عودة البينوكيو
لتذهب بلادة النقاد للجحيم أو لتذهب إلى الجنة، فسيان لدي فانا لا أرى النقاد إلا في المقاهي. وسيان لديهم فهم ليسوا قادرين على التلذذ بأي منهما، فالنقاد عادة لا يؤمنون بالكلمات الأولى ويعودون بالكذب الجديد إلى الكذب القديم فيحرمون الناس من متعة التخيل الجميل.أما أنا فاكتب حقائق الحياة وهي تعبر عقلي المريض بالناموس الأزلي وأقول إذا بقيت وحدي واشتد بي الضر "رب ضارة نافعة ". وهاهي كل التفاصيل في الحكاية القديمة تعود من جديد دفاعا عن حقي المشروع في الكذب الجميل وليذهب النقاد للجحيم فهم ينتظرون النص ولا يخلقون،أما أنا فقد جدعت انفي وسرت في الطريق دون انف اجمع القش وبذور عباد الشمس السوداء وأقول " كان الصيف حارا وسيكون الشتاء قاسي البرودة إذا لا بد من الاحتياط " وادخل جحري في الليل واشهد في التلفزة حركة الأكوان بجواري وأقول السلام علي قبل الفرجة في الفتى ذي الأنف الخشبي فقد عرفته لما كنت طفلا مهملا في مدرسة ألقن القصص القصيرة الموجهة للأطفال الأغبياء وأقول للمعلم بذكاء الأغبياء " كيف للخشبة تطول وهي ميتة مقطوعة من أصلها ؟ ولم يجبني معلمي الزنجي واسمه المحمود ابن الصالحة لأنه تخيل أنني أبر من حكاية أطفال.فتركني لحالي مطمئنا،وأعطاني أحسن الأعداد لاتقائي واجتناب ضجتي في ركن الأطفال المهملين بالفصول المدرسية.ثم نسيني لما انتقلت للمعلم الموالي أما أنا فلا أزال اذكر بكل خير سحنته المميزة، لما كان في هدوء الفصل ونحن ننسخ من بعضنا الإملاء والحساب ، ينظف أنفه بطرف المسطرة المكسور ثم يمسح بإصبعه ما تجمع بطرف المسطرة ويملي " النظافة من الإيمان والوسخ من أين؟ فنجيب بهدوء صاخب "من الشيطان سيدي العزيز" أما نحن فكنا نمسح أنوفنا بأكمام الميادع الشخماء فنترك خطا أشهب مقوسا يجف على الخد المقابل للمنخر الممسوح ... وكانت لنا أيام ... وكبرت وغابت الحكاية القديمة في منبع المخاط بدماغي. ولا ادري ما حدث للآخرين فقد اعترضني أحدهم يوما يحمل على كتفيه زوجه وخمسة ذكران وقال لي " إلا تزال كما أنت ؟ انظر أنا عندي في البيت اثنتي عشر خصية قبل أن اشتري خروف العيد " فاطمئن قلبي على مصير الأمة في مقبل القرون وانسجمت في دماغي الخرب بالقصص الغريب .
وكنت ادخل على عبد الستار بائع الكتب القديمة بعينيه الدعواجيتين كقمر مخسوف وكرشه المنداح كمخزن قموح في قرطاجة القديمة وأتمنى دائما أن يقف لأرى هل أعرج هو أم كسول؟ وحتى لا يرد تحيتي سلمت وعثت في سلعته فوجدت أحمد الصمعي يترجم ايطالو كلفينو ليتدرب على اسم الوردة الجميلة. فسافرت إلى الريف الإيطالي في الخرافات الإيطالية وعثرت من جديد على الفتي ذي الأنف الخشبي وقلت كأنما يعرفني وكأنا أصدقاء "أ أنت من جديد ؟ وهل تذكر المعلم الزنجي المحمود بن الصالحة وهل تذكر الأطفال الوسخين في بلدتنا يعلمون الصدق بالكذب المباح في النهار بان الكذب الخبيث يشوه الوجوه ؟" وعدت إلى البيت بسرعة مذهلة في بطئها. وغلقت باب بيتي من ورائي.وانسجمت في سماجة التلفاز. وأقرا من خلال ذلك كتابي الجديد . وأتحسس انفي بيدي. وكلما قلت لنفسي بصوت تسمعه الأشياء بجواري " ما أمتع ما افعل ما أجمل حياتي " ثم قبل النوم بقليل أدعو الله بوضوح صادق " اللهم يا عزيز يا جبار زدني من خيرك العميم ". ثم أنام وأقوم فأقرا الخرافات أو انظر في التلفزة وأقول " أنا بخير مفرط " و أتحسس انفي فقد يهرب من وجهي إلى خارج البيت ؟
وكان من كان مما لست اذكره ... فقد رأيتني في مابين الوسن والوهن اخرج إلى المدينة جذلا فرحانا بما لدي من النعيم، أسلم على أول الأصدقاء، فيقول لي " وجهك ممتلئ بالنعماء " ثم يفغر فمه وتنفتح عيناه ويهرب من أمامي. ولا أحس شيئا مؤلما رغم انتباه العابرين لوجهي المصقول بالكولونيا وشاربي المحلوق تحت الجلد.
