وقد بذل الرجلان تضحيات كبيرة من اجل محبة الحقيقة لذلك كانا يستحقان تقديرا آخر غير ما وصما به .ما هي الغاية من ان ينفق روسو حياته  دفاعا عن تناقض أوحىله به صديق  ولم يقبل ديدرو أبدا ما ذكره  ( Marmentel) بل بالعكس من ذلك لقد قال بصريح اللفظ في كتابه ” حول الإنسان “  لقد فعل روسو ما كان  يجب عليه فعله لانه روسو ، وما كنت لأقوم بنفس الشيء وربما   فعلت شيئا مختلفا كليا  لأني انا “  ( الأعمال الكاملة )  .

وما يبدو مطابقا للحقيقة هو  ما ذكره في عمله  ( La vie de seneque)    فقد اسر إليه روسو بنيته في المشاركة في المناظرة المعلنة ” ليس هناك سبب للتردد ستتخذ الموقف الذي لا يتخذه أحد غيرك “وقد كان ذلك توقع ديدرو بناء على ما يعرف من أفكار  روسو واتجاهاته  .  وضمنت هذه المقالة لروسو الشهرة دفعة واحدة رغم انه لم ير إليها إلا كأحد اقل أعماله أهمية .  يقول في الاعترافات صفحة 217 ” من كل الكتابات التي خرجت من قلمي اعتبر ان تلك  المقالة كانت  الأضعف حجة عقلية والأفقر عددا  وتناسقا “ . فهو لم يتجاوز فيها الخطابة الأخلاقية ولكن من الأهمية بمكان ان يشار هنا إلى ان كل أفكار روسو الجنينة كانت هناك .

 عندما ينحاز روسو إلى الفكرة القائلة  ان التطور العلمي والفني قد افسد القيم فانه يقوم ضد كل الأفكار السائدة والمتداولة بين الفلاسفة . و لقد كانت النشرة  التمهيدية لدائرة المعارف     ( الموسوعة )  في نفس الوقت تترد كلحن موحد بين الناس يدعو إلى ان تطور العلوم يسمح بإعادة بناء المجتمع على أسس علمية   جاء روسو ليؤكد ان هذا المجتمع مبني على التفاوت وان الثقافة تخدم الأرستقراطية الفاسدة التي تقوم رفاهتها على بؤس الشعب . والتجديد الحقيقي في هذه المقالة كان : تجاوز فكرة وضع الطبيعة الطيبة في مواجهة المجتمع الفاسد فقد سبقه غيره إلى هذا الأمر ( فقد كانت موضوعة أو صورة المتوحش الطيب متداولة على نطاق واسع في القرن الثامن عشر)  . ولكنه كان الأول الذين قالوا بكل حماس ان غني البعض و  رفاههم يكون بتفقير الغالبية . وهذه الفكرة التي كانت كامنة في المقالة تجلت شيئا فشيئا في النقاشات التي لحقت بها خاصة في الرسالة التي وجهها إلى ملك بولونيا .فنقد روسو لم يشمل المجتمع الإقطاعي فحسب بل امتد إلى كل مجتمع يقوم على التفاوت في الثروة . لقد وجد روسو بذلك طريقه الخاص  ، حتى ذلك الحين لم يقطع مع جماعة دائرة المعارف لان الخلاف معهم كان لا يزال كامنا وقد ساهم في تحرير دائرة المعارف فكتب مقالة حول الموسيقى وكتب سنة 1755 مقالة في الاقتصاد السياسي  والتي عمق بها أطروحته ومر بها من الخطاب الأخلاقي إلى الخطاب السياسي . وقد ظل على  علاقة قوية مع ديدرو فقد كان صديقه الحميم . فديدرو مثله يبدو برجوازيا صغيرا عاش طويلا في تسكع أدبي .

