المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
فصول من رواياتي المنشورة والمخطوطة

 
 هذه المقدمات الأولى أو المدخل لروايـــة  "المستلبس " للروائي التونسي نـور الديـن العلـوي الصادرة عن دار الجنوب للنشر بتونس سنة 2005 بعنوان فرعي هو { اللهم الطف بنا فيما جرت بـه التقــارير} .
فاتحة الحديث عن أحمد العروس.
انتــهى أحمد العروس من زمن الناس... وما انتهى زمن الناس في أحمد العروس...
فالطين مختلف وأحمد أطول...
أحمد أمل أقوى من لحظة إشراقه في غيب حزين... ورؤيا لم تحتج إغماض عين لتكون... إنه هنا والآن ويمكث في الأرض.. فاجعل لك إلى أحمد العروس سبيلا...
يقول لك أحمد في التحايا "اعبر جسورا نحو نفسك بناها الآخرون لتعبر من نفسك إلى مرض نفوسهم بالسؤال عن فراغات في نفوس الآخرين".
ويفزعك أحمد لو سرت إليه... فأحمد ليس محايدا إزاء هموم الآخرين... ويرى أبعد من أنفه لذلك يرى كثيرا ويحجم عن الإفصاح وينتظر عيونا شاهدة.
وقد يردك أحمد إلى بعض نفسك فإذا اشتبه عليك والتبس ، يقول لك أحمد "إن أحمد على غرابة شكله يقاس عليه ولا يحفظ فهو ليس خطأ شائعا ولا قاعدة مهجورة وهو ليس قاعدة لكلام الآخرين الهارب من صدقه بسلاسة المعنى إلى التيه في أساطير الأولين يعمي ليثبت عجز الناظرين ويتقول "الناس حمقى فلا تعلمهم المعنى أنهم دون يرون ظاهرة اللفظ فيكتفون". ثم يلخص "أحمد العروس ليس إنجيلا ولم يصحف، ولقد صيغ لمرة واحدة فمن استطاع إلى أحمد العروس سبيلا فقد وفر لنفسه بعض زاد لبعض الطريق". فإذا عزمت وأوشكت على أحمد... فاعلم إنه في بدء التكوين كان... ثم كان أحمد وليس نبيا... ولا معجزة وأمه ليست عذراء !
سيسألونك... عن أحمد...فاللفظ مبهم والسياق مداور ، ” قل لا تأتي به الريح ولا ينبت معلقا كالثوم والبصل“. ويسألونك عجزا ، قل ”إنه أحمد العروس المنغرس سكينا في كبد المنكرين وجوده يقولون له "من فسق في أمك يا زنيم ؟"ويسألونك عن أحمد العروس "مسكين ؟" قل ”مرهق... ويختزن ضده ... فيقوم. فلا يقتل ولا يصلب ولكن تحضنه الأرض فيشبه لقاتليه فيفرحون ! فيما بذوره تنتظر صهد المعارك الحاسمات... لتنتشر.ويسألونك دائما ... قل ”لقد نجا... ثم صار إلى ما هو عليه راهنا !“
ويسألونك وهنا،  فلا تبخل عليهم بالخبر ولا تبخل عليهم بالشرر وأوقد لهم من أحمد... فعلى النار الهدى... يرون أحمد اليومي ويقرؤون اللوح ويعرفون كيف السبيل إلى الخروج .
ويسألونك رغم ذلك عن أحمد العروس... قل ”تشتد عليه الشمس فينمو صاعدا ويبز نخيل السواد إذا سمق... فإذا انزاحت جبال الصبر فيه يذوب نورا في الشفق... ثم يخرج من أخاديد الأرض العطشى ويتعملق في البساط الأبلق ولا يضمحل إذا انبثق ! فإذا ظلم قلبه يسير بالتوازي مع نفسه فلا يلتقيا لكنه ينطرح شوكا في المسالك ويصير نشيجا في الفرح.
ثم إذا سألوك بعد هذا عن أحمد، فلخص...” ينبت في أرضكم في سنين القحط وينمو بالجفاف وتحصده النذالة والعسس...“
فإذا ألحفوا كما عن البقرة الصفراء... فقل ” لا أدري فهو أسلم... وانس سؤال الآخرين عن الحقيقة وانس حقيقة الآخرين في السؤال وأسأل هل يؤدي السؤال إلى الحقيقة ثم اسأل هل لا بد للحقيقة من سؤال ؟ ثم تعمد أن تتيه في السؤال السرمدي... ما الحقيقة ؟ وانس أحمد العروس فهو ترابي الوجود واذهب في الفلسفة وتيقن إنها أسلم من حقيقة أحمد وليس لها تأثيرات جانبية ولا يخشى منها على الخصوبة والرضاع... فإذا كان لا بد وأنت على الصراط الأعوج... فقل... لقد نجا من الانتخاب الطبيعي، وليس الأصلح ولعله الأشقى فهو الأبقى، فاقتله تغنم صمته. ثم أذره في الرياح الأربع قبل اجتماع رماده في الغيب وعودته كالنهار“.
ذلك أحمد العروس... من لا عين رأت ولا أذن سمعت إنما خطر على قلب بشر ! فإذا نجا ثانية فلن يقنع بالانتخاب.
 