وسرت في النهج حيث سرت دائما مطمئن البال. انعم بالأمن والصفاء. حتى الصديق الثاني، الذي سلم بالحضن والتقبيل " أ ينك يا رجل هل قلبك بخير ثم هل تعرف إني منشغل بحالك والغم يعتريني " ثم تراجع للخلف خطوتين وشد أنفه وقال "هل أنفك بخير يا صديقي؟ والله أنا منشغل بالزاف من مصيرك " ثم شمر سرواله وانفلت موليا. فلما إن غاب في المنعرج حملت يدي إلى الأرنبة العزيزة فراعني مصابي واضطربت. لقد صار طول انفي قبضتين فوق وجهي ومنخراي صارا كالكهفين. فالتفت للجدار واستحيت. ثم وضعت إصبعين في المنخر الموازي فلم أجد رطوبة في المنخر المزكوم باستمرار ... فأدخلت في المنخر الموازي إصبعين وصحت " يا ويلتي لقد صرت في الخرافة رجلا بأنف خشبي " لكن انفي والأصابع الأربعة به آلمني فصحت مرتين... مرة لأني صرت لعبة سخيفة ومرة لأن انفي ليس خشبة بالفعل كي اقطعه.
وقلت في قنوط بالغ " هذه نهايتي. فانا من أول أيامي لست فاتنا وحظي في النساء ليس بالغا. فكيف وقد صار انفي قبضتين كالبينوكيو؟ وصار منخراي كالكهفين ؟ " وضعت جريدة مبرومة في كفي الندي. وسرت حتى محطة الحافلة الصفراء أحك حاجبي بالجريدة وانظر مقدمة حذائي الجديد المدهون بالورنيش. واحمد الله أن الناس ينظرون في الغالب للأسفل لعلهم كما يقول جدي في الآثار ينحنون على البصقة الصفراء يحسبونها دينارا ذهبيا " وكان جدي هذا يسعل بلاغم كثيرة ينفثها على الطريق العام ويقول " الرحمة لمن زلق فانكسر ساعده " .
فلما أن نزلت دار عبد الهادي صديقي الحميم وفتحت جارية كسولة غرفة الجلوس دون أن تسلم أو تنظر في وجهي. فتحت جريدتي وسرت فيها شوطا بالغا. حتى جاء صديقي مستفسرا وكان عرق زوجته يفوح من صدغيه. فسلم بصدق ومودة. لكن انفي طال بوصتين دفعة واحدة. فوقف صديقي مرعوبا. فصحت فيه " اجلس يا عبدول يا صديقي فقد جئتك استرشد عما ترى من عجيب الخلق في وجهي الجميل... كلما حدثني أحدهم حديثا طال أنفي بوصة أو بوصتين، حتى صار كما ترى من طوله وانفتاح منخريه. فهل عندك من حل يا صديقي؟" فزم عبدو شفتيه وقال " إن الأمر لمحير وإن الطب فيه يعجز فكيف يكبر عضو دون أي ألم ودون أن يقيح؟ "فظل أنفي في مكانه لم يكبر فانتبه صديقي المطبب لذلك وقال لي " " عرفتها حالتك " ثم قام فجاء بالمرآة فنظرت أنفي أطول من أنفي لما كنت عاقلا لا أقرا وكان وجهي مقسوما قسمتين، وأنفي العظيم كالطود، والأرنبة تسير بالخيارة الخضراء في ابتدار القمر، وقبضت منه قبضة كاملة وزدت إصبعين، وظل بعض أنفي خرجا من كفي كالبظر المغرم بالدلك .