 في الأثناء كان روسو يبتعد شيئا فشيئا عن الصالونات وشرع في ”إصلاح أخلاقه“ وقرر ان يعيش مستقلا كحرفي صغير . هذا الكاتب المشهور سيعيش ناسخا   للمقطوعات الموسيقية مقابل 10 سنتات للصفحة الواحدة . وقدم  مثالا للحياة المتقشفة وغير المهتمة بالمادة وهذا التقشف في حياته الخاصة هو الذي جعله محبوبا بين الطبقة البرجوازية الصغيرة .  وهي الطبقة التي إلى جانب أعمال روسو أوحت لليعاقبة الكبار من أمثال  ( Marat) و( Robespierre) 

*  سنة 1752 قدم لمرة الثانية أوبرات سماها (Le devin du village )  ثم كوميديا أخرى بعنوان  (Narcisse) شملت مقدمتها الأفكار الواردة في المقالة الأولى . وقد رفض جراية  ملكية قدمت له كتقدير لنجاح  عمله(Le devin du village )  .

* في سنة 1755 تقدم مرة ثانية للمناظرة حول مسالة طرحتها أكاديمية ديجون  ومنها خرجت مقالة ”في اصل التفاوت“  وبعدها قام برحلة إلى جنيف حيث عاد فاعتنق الكالفنية ،وتحت تأثير الإرهاق من الحياة الباريسية قبل روسو اقتراح السيدة (Mme d Epinay )   التي وضعت تحت تصرفه منزلا صغيرا بحديقة قصرها  فكان بمثابة محراب تخلى فيه عما يحيطه من شؤون الناس ليكتب وهناك ازدادت خلافاته مع جماعة دائرة المعارف.   والنقد البرجوازي الذي وجه إلى روسو في هذا الخلاف ابرز خاصة الخلافات الشخصية بينهم كحذر روسو وشكوكه الكثيرة ورغبته في تعذيب ذاته وطبع ديدرو المنفتح  وغيرها من الأسباب ربما تكون قد عمقت خلافات قائمة لكن الخلاف الحقيقي كان خلافا طبقيا فالموسوعيون يستوي في ذلك الجناح المتقدم كديدرو  ودي هو لباك أو الجناح المعتدل  مثل فولتير كانوا يطورون أفكارا تقدمية للبرجوازية الرأسمالية بينما كان روسو يمثل مصالح الطبقات الديموقراطية الثورية ولكنها الطبقات  التي لا تستطيع ان تضع برنامجا اقتصاديا إيجابيا وتلتجئ  إلى الآلام و اليوطوبيا  .

* سنة 1758 قطع روسو مع السيدة (Mme d Epinay )  وعاد ليستقر في مونت مرنسي في منزل السيد (Mont-Louis)  وكانت تلك الفترة الأخصب في حياته الفكرية .

 هناك كتب رسالة  إلى دالمبار حول الفرجة Lettre a d Alembert sur les spectacles    وهي الرسالة التي أجهزت على العلاقة مع جماعة دائرة المعارف. بيّن روسو انه لا يعارض الفن عامة بل انه يتحمس لكل أنواع المسرح بدون تمييز وقد بيّن في مواضع مختلفة انه يؤمن بفضائل الفن في نظام لا يقوم على التفاوت ، فالفن عنده يجب ان يقوم على محتوى أخلاقي وحضاري وإذا كان يقوم ضد المسرح الكلاسيكي فلأنه كان يرى فيه فنا أرستقراطيا    وهو رأي  خاطئ  لكنه كان قاعدة للمطالبة بفن شعبي  وقد دعا في آخر الرسالة إلى وضع برنامج   حفلات شعبية ذات مضمون حضاري وقد تبنت الثورة هذا البرنامج وقد كانت الحفلات الشعبية الكبرى التي دعا إليها دافيد تعتمد على ما نظّر إليه روسو .