 
 
حديث آخر عن أحمد العروس.
ثبت أنه لأحمد أطلال ببرقة ثهمد لكنه لا يعود للبكاء عليها ويحدث له أن يقرأ كتاب العربان ويضحك، فأحمد حي ويلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ، وقد يموت ولا يبكي عليه أحد ،فلم يكن فتى ولم يعربد إلا في حدود ضيقة .لكنه رفض يوما أن يفرد كالبعير رغم أن أيامه كانت قطرانا مجمدا، ثم إن ذلك لم يزده إلا حبا في أهله ليقول "ليتني كنت طللا قديما فأحظى بالقصائد وأدخل في الاركيولوجيا فأنعم بالسياحة ولا بأس أن لا يبكي علي أحد".
وفي اشتداد وجد أحمد العروس يزور أمه في المصح العقلي، وقبل الوصول إليها في النسيان يقول، "هذه آخر مرة" ثم ينسى ويشتاق فيعود... فيجد أمه تحت نخلة لا تطرح تمرا وليس لديها رضيع يتكلم، وتفرش علبة كرطون وتجلس على حافتها وتنظر إلى كتابة في الحافة الأخرى ولا تكلم أحدا ويقرأ أحمد المكتوب حيث تنظر أمه "قابل للكسر". ويجلس أمام أمه دهرا فلا تراه ثم يهم أن يقوم فتمسك ركبتيه وتبتسم فيوشك أحمد أن يبكي ولكنه يتهيب ذلك فتكف أمه عن الابتسام وتقول له ”كيف حال أمك ؟ أما مازالت تأكل عند جيرانها ويأتيها جيرانها ويأكلون عندها ؟ أمازلت تسرق الخضر من السوق لولدها أحمد ويضربها الباعة بالطماطم الفاسدة ويعطونها الغلة ويلحقون بها إلى البيت ؟“
ويتذكر أحمد التفاصيل الصغيرة ويحمل محفظته ويذهب إلى المدرسة وعندما يصل إلى الامتحان الكبير ومرض أمه تشد أمه على ركبتيه فيعود إليها لحظة فتقول له "بلغ سلامي إلى أمك وقل لها أن تضع الحناء على شعرها. سيدب في الحي القمل ويعقبه الجراد ولا ينجو إلا من غطى رأسه وقل للرجال-إن تبقى - أن يبولوا بأكفهم منحنين لينجوا من الرعد الكبير الذي يحصد الرؤوس المشرئبة..."
في أثناء ذلك يكون أحمد قد مر على عمره كله ونزل في آخر المطاف حيث أمه في المصح العقلي فتقول له أمه من شرودها ”قل  لأمك أن لا تخرج في الليل... فولدها لا يزال صغيرا وقد يرعبه الليل... والأمن أحسن من التجوال في الظلمة“  فيؤمن أحمد "نعم يا أمي من خاف سلم". ويدير أحمد بصره في المصح العقلي. من كل الحضور الذين يمرون في الجنون تظهر ملابس أمه نظيفة وشعرها الذي كان آية ملفوفا بعناية وتجلس على مكان نظيف لكنها لا تزال ترى أحمد حيث تركته طفلا أعزل قبل أن تخرج من عقل الآخرين و تدخل في الجنون ويراها توصيه خيرا بنفسها حيث تركت نفسها قبل الدخول فيمازحها أحمد مشفقا ”كيف حالك يا حاجة“  ولكن أحمد يرى كلاما كثيرا على شفتيها فلا ينظر في اتجاه عينيها ويدس رأسه بين ركبتيه ويصمت دهرا... يعرف أنها ستقول له جملتها الشديدة "هل عثرت على أبيك ؟" ويعرف أن إجابته لن ترضيها فيقوم عائدا إلى ما لا يقصد ولا يريد وقد قرر أن لا يزور أمه أبدا حيث هي في المصح العقلي.
ويفيق أحمد العروس العائد من المصح على أحمد العروس المنثور في الساحات العامة القليلة أصلا يمشي بهدوء ويدخل في الليل ويقول ”أحمد العروس يعرف كل الفضائح و الصغارات وليس إلها ولا في القوات الخاصة ولا في الاستشعار“. ثم أمام واجهة محل نظيفة يرى أن الدهر مر على أحمد الواقف خارج البلور مرور اللئام فخلف على نفسه آثارا... ومر اليسار مرورا وخلف في أحمد رؤية ظل العالم في الماء العميق... ومر اليمين وخلف خوف انكشاف النوايا السيئة... فصار أحمد متعدد الأوجه كثير الاستغفار ويدور حول نفسه ويكلم ظله ويعتقد أنه الأصلح وأن الآخرين يعرفون و ينكرون ثم يعتقد أنه الأسوأ وأن الآخرين دفعوه دفعا... ثم يجد نفسه قبيحا جدا و يزيده قبحا بحثه عن الجمال السرمدي.. كلما أمعن بحثا أمعن اشمئزازا.
فيقرر البحث عن رجل بعينه... رجل أشم. سيقول الماكرون "أن أحمد... فلا يبحث عن رجل إلا المصاب بسدوم ولكن أحمد لا يرد عليهم، فالجهل مصيبة. ويواصل البحث عن رجل بأنفه ويخفف عن نفسه فيقول "لماذا رجل بعينه وما الذي يجعل للعين ميزة عن الأنف حتى يقال رجل بعينه" وأحمد يعرف للعين معان فأيها تكون علامة ؟ إذن هو الأنف...