افتني فيما يستوجب يا صاحبي الفقيه فقد عودتني باجتراح المستحيل ولو على ضوء شمعة مطفأة أو لمحة قنديل....
فاطرق صديقي مفكرا، ودخلت زوجته علينا، فانفقلت ضاحكة من أنفي. فلم يطل ولو قليلا. لكنها لما استعادت رشدها،أعربت عن ألم كبير لفساد صورتي الجميلة. فازداد أنفي طولا.وجاء نديمها الصغير يثغو كالخروف.وامسك بأنفي الطويل وتعلق.ولولا أني كنت جاسا لارتفعت رجلاه عن زربية قديمة فرشتها أمه لتحفظ من تلف الأشياء زرابي عرسها الجميلة. فكان أن لفتها كالعماد وملأتها بالكافور والخزامى. وعاد الصغير في الأثناء للعب بأنفي الطويل. وقال بين ضحكتين " أنفك يا عمي جميل " فأحس اللحم ينمو في يديه. فارتعب الصغير وصاح فلما أن أسكته بالقوة الغاشمة، قال لي " انفك يا عمي بشع كالغول " فظل أنفي في مكانه من وجهي، ووجد صديقي الحل جاهزا لديه كلما مدحني أحدهم ازداد أنفي طولا، وكلمنا قال لي الحقيقة الفاجعة ظل في مكانه من وجهي. وجرب صديقي تجربة، فمدح جدودي جميعهم ووصل إلى أبي فمجده، وأمي فرفعها إلى مريم العذراء أم عيسى. لكن أنفي رغم المدح ظل في مكانه. وخفق قلبي سعادة غامرة بأهلي الاماجد. فأنفي رغم المدح لم يطل. وكان إن ازدادت فرحتي كثيرا. لكن صديقي المطبب المشهور ظل عاجزا عن إيجاد حل لأنفي المسافر في وجهي كالوتد المتين في قصيدة المعري. " ابحث لي يا صاحبي الطبيب عن الرابط الخفي بين المدح والنفاق فربما مررنا من الصفاق القائم بينهما ووجدنا الحل لأنفي العزيز فأخرجت زوجته مخلبها وكشرت " هل تفصح عن نية سيئة تجاهنا ؟ " وحملت وليدها وهمت بالنهوض "نحن مستاؤون جدا مما تزمع وأنت لك نوايا فاسدة وانفك خديعة قديمة ممجوجة" وانتفضت واقفة وذهبت راضية بسخطها علي فقلت من فؤادي المسكون بالوفاء " لا رد الله ناكر الجميل " فأنا ما جئتها مخاصما، إنما أعاني أن يطول أنفي أكثر مما تقتضي الأصول. وقد عجت على صديقي المذكور لأنه قريب من حشاشتي وقد دخلنا في الزمن معا وختنا بمقص واحد قبل أن يفقد المطهر عينيه الاثنتين ذات ليلة وقد دعت عليه أمي بالعمى لأنه جرحني من حيث لا يقال إلا في جرائد الوقاحة فحرمني نعمة الزواج للأبد فبقي لي من صفة الرجال صدق نفسي ورغبتي الملحاح في الوضوح ولو اقتضت أحوال لا أريدها أن أبقى وحدي كالبومة الحزينة .
وفهم صديقي الحكاية جميعها فألجم لسانه، وفرز كلامه فسكت سكوتا . فكل كلمة قد تطيل أنفي وتفضح طوايا الأصدقاء. وقام معي مودعا فأمسكت أنفي بيدي وقلت " مكانك فالباب سهل الفتح والإغلاق " وعجت عائدا لبيتي وأنفي يسابق خطاي نحو البيت وقلبي منشغل بنفسي ""أيهما احتفظ به صحبتي الكرام أم أنفي الأشم ؟؟؟؟ "
وبت ليلتي مفكرا وعز أنفي أن يقطع... فالألم ما همني... لكن صورتي في الشارع بأنفي المجدوع... كانت قاسية .