* في سنة 1761 و1762 اصدر روسو كتبه الثلاثة الأهم وهي :

  (La nouvelle Heloise)و  (Le contrat Social )و  ( Emile)وكان للكتب الثلاثة طابع تعليمي  فقد كان روسو حتى ذلك الحين يفضح المجتمع القائم على التفاوت في الثروات بسبب نهم الإنسان في زمنه وقد بين في أعماله تلك لمعاصريه صورة الإنسان الجديد أو المتجدد،  وهذه الأعمال الثلاثة تتكامل ضمن مخطط اكبر كان يريده روسو:

* في العقد الاجتماعي  وضع مبادئ مجتمع ديموقراطي قائم على المساواة حيث  يمكن للناس   ان يكونوا مواطنين    تحركهم الفضيلة أي ان يكونوا وطنيين .

* في كتابه   ( La nouvelle Heloise) اقترح  روسو في مقابل فساد الطبقة الأرستقراطية مثالا أخلاقيا يقوم على العفاف  الأسري واقترح في مقابل النبالة والشهامة والايروسية  حياة عاطفية نظيفة .

*لكن تفكير روسو في زمنه دفعه ومن اجل بناء مجتمع سليم  إلى إعادة تكوين الفرد وهو الدور الذي يحتله كتاب   ( Emile) في مخطط روسو التربوي المتوافق مع قوانين الطبيعة .

لكن التناقضات في مشروع روسو وهي التناقضات التي تعود إلى طبقته الاجتماعية تظهر في مواضع مختلفة من أعماله .ولا بد من دراسة معمقة لاستخراج هذه التناقضات ولكن هذا التقديم لا يتسع لذلك و إنما يكتفي بتقديم عرض مختصر وعام لمختلف هذه الأعمال عسى ان تقرب القارئ من مشروع روسو الفكري   . 

** في عمله الذي سماه العقد الاجتماعي : Le Contrat Social عمل روسو على بناء  عمل يتعلق بالحقوق السياسية وكان عملا مجردا وتصعب قراءته  وهو في نفس الوقت العمل الأكثر عمقا  والأكثر اكتمالا من بين أعماله الذي طالب بالسيادة للشعب  من اجل ضمان حريته  إذ يقوم كل فرد بوضع نفسه تحت تحكم الإرادة العامة والتي هي التعبير عن الإرادة الحقيقية للشعب  ويفرق روسو بين السيادة والتي هي إرادة الشعب وبين الحكومة التي تسهر على تنفيذ القوانين . وهنا تبدا صعوبات روسو  إذ انه لم يتجاوز إطار التفكير البرجوازي  فلم يصل  إلى اقتراح إلغاء الملكية الفردية .  سيكون هناك إذن أغنياء وفقراء  فكيف يمكن منع الأغنياء من وضع أيديهم على الحكومة واغتصاب حقوق الفقراء وهو مشكل غير قابل للحل في الفكر البرجوازي ولم يخرج منه روسو إلا باقتراحات طوباوية  فاقترح قوانين للتساوي في الملكية وأخرى لمنع الإغراق في الاستهلاك المرفه وهذه القوانين تمنع تطوير الصناعات والتجارة  ولانه كان يعرف ان هذه الأفكار لم تكن من القوة بحيث تتماسك جيدا فقد انتهى باقتراح دين للدولة  ليشد من دعامات هذا البناء النظري .

لم يؤثر أي كتاب على اليعاقبة مثلما اثر العقد الاجتماعي فقد كان لديهم بمثابة كراس عملي للقيم الثورية وللسلوك المدني أي للوطنية  ولا شيء كان ابعد عن الشمولية مثل تفكير روسو في العقد ففيه نجد بشكل واضح التقاء الوطنية بالفكر الجمهوري . من ناحية أخرى فان روسو لما اقترح ان لا سلطة فوق سلطة الشعب إذ ان الأفراد يودعون مصيرهم لهذه السلطة فتح الباب للقول بالرعب الثوري الذي مارسه اليعاقبة . ان فكرة العقد الاجتماعي هي التي أوحت لروبسبيار ببناء ثقافة الكائن الأعلى.