رجل بأنفه. ولم يكن يبحث إلا عن أبيه. فأمه علمته أن أباه رجل أشم لذلك كان ينظر للوجوه ويمعن في الرجال ذوي الأنوف... فيجد رجالا بأنوف ذليلة فلا يراهم... ثم يجد رجالا بلا أنوف ذليلة لكنهم لا يرفعون وجوههم فلا يراهم... ثم يجد رجالا بأنوف عزيزة لكنهم لا يرون أحمد فلا يراهم... ثم يجد... أن مطلبه عزيز فينسى البحث دهرا ثم يزور أمه... فيستأنف البحث ”إن أبي بينكم أيها الرجال !“ ويضحك ”من تراني أخاطب ؟“ ثم يقول بهمس ويلتفت على جنبيه ”إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير لكني لا أرى أحدا“ ويقول ”تباركت روحك أيها الخز اعي هذا زمانك فلماذا بكرت قليلا في المجيء وفي الذهاب ؟ وأحمد العروس لا يقرض الشعر و إلا زاد على بيتك ديوانا عن الغائبين عن أرواحهم ، الحاضرين في المطاعم والمقاهي والمآدب يتجشئون كثيرا ويقولون ”ربي أنعمت فزد“ ويقول أحمد لربه دون أن ينظر إلى السماء ”لو جاز الفناء على ملكك لانتهيت متسولا مثل أحمد العروس“ ولكنه يستغفر ويعود إلى الشاعر ويسأله هل رأيت أبي يا أبا الطيب فيقول له ”أذم إلى هذا الزمان أهيله...“فلا يبحث أحمد عن المزيد وعن أبيه في شم العرانين. ويقول ”لو كان لما هرب“ ويتوقف أحمد عن البحث. يرى حقيقة أبيه فيكف عن الكلام... من تراه يكون غير ” فدم تستغرق الكف فوديه ومنكبه وتكتسي منه ريح الجورب العرق“  ويقرر أحمد الانقطاع عن أمه في المصح العقلي. ”لا ذنب عليك يا أمي... فأحمد يعرف كل شيء ولا يرى أنك مثلما ترين فأنت أعز أنفا من أبي وأحمد لا يسوي بأنف الناقة الذنب“كنه... يضيق صدره...فيشتاق... فيقاوم... فيحلم... فيرى أمه تقف على مئذنة المسجد وتغني. ”لم يكن أحمد واحدا منكم ولكنه يعرفكم واحدا، واحدا ويفكككم قطعة، قطعة ويقدر ثمنكم جيدا ولا يبيعكم لأحد فأحمد لا يتاجر في الحديد الصدئ ولكنه لا يفرش لكم عباءته للصلاة عليها ، فأحمد أعف من صلاتكم لذلك أوصيته بغسل يديه سبع مرات إذا صافح ، أحمد يا كبدي، يا أعزل... وتخوض حروبا كثيرة ولا تخرج منتصرا أبدا“. ثم تصمت. فيستيقظ أحمد وفي حلقه لقمة من الصوف المر فيذهب، فتصر أمه ”ابحث عن أبوك“  فيصحح لها أحمد ”قولي عن أبيك“ فتلح أمه ”لم يجره أحد ولا يكون إلا الفاعل وهو الذي ابتدأ فأوهمني فأسلمت له الأمر يقلبه على كل وجوهه... ثم أفقت فإذا هو قد عبر المحيط وأنت في فراشي “.
”إذا هو نذل يا أمي.“ فتقول له أمه ”لا تصدق يا أحمد يا ضناي ولا تحرم أمك من كذبتها الأخيرة ودع لي سلام الاطمئنان إلى الخديعة فأنت تدخل في الرجال بأب أشم يخفي أمك في آخر الصورة فلا تضار. أما بأب نذل وأم أكلت بلحمها خبزا ، فلا مكان لك فوق الأرض، ولن يدفنك أحد لتحتضنك الأرض بعدي“. وعندها يتمثل أحمد كل المشهد المجنون ويمرر يده على شعر أمه الأخضر ويود أن يضمها إلى صدره لكنها تكون جامدة تحت النخلة العاقر وتكون دمعة أحمد قريبة جدا فينهض، فيذهب، فتجف عينه من البكاء الداخلي.
فإذا عاد إلى نفسه بعد لأي... في ساحة منسية... وجد نفسه في دائرة مليئة بالفراغ ويعتقد أنه يتقدم. يضرب الأرض بقدميه فيشب إلى الأعلى.. فيتنفس قليلا لكنه يعود إلى القاع فيضيق صدره لكنه يواصل الاعتقاد أنه خارج المستنقع وأن الآخرين يغرقون...
وتخاطبه العناصر كلها ” يا أحمد الأحمد... ألا ترى أنك وحدك في الخضم وأن الآخرين يسبحون كالضفادع وقد ينقون ؟ تشبث يا أحمد بما بين يديك لتنجو...“ لكن أحمد يعود للغفلة عامدا لكي لا يرى كل شيء...و في تشابه الصباحات يضحك أحمد في سره... ويمضي... فكثيرون ممن رأوا أحمد في الصباح... صلوا أن تكون نهاية اليوم أجمل من صباحه وأحمد لم يتدخل فمر يومه كما تيسر . لكن الكثير منهم وقع في مآزق في أيام لم يروا فيها أحمد، وتذكروا أنهم رأوا زوجاتهم في الصباح وأخريات رأين مثلما رأوا. ويعرف أحمد طائرهم فيترك لحيته نابتة كعسل في صحن حط عليه ذباب، ويقول ”لله جنود من عسل“ أو يقول ”على نفسها جنت“ وينسى أن يحلق لحيته دائما فهي آية تذكر الناس بالصلاة.
 