وكان مما قلت في ليلة التفكير " أن اسكن في بيت لا أبرحه فيبقى أنفي معي والأصدقاء كلهم لا أخسر الأقارب منهم ولا الأباعد. ولكن الجوع قد يلزمني بالجهد إذ يدفع أمعائي الصارخة إلى النهوض باكرا، وتبدأ ا الحكاية، ويسري أنفي قبلي، وقد يطول بالحديث اليومي، فلا أستطيع دخول أي باب إلا بالرجوع القهقرى . وقد يبقى أنفي خارجا، فيمسك الباب أرنبته إذا أغلقته برغمي ريح جارية ... فعدل مزاجي من فرحتي ورمت حلا آخر ... أن أصمت بقية الأيام عن حديث كل يوم وأخرس لساني... وقمت في الصباح وقد نويت الصمت ...
وصمت صوما بالغا.وخرج لساني قبلي يسبقني. ودرت دورة كاملة لأغلق الباب من ورائي. وأول جار مر خلف ظهري... قال لي " صباح الخير يا جاري الجميل " فطال أنفي إصبعين دفعة واحدة فقلت والغم يعتريني " لا حول إلا بقوة الإله فهو الذي ركبني وهو الذي بيده تسوية المسائل العويصة. وقبل أن انهي حوقلتي، طال أنفي حتى مس الباب من أمامي. ولم استطع رفع رأسي للسماء، فأنا أيضا يمكنني النفاق، وقد فعلت ذلك عيانا، وليس إلا أنفي دليلي "
وعجت نحو مطبخي مسرع الخطى... أخذت مدية حادة الاشفار، وقلت... هذه بغيتي من دون خلق الله... وقبل أن أفكر في الألم و سيول الدم على شفتي اللمياء من كثافة التدخين... فكرت في الأصحاب والحياة. وقلت بصوت تسمعه الأشياء بجواري " لا يمكن أن أمضي في الأرض بأنفي الطويل كل يوم ولا يمكن أن أبقى في الأرض بدون أصدقاء "
وكان من قراري أن هويت بالسكين فوق أنفي ...
وفي خروجي من موتي الصغير إلى الوسن الشفاف ثم فتح عيني، نظرت فرأيت حفرتين تحت جبهتي وليستا العينين... فعيناي كانت باهتين كتينة قديمة مجففة ويمكن تحريك جلدتيهما الشبيهتين بالاشفار حيث كانت تنبت الأهداب ....
فحمدت الله على وضوح الرؤية... ثم خرجت للطريق مشمخرا بأنفي المجدوع وقلت للسبيل بجواري " قطعت أنفي ليظل عندي أصدقاء " .
أجنحة الدجاجة ...
قصة لم تنشر بعد
المسالة أبسط من بكثير من أن تحمل معان غير ما يبدر بظاهر النص وهي غير قابلة للتأويل بمعان جانبية تتعلق بأسبقية الدجاجة عن بيضتها أو البيضة عن أمها كما أنها لا تحاول أن تمس موضوعة التفاوت بين الناس التي أرهقت المفكرين ودعتهم إلى وضع كتب كثيرة لم يعد يقرأها أحد من الخليقة السائمة في الطرقات مؤمنة بأن التفاوت ضروري للاستمرار في تحصيل الحد الأدنى .
إنها مسألة تتعلق بدجاجة ليس إلا... دجاجة ذات أجنحة كثيرة ...غير أنها ليست معجزة أو مسخا
يمكن الذهاب إلا وادي بياش[1] لرؤيتها تحت شجيرات الطرفاء المالحة ذات اللون الرمادي المحمر في الصيف ، لم يختر وادي بياش طريقه بإرادته، قوانين الجاذبية هي التي سطرت مساره الحالي رغم محاولات الجنرال شارل فلبار . بمساعدة البيوع اليقرو[2] في زمن الفتح التمديني. يحتمل أن يكون المسار الحالي قد سطر في العصر الجيولوجي الرابع أو أحد الثلاثة السابقين عليه ولكننا لن نذهب في تتبع المسألة أكثر من ذلك فالمسألة لا تتعلق كذلك بالجغرافيا الطبيعية خاصة وأن جغرافيا قفصة تثير المشاكل وتدعو إلى تكوين النقابات التي تثير المشاكل وتدعو إلى تحرير الأوطان ولذلك لا بد من العودة إلى مسألة الدجاجة ذات الأجنحة في وادي بياش حيث يمكن معاينتها طبقا للتراتيب الجاري بها العمل في وادي بياش ..