 أما العمل التربوي اميل والذي يبدو اكثر تقدمية خاصة عندما نقارنه بأساليب العمل التعليمي المطبقة في عهد روسو والتي كانت في اغلبها بين أيدي اليسوعيين إلى حين طردهم سنة 1762 ،  فان روسو و مثل اغلب المفكرين الإنسانيين في عصر النهضة كان يطالب بتطوير كامل للشخصية الإنسانية من الناحية الجسدية كما من الناحية الأخلاقية وهو يقترح تعليما تتخذ فيه الملاحظة المباشرة للوقائع والأشياء المكانة الأكبر  أمام تكرار التعلم من  الكتب . تعليما تكون فيه للعلوم مكانة مركزية تشترك فيه التجربة مع التعليم النظري ، تعلم اميل مهنة يدوية لأننا ” نقترب من حالة أزمة  ومن قرن الثورات   ( اميل : الكتاب الثالث) . ولن تكون هناك وضعية اجتماعية مستقرة وعلى هذه القاعدة التربوية وعلى مبدا انه يجب تطوير  شخصية الطفل باحترام ما أودعته فيه الطبيعة من عناصر إيجابية  و إبعاده عن كل ما يعتبر أحكاما مسبقة وكل تقليد غير مبني على العقل .أي يجب بناء شخص قادر على الحكم بنفسه على الأشياء والوقائع وكانت هذه الأفكار أفكارا مركزية في فجر الثورة .ولكن في اميل نفسه تتجلى اكثر تناقضات  فكر روسو وطابعه الطوباوي  هذه الطوبى  تتجلى أولا من خلال الدور المسند للتربية لصناعة الإنسان الجديد لان السؤال يطرح : من سيصنع الإنسان الجديد لكي ؟   لكي يكون   للبيداغوجيا قيمة  ثورية  يجب أولا تربية المربين وهنا نجد مثاليات فلاسفة القرن الثامن عشر الذين يعتقدون ان الأفكار هي التي تقود العالم وبالتالي ولإصلاح المجتمع يجب إصلاح الفرد .  ومن ناحية أخرى من هو الإنسان الذي يريد روسو صناعته هل هو إنسان الطبيعة أم  إنسان العقد الاجتماعي .  ” يكون كل شيء جميلا وهو يخرج من يد خلّاق الأشياء و لكن كل شيء يفسد وهو يخرج من يد الإنسان “. هذه الكلمات الأولى لاميل ولكن روسو يضيف سريعا ” ان المؤسسات الاجتماعية السليمة هي التي تحسن إخراج الإنسان من حالة الطبيعة “ .

 نعتقد ان روسو هنا موزع بين اتجاهين  : الاتجاه  الأول هو اتجاه المدنية البرجوازية التي عبر عنها احسن تعبير اليعاقبة  وبين الفردانية البرجوازية الضرورية لتطور الرأسمالية والقائمة على المنافسة .   يعبر روسو هنا بعمق عن الاتجاهات الأساسية للبرجوازية وهي اتجاهات متناقضة لا يمكنه تجاوزها وهو التجاوز الذي لا تستطيعه إلا البروليتاريا  المعاصرة . ومن هنا فان اميل الذي كان سيصير مواطنا ربّي في عزلة عن المجتمع وعن كل حياة اجتماعية إلى سن الخامسة عشر . وهذا الاتجاه المناقض للمجتمع خدم لاحقا التفكير الرجعي والى الآن فان البرجوازية تعمل على تعليم أولادها خارج الحياة الاجتماعية ومن ناحية أخرى فان روسو وهو يجنب اميل الوقوع تحت سلطة الأحكام المسبقة حرمه من كل الثقافة الإنسانية والتي هي ثمرة الحياة و التجربة الاجتماعية  وقد حرم اميل من الكتب إلى سن الثانية عشر وهو العمر الذي شرع فيه في تكوين معارفه ، ومن وجهات  نظر متعددة فان روسو هو أب البيداغوجيين الذين خدمت أفكارهم الجديدة المزعومة  الرجعية الثقافية للبرجوازية .