آخر حديث عن أحمد ... ثم أحمد.
أحمد العروس متواضع الإمكانات لذلك لا يطاوعه الشعر ويقول إذا اغتر ”أنا اشعر من المتنبي“ لكنه انتهى بعشق المتنبي في الديوان وكرهه في المسلسل وقد أفاق بعد لأي فوجد أن المتنبي أيضا قد بصم على جلده بملقط من حديد فصار يلتقط الشعراء في الجرائد المهملة واكتشف أن الشعر كلام فوق الزمن. لذلك لما عثر على عبد الإله الصالحي§  صوره بعناية وعلقه في جدار وصار يقول له كل صباح بعد أن يؤدي له تحية عسكرية. اتفق معك لكني لست في البعض ولا فيالأغلبية فأنا أحمد العروس. ثم يقرأ :
 بعضهم يجد أعضاءهمبتورة وتكاد تبتسم.
بعضهم يقلد المستقبل.
 بعضهم يقنع صندوق القمامة
بأنه أشد استدارة من الحقيقة (...)
 بعضهم يغرق بكل بساطةفي فرصة معوقة
بعضهم يسرق أدوات الجزم.
 بعضهم يتفقد أنسابه
بعضهم يتدرب على الإطاحة بالعالم.
بعضهم يفترش السطور وينحني قليلا ليسعل.
بعضهم جزيرة
بعضهم لعاب قيد الدرس
بعضهم ينتظر الانقراض
بعضهم قد يتألم
بعضهم يتأوه كمن يعاكس القيامة.
بعضهم يعوض الجنس بقيء الشعراء.
بعضهم يلهو بالعناوين في انتظار الباص أو الجنة
بعضهم يحب
بعضهم يفهم
بعضهم يتعذب
بعضهم يركض
بعضهم يصلي
بعضهم يصرخ
بعضهم يزدرد البعض
 