إنها دجاجة محايدة مثل وادي بياش منذ زمن كان الوادي يشق طريقه بصمت ، يكون جافا أغلب فترات السنة يثور أحيانا فينظف نفسه من مزابل المدينة ، يحمل بعض الحجر والشجر والبشر الهائمين في أرجائه مؤمنين بالقدر والقضاء ينزل الماء في الجزائر وتكون الشمس في كبد قفصة أو في كبد سمائها ثم يحمل الوادي غدرا كل الحمير التي تسرح في أرجائه فترد النساء إلى منابع الماء على ظهورهن ويملأن الماء في جرار من الماء النمير الذي يصيب الأسنان بالصفرة الفاقعة ...
كان يوما قائضا وهل تعرف قفصة غير ذلك يحتمل أن يكون في أوسو أو قريبا من ذلك يقال أن ذلك حصل قريبا من عيد الجمهورية فهو اليوم الذي باشر فيه الملازم جبار عمله في قفصة بعد النقلة التأديبية التي سلطت عليه لانضباطه الشديد في تطبيق القانون ... ورغم أن الملازم جبار قد مل حساب الأيام لتشابهها إلا أنه يتذكر أن ذلك الحدث الجلل قد حصل في يوم قائض مغبر غير بعيد من عيد الجمهورية الذي صادف يوم أحد فلم يتمتع به أحد طبقا لحسابات الموظفين الذين يربطون العطل بالأعياد الرسمية ليتسنى لهم إنجاز بعض الأعمال المنزلية كسد نافذة وفتح أخرى ... وقد وجد الدجاجة لذيذة جدا حتى أنه أكل منها أربعة أجنحة كاملة فهو يميل بحكم عمله إلى تكسير الأجنحة وهرسها بهدوء غالبا وبلا ضجة عارمة أحيانا وتلك مسألة أخرى لن تحيد بنا عن ذكر خبر الدجاجة ذات الأجنحة ... حين زاد الملازم جبار جناحين وأكلهما ليستطيب الكأس الأخيرة خاصة وأنه وجد بها مرارة زائدة وبعض الثمالة التي تترسب في خمر الكاهنة وهي الخمر الأكثر مبيعا هناك ربما لأسباب تاريخية ليس هذا مجال ذكرها ...
الملازم جبار ليس جبارا تماما فهو رجل نحيل حتى أنه يضطر إلى إحداث ثقب جديدة في الحزام الجلدي الذي يستلمه ضمن الزي المهني ليستطيع شد سرواله بإحكام فلا يسقط وهو يجري مطاردا المجرمين والخونة والعملاء الذين لم يتعلموا بعد النضال الافتراضي ولا يعتقدون انه يمكن الاعتماد على أصدقاء في الخارج للانتصار على الأعداء في الداخل ... وهذه أيضا مسألة لا تتعلق بالدجاجة فضلا على أنها معقدة جدا وتقتضي معرفة دقيقة بالعلوم السياسية التي لا تدرس في الجامعة التي تدرس العلوم التجارية وتجعل البنك الدولي صديقا محايدا يقدم أموالا بفائدة مخفضة ويتسامح في أجل السداد إلى حين ... وكان جبار مختصا في العلوم التجارية لكنه دخل كلية الشرطة وهذا قبل أن يأكل من الدجاجة في وادي بياش في نهار مغبر ... كان جبار يحسبها جيدا على الورق لكنها تفلت منه في الحقيقة، لذلك اعتقد في النهار الأغبر أن للدجاجة أجنحة بقدر ما يريد ليستمرأ الكأس الأخيرة التي كان للجماعة منها الكثير ...