 لقد كان لهذا العمل   المعقد تأثير مزدوج  فقد ألهم المشاريع التربوية التقدمية لليعاقبة  كما ألهم نظريات رجعية لبعض علماء التربية في القرن التاسع عشر وحتى اليوم .  في متابعة أفكار روسو التربوية لا بد من ايلاء مكانة مهمة للفصل   المشهور  ضمن اميل والذي يعرض فيه روسو أفكاره الدينية Profession de foi du vicaire Savoyard   فهو يؤمن بخلود الروح ويؤمن بوجود اله يعمل في الغيب على معاقبة الشرير ومجازاة الخيّر والذي يثبت وجوده من خلال عجائب الطبيعة ومن خلال الحدس الذي يحل بالنفس .  ”الغريزة الربانية “  ان روسو مؤمن وفي الظاهر فانه قريب من فولتير الرباني بدوره كما ان روسو يرفض مثل فولتير كل قول بالوحي ( كلاهما يؤمن رغم ذلك ان هناك شيء مقدس في الأناجيل ) كما يرفضان العبادات والممارسات الجاهزة  الخاصة بكل كنيسة  ودينه مثل دين فولتير يمكنه ان يستغني عن الكنيسة وعن الاكليروس ولا يجب ان ننسى ان روسو مثل بقية الفلاسفة كان يحارب الكنيسة الموئل الرئيس للإقطاع .  وفي الواقع ان إيمان روسو يتأتى من مصادر مختلفة على خلاف فولتير ففولتير يرفض المادية على الأقل رسميا لانه يحتاج إلى اله حارس يردع الشعب من  العالم  الآخر ويلزمه بالطاعة والخضوع ويحمي الملكية الخاصة أما روسو فيحتاج ألها يواسي  الشعب وفي العالم الآخر يعاقب الأشرار  أي الأغنياء .  ” ان  العظماء و الأغنياء  والسعداء في هذا القرن يفرحون إذا لم يكن هناك اله  ولكن انتظار حياة أخرى  يواسي في هذه الحياة الشعب والبؤساء “ ,  من رسالة  إلى السيد  ( M.Deleyre)   سنة 1758 .  لماذا يجب قراءة الدور التاريخي لهذا المقال ، ان روسو وهو يحتفظ بدور للإيمان  يصير اقرب للطبقة البرجوازية الصغيرة  وللشعب عامة في تلك الفترة حيث ان الكنيسة الكاثوليكية كانت تمارس سيطرة كبيرة على العقول وقد أكد انجلز ان المادية في فرنسا انحدرت من جذور أرستقراطية   ومن هذا المنطلق فان جماعة دائرة المعارف أو الموسوعيين  ظلوا ابعد من روسو عن الشعب  وعندما حاول روسو ان يوجد توافقا   مع الدين  نقل المعركة فلم تعد معركة العقل ضد الدين بل صارت معركة الشعب  من الفلاحين والبرجوازيين الصغار سواء كانوا متدينين أو غير متدينين ضد الأرستقراطيين والأغنياء .في هذا الكتاب توجد الأفكار الجنينة لروبسبيار فلا يمكن تجميع جمهور الشعب ضد الأرستقراطية دون ان نحطم الأفكار الدينية الجاهزة لديها ومصداقا لذلك فانLes   Girondins   الذين كانوا من أتباع الموسوعيين وكانوا في غالبهم ملاحدة خانوا الثورة .  في ذلك الظرف  المتميز لعب إيمان أو تدين   روسو دورا مفيدا جدا  أما في تاريخ الأفكار عامة فان هذا النص  يعتبر تراجعا عن الأفكار المادية إذ ان روسو  يدعو إلى ظلامية دينية عندما يؤكد ان ضميره يكشف له وجود الله قبل أي عمل عقلي  لقد فتح بذلك بابا للإيمان  ( ان فكرة الله الذي يواسي الفقراء تغني الفقراء عن الثورة )  ولم 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."