والأغلبية لا تقرأ بتاتا.
 
فإذا وصل إلى الأغلبية التي لا تقرأ بتاتا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم“، وانصرف إلى شؤون الماء والملح ويجزم لن أكون في البعض ولا في الأغلبية“. ولا يجد أحمد فكاكا من شؤون الماء والملح فإذا عسرت قال ”لعل للبعض عذرهم ... وللأغلبية أيضا... فالماء والملح ثقيلان، ومنهما  تبتدأ الهموم“ . لكنه لا يستسلم ...
 وينوي...
فيختصر الطريق على السعادة، فتكشف له الصدفة تطور اقتصاد البلاد ثم ولأنه ولد في الثقب السماوي فإنه نام واقفا وسقط بالتقادم فتناسى شوارد الحياة ونام مليا ولم يخبر أحدا بكوابيسه وإن ظهرت على وجهه، فشرع يتلهى بوضع ذيل كلب في قصبة ولعب لمرة واحدة بالحياة فأوشكت الحياة أن تهرب منه فانتهى مفعولا به  مرفوعا بالضمة الظاهرة في آخره فقرر أن يستحيل حجرة في ميناء فانتهى ضيفا على أبي بكر الرازي فلما أن أثقل على أبي بكر أشار له إلى باب الخروج فعاد أحمد صامتا يشير إلى نار تحت الرماد ويحدث المتنبي وبقية الحالمين بعالم آخر ويصل صباحا إلى معلقة الصالحي فيحييها تحية عسكرية وعند الوصول إلى الأغلبية التي لا تقرأ بتاتا يتخذ قرارات سريعة بخصوص الماء والملح، ولكن في اللحظة التالية يصيب قراراته ما يصيب الملح بالماء فيخرج من نفسه ويدخل في اللحظة ويقرض أظافره راقصا على ضوء شمعة واهنة ثم يمر بين عقله وكلام الآخرين عن الجنون بعد أن نشر نعيه فلم يعزه في نفسه أحد فعاد يكثف نفسه من جديد. ولكنه جمع كمسافر رموزه في حقيبة وخاض نقاشا فلسفيا أخيرا فلم يستنر غير أنه تعلم كيف تعلو العين على الحاجب ولم يكن ذلك بمحض صدفةوإن توهم .آنذاك اكتشف هوانه  كاملا فعرض على نفسه هدنة مع ظله وصحح نواياه وشرع في ممارسة العادة السرية حتى انتهى بسجن النبي يوسف في رؤياه الشفافة وبسرقة صواع الملك.وفي آخر ظهور لأحمد العروس التقى بظله فحياه وقال له "الذين يبحثون عن حبال من كلام يآلف الحديث عن أحمد العروس لن يفهموه، فهو لا يكون إلا نثارا مفردا لا يحتمل الجمع. ومن عجيب الخلق أن الريح لا تذروه فلا يعمى بخبره المبصرون أما العميان لم يحرموا أحمد العروس وحده ولكن... ما زال بإمكان أحمد أن يعلمهم الصبر. ويجوز بهم إلى ضفة واضحة وأن يعلم من استطاع إليه سبيلا.
فهو أحمد العروس..... فإذا جاءك بريده...... فأرخ لخيول لغتك العنان ، أو فأحمد مسكون بالهواء الطلق ويعي حدود الغرفة الضيقة فيدفع جدرانها عن صدره بالكلام .
 د: نور الدين العلوي : روائي من تونس
E.mail - abouchedy@hotmail.com
 
 
 


هذه القصيدة مستعارة من الشاعر العربي عبد الإله الصالحي وقد نشرت في جريدة القدس العربي بتاريخ لم اعد اذكره وقد أدمجتها في النص المنشور بنسبتها إلى صاحبها ولكن دون استشارته واني لأرجو صادقا ألا يكون في ذلك أي حرج للشاعر وإذا كان لا بد من الاعتذار عن ذلك فليعلم الشاعر انه لا يكتب لنفسه ، بل إني أرجو أن تكون هذه بداية تواصل بيننا وقد عجزت عن حصر مكان الشاعر للحديث معه فيما يجوز في الاستعارة والنحل .
 