عاد جبار إلى قفصة منقولا نقلة تأديبية بعد أن تطاول على رئيسه في العمل ... كانت هناك مسائل محلولة لكنها تعقدت فجأة وفقد جبار المفتاح رغم أن معدله الدراسي في الرياضيات والمالية كان جيدا وكان يخطط أن يشتغل محاسبا عاما أو جامع ضرائب لكنه تسرب بحكم نقاء سريرته رقم 2 إلى الأمن العام ونجح ... في السيطرة على الأسلحة المسموح بها ونال معدلا جيدا في الرماية ثم كشف كل المجرمين الذين أوكل إليه إيقافهم وعثر بسرعة على الأدلة الكافية لوضعهم خلف القضبان .. وقد استدل دائما بأن ليس هناك محام على وجه البسيطة أسقط قضية حقق فيها لعدم كفاية الأدلة .. وهو يحتكم إلى سجل مهني نظيف بحكم الانضباط الدائم في الحضور والانصراف وعدم العربدة في محل العمل وعدم التدخين قرب الرؤساء الأرفع وكان يود أن يحسب له ذلك في التأدب المهني ليستطيع الرقي في السلم الذي يدر الأجر الأرفع وتلك مسألة كبيرة تتعلق بكيفية إيجاد الأقساط الشهرية لخلاص البيت الصغير الذي اشتراه ليسكن معه أمه العجوز التي عاشت أول حياتها و في قفصة المغبرة وأنجبت فيها بناتها وابنها جبار بعد أن أوشك عودها على الجفاف النهائي ..زوجت بناتها واحدة في رمادة والأخرى في ذهيبة والثالثة في غار الدماء وظلت وحدها كالبومة ... فجاء جبار وحملها معه قريبا من العمل الذي يمكن أن يحصل فيه ترقية مهنية إذ يراه الرؤساء كل يوم ويسمعون أخبار نجاحه في القبض على المجرمين والأوغاد والمناضلين الافتراضيين الذين لا يخجلون من الحديث عن مساوي البلد إلى الأجانب والاغيار شأن كل رجل غير حريص على بيته ...
ثم دخل ككل الجماعة في البيت والأقساط وانتظار التقاعد ... ووعد نفسه بالترقية ثم أفاق ذات صباح غير بعيد من يوم الدجاجة فوجد تغييرا طفيفا في المقاييس ... كان هناك زميل آخر جاء بعده و قد أخذه في الدوريات الليلية ليريه خريطة المدينة ويلقنه الجمل التسع الأولى التي يفتتح بها التحقيق ... فلما جاء في الصباح المذكور وجده قد علق النجمة الثالثة وأخذ مكتبه الخاص ووضع له أشياءه الخاصة في كردونة قديمة ودفعها خارج الباب قريبا جدا من مكتب الحاجب وكان جبار رجلا نحيفا غير أنه أشوم من واد بياش إذا حمل ... فحمل على المتدرب الذي صار رئيسه بعد أن كان تابعه فطرحه أرضا ونتف نجومه الثلاث خاصة النجمة الثالثة التي كان ينتظر أن يعلقها قبله ثم زاد فحمل عليه مرة ثانية وقد ظل باركا كالدجاجة وفك أزرار السروال وفعلها على رأسه ... وثمة تفاصيل أخرى ليس هذا مجاهلها فهي لا تتعلق بمسألة الدجاجة لكن جبار أعيد إلى قفصة بنجمة واحدة ... مرفوقا بالكثير من التعاطف من ذوي الرتب الدنيا ... و بأمه التي صارت الآن في دار الكراء بعد أن باعت بيتها القديم لمساعدة ولدها على اقتناء بيت في العاصمة ... وتلك مسألة تتعلق بالتصرف الأسري و لا علاقة لها بالأجنحة ..
في اليوم المغبر قريبا من عيد الجمهورية القريب من شهر اوسو الذي تنزل فيه الشمس قريبا من الأرض وتقترب أكثر من قفصة، كان جبار في الدورية فهو جديد ومنقول تعسفيا و "مكرز " والسابقون يقيلون في غرف صغيرة مكيفة بمكيفات صغيرة تتلاءم مع ميزانياتهم الصغيرة في المدينة الصغيرة ... حمل السيارة أو قادها كما ينبغي في اللغة وقام بدورة مر بحي الزهور وبحي النور وبحي الحور وبحي السرور ووصل إلى تجمع الدور المشرفة على وادي بياش قريبا من شجرات الطرفاء الكالحة ذات اللون الرمادي القريب من لون القهوة الباهتة فرأى الجماعة مجتمعين حول ما لا يرى إلا من قريب فاقترب ونزل فسلم فردوا