 
 
 
 
 
 مقطع من رواية لم تكتمل 
عنوانها المؤقت (الرهينة رقم 4232.5 )
*****
مذيــــــاع أبي
 
فتح عيني على العالم يجب أن أقول فتح العالم أمامي إذ ادخله من أذني ، عشقت من المذياع وكرهت منه وبنيت عليه عواطف و خيالات لا حد لها ولو إني أعيد ميزان الأشياء والأحداث التي أثّرت في فاني اسند المكانة الأولى لمذياع أبي .
 عاش أبي بغصة قديمة عالجها بعد عشرين سنة كما لو انه يثأر لقتيل ، دخل أول مذياع لبلادنا الصغيرة في أول الخمسينات جاء به حسن الذي سيصير بطلا ويخوض معارك كثيرة لا يقتل فيها أحدا أبدا ثم يعود بعد الاستقلال بالنياشين الكثيرة التي حصلها من معارك لم يرها أحد ثم يصير فارسا يخوض سباقات كثيرة ويأتي ذيل حصانه المضرج بالحناء في آخر السباق، يقال انه عمل في العاصمة في وقت مبكر فاشترى مذياعا وبعض ألسنة السّوء تقول انه سرقه من مؤجره الذي يعتقد انه إيطالي من مزارعي العنب في الوطن القبلي لأنه بعد أن جاء البلدة بالمذياع لم يغادرها إلا ليشارك في الثورة التي خاض فيها المعارك التي لم يره فيها أحد. وكان الشباب يتجمع حول المذياع في الليل ويستمع إلى عبد العزيز العروي ، والى أغان لا يرون من يغنيها وقد مر وقت طويل قبل أن يعتادوا الآلة العجيبة و يشتركوا  في تجميع ثمن بطاريتها الذي يضعه حسن كشرط للمشاركة في الجلسة إلى جانب تكفل الحضور بقطعية الشاي وكان عليهم الانتقال بعيدا للعثور على بطارية جديدة . أراد أبي استعارة المذياع لغاية لم يروها فرفض حسن رفضا لان أبي يمكن أن يفسده هو الذي لا يعرف إلا ... وقال كلاما لم يعده لي أبي بعد دهر من ذلك . فحلف أبي أن يشتري مذياعا أحسن منه فاشتراه في زمن كان الناس فيه في أماكن أخرى قد عرفوا جهاز التلفزة وملوه .
أوصى أبي عاملا مهاجرا من أترابه أن يجلب له مذياعا قويا هكذا ،القوة عند أبي شيء ضروري فالدواب التي يملكها قوية وفحول المعز و الأغنام قوية ولابد للمذياع أن يكون قويا فجاءه بمذياع قوي جعله يشتري بطاريات كثيرة وباستمرار حتى مل ذلك ولكنه لم ييأس فقد كان المذياع رفيق طريقه يحمله حيث يشاء .
في مذياع أبي سمعت فيروز فسقتني الحياة  سائغة ،فعبدت صوتها . وسمعت مدائح سيد الأسياد فانحزت ضده إلى حين مماته فبكيت   ولم العن مذياع أبي .. لقد مات في زمن صار فيه البكاء على زوج أمي الأول هو التعزية السياسية الوحيدة الجديرة بالاحترام ...
   يترك أبي المذياع مفتوحا فينام بسهولة افتقدها في شيخوخته رغم كثرة الآلات حوله، لكن أمي تغتاض فتغلقه فيستيقظ  أبي لأنه أفتقد الصوت ونسمع نحن الخصام في نومنا الدافئ ونسكت. قريبا سيسكتان ويستمر المذياع كان استسلام أمي هو القاعدة، في لحظة ما من الفجر لعلها آخره يرفع أبي صوت المذياع فتستيقظ  أمي و أخواتي ويبدأن النهار، ساعتها أبدا في لعن المذياع ، اسمع بقايا السورة القرآنية اقرب إلى النوم مني إلى اليقظة    ثم يبدأ مديح ديني لا يدوم طويلا عرفت منه وحفظت صوت علي البراق والذي سيصير صوته هو القراءة الرسمية في زمن انتهي فيه الحديث عن الأمة التونسية لتبدأ صناعتها من أصوات ليس أبشعها صوت علي البراق ،ثمة دفء حنون يتراكم في تلك اللحظة ونوم لذيذ جدا يزيد من الشد إلى الفراش الدافئ بودّي في تلك اللحظة أن أقوم وان اخذ المذياع وان ارميه في هوة سحيقة لا قرار لها و أعود إلى النوم الدافئ تحت الغطاء السميك،أتذكر الآن تلك الصباحات المرعبة و مدائح لا افهم منها إلا اسم النبي الذي لم اربط حتى ذلك الحين بين نطق اسمه وبين واجب الصلاة عليه، ثم يأتي بوراوي يغني يا سيد الأسياد يا حبيبي بورقيبة الغالي يا محرر البلاد محال ننسى فضلك من بالي. ثم تبدأ مدائح يخيل إلي إنها لا تنتهي أبدا...يكون النوم قد بدأ ينقشع بفعل اليأس من سكوت المذياع ويكون التوتر قد زاد عن حده حتى صار غضبا و أبدا في سب النبي الجديد   الذي حرر البلاد هناك في ذلك الزمن الطفل الذي لم اعرف فيه القرية المجاورة لقريتنا ولم أعرف فيه أكثر من أسماء قطيع المعز الذي أرعاه. كرهت الزعيم لقد كان يطرد النوم من عيني وكنت على حق إذ كرهته لأنه حرمني طمأنينة نوم الطفل ولما فتحت عيني بغير مذياع أبي وجدت أن الزعيم قد أغلق الدنيا في وجهي إلى الأبد لولا إني ذهبت إلى المدرسة التي بناها أهلي بمال جمعوه من قوت يومهم وتلك قصة أخرى ... سيكون لها مكان ...
بي حنين فياض يثير الدموع في الصدر إلى مذياع أبي الذي اسمعني فيروز في صباحات بدوية لطيفة رغم برد الريح الغربية التي تهب على باديتنا .
 تنتهي مدائح سيد الأسياد ، تعزف موسيقى عسكرية تقرا نشرة أخبار عما فعل الزعيم بالأمس ، اسمع أسماء المناطق و أسماء الأشخاص لا أحفظ منها إلا القليل مازال بعض النوم يخايلني بدأت رائحة دخان الحطب الأخضر تصلني تحت الغطاء غلب اليأس من الاحتفاظ بدفء النوم الأمل في المكوث في الفراش الدافئ ، أسماء بلدان بعيدة منها فلسطين ومصر والعراق ولا ادري إن كانت هذه الأسماء قد تخلدت في ذهني منذ ذلك التاريخ أم أنها ثمرة إذاعات أخرى سمعتها لاحقا ، اختلطت المصادر من لي بمن يفرزها الآن وقد بدأت فراغات الذاكرة تحل كعلامة مبكرة على شيخوخة تأتى قبل وقتها ،يدخل صوت نسائي لطيف جدا يقرأ حديث اليوم الذي كتبه محمد الذي نسيت لقبه ثم موسيقي قصيرة وتدخل فيروز ... اجلس في فراشي انظر حولي إناء الماء الساخن معد لغسل الوجه والأطراف ورائحة خبز تنضج في مكان غير بعيد وثغاء حيوانات قريبة مني معزاة ولدت البارحة أدخلت الخيمة لكي لا يموت جديها الوليد بردا ، رائحة إناء مليء بحليب ساخن كان أخي قد قفز قبلي من الفراش المشترك وكنت جذبت الغطاء في مكانه الشاغر واجتنبت البرد الذي حل محله ، أراه يتناول الخبز الساخن والحليب برائحة ضرع المعزاة ثم يرمي محفظة القماش خلف ظهره ويسرع للمدرسة. بعيدة كانت وعليه أن يسرع ثلاثة آلاف متر أو خمسة آلاف خطوة من خطانا الصغيرة حسبها أخي قبلي وحسبتها في زمن لاحق وقد اتخذت نفس الطريق محمد وخليفة وعلي ومحمد الآخر ينتظرونه في الطريق يعاكسون كلبة الحراسة ، لقد خرجوا قبله من خيامهم التي تبعد أكثر من ستة آلاف متر عن المدرسة يجرون كالرجال الصغار لإدراك المستقبل الذي يسرع هاربا .
 تدخل فيروز.. 
." شتي يا دنيي تايزيد موسمنا ويحلا **وتدفق مي وزرع جديد بحقلتنا يعلى
خليلي عينك عالدار عسياج الىكلو زرار **------------
يحلي عيد يضوي عيد ونقطف ونلم عناقيد ** وانطرني لا تبقى تفل وتتركني وحدي عامطل ....
وانطرني بحقول الريح ***
خبيني بفية عينيك جرحني حبك تجريح قول وزيد وغني وعيد ونزرع ها الأرض مواعيد ....
ثم تزيد من عندها ... هيهات يا بو الزلف عيني يا موليا ... ثم تزيد وتزيد ..
 
  تدخل بقوة صاخبة كأنها أول سيل على هضبة عالية ثم ينحدر الصوت كأنه ماء على سهل بسيط ثم يرتفع كأنه هزيم رعد من سحاب قريب ، تغطي الموسيقي على الصوت قليلا ثم يخرج الصوت من وراء الموسيقي كأنه ريح من فجاج زيتون قديم ثم يعتلي الجوقة التي لا أراها ثم يتلاشى في مكان ما من بدني فأقوم سعيدا كأن لم اسمع مدائح سيد الأسياد و كأن لم أسمع غيرها صوت في داخلي يتردد يعلو مع صوتها ينزل مع نزوله ، لم أكن أفرز أسماء الآلات بعد لكنها كانت متناغمة في أذني،كيف يمكن أن تفعل ذلك لم أكن رأيت   صورا للآلات بعد. صوت فيروز و أصوات الآلات كموج في نهر صغير من الماء الصافي ترى الموجة وتتابع حركتها تراها تعلو على أختها ثم تنخفض لها لم أكن رأيت أجمل من منظر الماء الجاري في ساقية معشوشبة صاف رقراق ولم أكن سمعت ألذ من صوت فيروز في الصباح الندي في بادية تجلس أمام الله عارية إلا من فطرتها الأولى وكنت على الفطرة الأولى في بادية لم تتسخ بما عفر وجهي كهلا مشرفا على شيخوخة مسرعة ...اسمع إذا تصالحت مع نفسي...
القمر بيضوي ع الناس والناس بيتقاتلو..عمزراع الأرض الناس عحجار بيتقتلو ...
 (...) انتعل بلغتي الصغيرة   أنسى غالبا غسل وجهي بماء برد بعد إن اغتسل منه أخي أقف حول المراح أساعد أختي على تجميع قطيع النعاج وربطه في ربق متقابل تجلس أختي خلف النعاج وتوسع بين ساقي كل نعجة بقدميها حيث تضع الجرة "الخماري " و تبدأ في الحلب وأقف في مقابلها اضرب رأس  كل نعجة تتمرد على الحلب بعصا صغيرة فتكف النعجة عن الحركة حتى تحلب ، تنهي أختي حلب النعاج وتفك معي ربقها تنطلق النعاج ثاغية ، إطلاقها إشارة إلى قرب إطلاق الخرفان المحجوزة عنها تجتمع الأمهات بأولادها وكم بودي أن اسميها بجمع العاقل المدرك لولا إني أخاف على لغتي من فساد المتفقهين وهذا كلام الكهل المنتسب، تدب الحركة في المراح القطيع يطلب المرعى أسرحه ، اذهب خلفه أنسى أن افطر بما يتيسر تلاحقني أختي تضع لي في مخلاة صغيرة كسرة وحليبا أو تمرا اصفر ذهبيا  أما الماء ففي مسيله من أثر السيول وحوله أثار الثعالب وابن آوى ، أتابع قطيعي الصغير لم أسأل أحدا شيئا لو إنهم فقط أعطوني مذياعا يغني فيروز كل يوم وكل ساعة على كل ربوة من ربى المكان الذي شهد الطفولة الفطرية الأولى لو إني امسك فيروز بين يدي. كانت أسئلتي بسيطة ...ترى هل هي مثل أمي أم مثل أختي أم هي مختلفة؟ كيف يكون وجهها وكيف يكون عنقها الذي يخرج منه ذلك الصوت الذي كأنه الماء في البلورة رسمت لها صورا من خيالي لم أكن وصلت مرحلة تخيل أجساد النساء سيكون ذلك لاحقا،لم تكن في القرية نساء جميلات  يثرن التخيل كانت في خيالي الطفل  امرأة طويلة ولها شعر اسود طويل لم أكن رأيت غير الشعر الأسود ولها عينان سوداوان ولها أهداب طويلة هي أجمل ما رأيت و أنا لا أزال طفلا لا يفقه في الجمال ولم يفتنّي شيء أكثر من فتنة العيون السوداء ذات الأهداب الطويلة. عينا أمي وأهدابها قبل أن يدب الوهن في مقلتيها ...كانت جدتي إذا سبتها تقول لها "يا أم العيون" وكان أبي وعلى عهدة أمي قد وقع لعينيها ... في زمن سبق حضوري إلى المكان    لقد رأيت صورة فيروز بعد أكثر من عشر سنوات من سماع مذياع أبي وكانت على غلاف شريط صوتي مجلوب من ليبيا وكنت قد ذهبت إلى المدرسة وتهجيت اسمها، ولم يكن خيالي بعيدا عن صورتها إلا أنها شقراء في الصورة كانت عيناها مرعبتين من العظمة ولم استطع تقبيل الصورة خجلت كأنما كانت أمي تراني في زمن لاحق رايتها تركض في بنت الحارس وتنكشف ركبتها فأغضيت .لم ينقص ذلك من حبي لها قطرة واحدة أبدا ولا احتفظ لها الآن بصور شقراء.
 أيتها السيدة الإلهية لو أن لي أن اطلب الآن لطلبت أن اقبل رأسك و لطلبت أن أعود طفلا اسمع صوتك في مذياع أبي في مكان قفر لا يضايق صوتك فيه حتى تهجد الملائكة كان صوتك ولا يزال يصنع فصولي الداخلية ابرد في عز الصيف إذا غنيت المطر والثلوج على جبل الشيخ وأزهر في الشتاء إذا غنيت نيسان واخلع قميصي في ديسمبر إذا غنيت بحر بيروت ... لقد أنقذني صوتك من الانحراف ولك علي أن أقص   ذلك على ولدي ذات فقرة من هذه السيرة أو في غيرها  حيث لا يخجلني أن افضح  ضعفي إلى صوتك وهو يملأ المكان الصغير الذي انزويت فيه لأسمعك بعيدا عن ضجة الشارع المغرم بالمسوخ من المغنين الذين يغيرون قشرة وجوهم كما يغيرون جواربهم.... في مكان صغير في زاوية لا يراها إلا الله لأنه يرى كل شيء ... يدخل صوتك في المكان يفتح شقوقا في الجبس المتيبس على قلبي بعد يوم من العمل الممل تبدئين بهدوء كأنك لا ترغبين ثم تتسللين إلى ما حولي تحوزين المساحة الفاصلة بين قلبي وقلبي. تجلسين رغم انك تغنين واقفة أبدا ... أراك تضعين ساقا فوق أخرى أرى فستانك الأزرق بلون الموج في بحر بسيط يتدلى حتى يحجب الأرض من حولك ثمة شجر شوكي حول فستانك يرفض الشوك أن يطال حرير الفستان ترفعين عقيرتك بالغناء تبدو لي كلمة عقيرة هنا غليظة جدا كأنها حجرة غير ملساء ينطبق اللفظ على نصري شمس الدين أن له عقيرة فحل له أن يرفع صوته قريبا منك في ركح آخر في ليلة أخرى. في هذه الليلة جئتني وحدك نفضت منديلا ازرق بلون السماء بين يديك لماذا تملئين جنباتك بالسماء الصافية أم انك صفيت السماء حولي قبل أن تجلسي على تلك الربوة الصغيرة قلبي مريح أم أوسع المكان "يا مايلة عل الغصن ميلي قلبي يا حورية ..." ثم تنتفضين وأقف في وحدتي خجلا أن لا أكون في قمة الغضب... دقة قدمكم على الأرض هدارة انتو الأحبة والكن الصدارة ...  ثم انكسر مع المقام ... بروحي تلك الأرض ما أحسن المصطاف والمتربعا...واذكر أيام الحمى ثم انثني على كبدي من خشية أن تصدعا ... وليست عشيات الحمى برواجع إليك ولكن خلي عينيك تدمعا ... كأنا خلقنا للنوى وكأنما حرام على الأيام أن نتجمعا...ثم تقتضبين و اقتضب ...
"قد وفى بموعده حين خانت البشر قد أتاك يعتذر لا تسأله ما الخبر كلما أطلت له في الحديث يختصر في عيونه خفر ليس يكذب النظر ..."
 تنتهي خمري  انتشي ...تذهبين أقبل صورتك في المكان... الآن يمكني أن أنام، خفيفا بك. بكل ذاك الجمال كيف لي أن احتمله وحدي غدا سأقوم بصحة جيدة وسيكون لدي قدرة على تدبر لحظات جميلة اضحك خلالها في وجوه الناس حتى لو كانوا شياطين ..."يا غصن نقا مكللا بالذهب أفديك من الردى بأمي وأبي ... "
 