السلام وقالوا هيا "زوز" تفضل وكان يعرفهم من أيام المدرسة الابتدائية ... ناجح المعلم الذي درس الفلسفة أربعة سنوات ولم ينجح فاكتفي بتعليم الأطفال وفالح الذي عاد مطرودا من ايطاليا بعد أن هاجر خلسة وعاد بسيارة لم يجد لها وقودا فباعها وصالح الذي يطيع والديه كثيرا منذ كان طفلا فورث متجرا المواد الغذائية ولا يزال ينازع أخوته الميراث... يجلسون تحت الطرفاء يشربون الكاهنة من زجاجة دافئة ... في كؤوس من البلاستيك تسمى "قوبلاي " أو هي علب ياغرت فارغة، وكانت درجة الحرارة تفوق خمسة وأربعين تحت ظل الطرفاء في وادي بياش قريبا من شهر اوسو ... سلم ولم يجلس فهو لم يشرب في زي العمل منذ التحق بالسلك ... يعرف التراتيب يجب أن يجمعهم بخمرهم و يرفعهم ليمنعهم من الاسترسال في الجلسة لأن ذلك يعتبر من قبيل السكر في الطريق العام وهو محرم بحكم المجلة ... الدرس الخامس الفقرة ستة السطر الرابع من دروس الأمن ... قبل أن ينطق نطق الفالح "وادي بياش ليس الطريق العام ثم أن تحت الطرفاء ليس مكشوفا للعابرين إلا إذا نزلوا من سيارتهم ثم أن الكاهنة ليست خمرا فنحن نشرب منذ الصباح ولم نسكر بعد رغم الطقس الجميل" ... أفحمه الفالح وهو الجبار الذي كان يطمح إلى النجمة الثالثة فعاد إلى موطنه بنجمة واحدة . لكنكم تشربونها عارية بلا فراش ولا غطاء إلا تخافون أن تؤثر على بطونكم ... فغضبوا جميعهم وكشفوا له الدجاجة ...
فتح الناجح محفظة المعلم ووضع كراسات قديمة وكتب مفتتة جانبا ثم اخرج صفحة بيضاء من غير سوء وأدارها ليراها الملازم...
كانت على الصفحة البيضاء دجاجة مصورة بقلم الرصاص وكان بين يدي المعلم الناجح ممحاة بيضاء صغيرة هي كل ما تبقى له من أدوات العمل في السنة المنقضية . مسح جناحي الدجاجة و صب ثلاث كؤوس مترعة من الكاهنة وأدارها على الجلاس ... ونظروا شزرا إلى الملازم جبار النحيف وكان العرق يتصبب من جبينه وبدؤوا يمضغون صدر الدجاجة أبيض كالرخام الصقيل ثم يحملون الكؤوس إلى شفاههم ويعبون منها عبا ويمصمصون شفاههم بعد كل رشفة من الكاهنة الوردية. قالوا له بصوت واحد أتعيرنا بالفقر ونحن نأكل الدجاج الأبيض السمين ...
نظر الملازم في كل الاتجاهات ... لم ير دورية أخرى الأمن مستتب بحكم الطقس في وادي بياش ... أخذ الورقة و بقلم الرصاص الذي يحمله في جيبه دائما لتسجيل ملاحظاته في القضايا التي ينشغل بها أضاف إلى الدجاجة جناحين عوضا عن الجناحين اللذين أكلمها الجماعة قبله ... قطع الجناحين الإضافيين وقربهما من فمه الجاف قليلا ومد كأسه للساقي وبدا يقضم أجنحة الدجاج ...
جوان 2005-06-18
[1] مجرى واد جاف يشق مدينة قفصة التونسية الواقعة إلى الجنوب الغربي وهو ينبع من الجزائر وينتهي في السباخ القريبة من قفصة وهو جاف في اغلب فترات السنة لكنه يحمل عند العواصف ويحدث أضرارا بالغة في المدينة وقد حاول الفرنسيون منذ دخولهم مستعمرين تحويل مجراه خارج المدينة لكنهم لم يفلحوا وقد ترك على حالة وأقيمت فوقه الجسور وابعد عنه المعمار .
[2]قائد الجيش السادس الفرنسي الذي وطد الاستعمار الفرنسي في التراب التونسي وقد قاد حملته عبر الوسط والقيروان وصولا إلى الجنوب عبر قفصة ونفزاوة مدعوما بانزالات بحرية في مدينة صفاقس وقابس وجربة و"اليقرو "هو مساعد له من ضباط الجزائر الذين عملوا مع الاستعمار الفرنسي وقد اشتهر بحنكته العسكرية وتمهيد السكان قبل وصول الجيوش الفرنسية مما جنب الأهالي معارك كثيرة غير متكافئة ولكن جنب الفرنسيين أيضا معارك كانت قد تكلفهم كثيرا .