ليت يطاوعني ميزان الكلام لأمجد اسمك في فطرة الخلق الأولى حيث عرفت ربي وعرفت صوتك ورأيت الأشياء في بساطتها الأولى، لأمجد صوتك في كل يوم سمعته فهداني إلى الإيمان بان الدنيا بخير اتبعت عقيدتي ثم كبرت فعرفت ثم تعذبت فلم أيأس مما اعتقدت ولا أزال اعتقد أن اليوم الذي اسمع فيه صوتك في الصباح يكون يوما سعيدا حتى لو أنهيته في السجن وما أكثر سجوني لولا صوتك الذي يفعل بي فعل الماء بالنبتة في الصحراء وما كان أجمل مذياع أبي يا سيدة الأسياد .
****************************************************
" مدخل رواية"
 تفاصيل صغيرة
 رواية تحت الطبع
 لنور الدين العلوي : روائي من تونس

...يتلاشى كل شيء مسرعا كماء شحيح على معدن ساخن ،و يفقد معناه بلا رحمة . جفاف في الحلق وعلى الشفتين،يطوف اللسان مرطبا ويعود خائبا إلى مكمنه القديم ، يسيطر طعم شيء أكلت منه مرات كثيرة وضيعت تفاصليه لكن طعمه قريب من الذاكرة التي اعتادت ان تستحضر ما تشتهي، تتفشى روائح  غير حبيبة   فيها بقايا عطر بهت وعرق ترسّب ووقود سيارات احترق ورائحة قيء قديم أو غلال متعفنة تغم كل شيء، أصوات مختلطة كأنها نداءات تجارية على سلع لا ترى، يعلوها صراخ  غاضب متوتر يتشهى العراك، و مزامير بعيدة تقترب ثم أخرى قريبة تبتعد صفارة حادة ومزعجة تخترق الطبلتين صفارة شرطة وصراخ «قوم يا  سيّد يا  مسّخ يا... » ثم هزّ عنيف  لكرسي ثابت في موضع لا تتبينه.

تفتح عينيك بصعوبة بالغة وتفركهما وتنظر فترى ملا بسك القذرة  ولوحة قيادة السيارة المتسخة كلها  بقيء كثير لم يجف بعد، لون أشهب فيه  بقع حمراء ورمادية. تستوي جالسا تنظر حولك. عون الشرطة يوقظك بالصفارة وآخرون يهزون السيارة هزا وينظرون إليك من عل. تتبين الملامح بصعوبة تبدو غريبة ومعادية تفرك عينيك تدير لسانك في فمك الجاف تبحث عن لعاب في فم متشقق ، «أين أنا؟ولم أنا هنا؟ » تسمع أجوبة كثيرة لا تتبين منها الا انك بت في الطريق سكرانا وانك تسدّ على الناس أبواب رزقهم وأن عليك إبعاد سيارتك لتمر العباد لأشغالها الكثيرة.. ونزلت فرأيت سيارتك تسد الطريق  نحو مدخل السوق العربي لقد قضيت الليل في موقف السيارات في الخربة.أما كيف وصلت إلى هناك فعليك إجهاد ذاكرتك لتجمع ما تبقى من مشاهد.

 

 في المسافة الفاصلة بين الخربة وبيتك قل بين الخربتين ،تذكرت تفاصيل كثيرة متناهية الصغر دفعت بك إلى هناك سكرانا أعمى لا تعرف أن تعود من حيث أتيت لكنك صرفتها إلى حين واستخلصت. «أنت الآن هنا أبعد ما تكون عن أحلامك الأولى إما لأنك تعلمت و نضجت بما فيه كفاية من الإدراك أو أنك فقدت الأمل بما فيه كفاية من الإحباط وعليك تبين مواقع قدميك لتعرف مدلجك في مهيع بلا علامات الا وعيك بالمكان وأهله، فانظر تر ...كان لك أمل وفقدته وكان لك طموح لم يتحقق وليس عليك أن تنشر اليأس حولك  فقد نال الجميع قسطهم من المرحلة ودخلوا الألفية الجديدة تائهين .لكن يمكنك أن تقول أمام مرآتك الصارخة بالوضوح .سقط القناع أنا عار تماما من طفولتي ومن حلمي الصغير ومن بلادي ومن  أبي وقد «ذهب الذين أحبهم ذهبوا وبقيت مثل السيف فردا» ».

المرآة صامتة فهي قطعة من البلور الصقيل والماء محايد يأخذ الأوساخ في طريقه ويظل ماء والدوار في رأسك سيدوم فاعتده تعش به ولن يقتلك  .

حاول أن تنام .

 ونام الفتى صدقي عبد الجليل حتى ساعة متأخرة من اليوم الأول من الألفية الثالثة من ميلاد المسيح. أغلق عليه باب غرفته واحكم إغلاقه، نزع كعادته ملابسه كلها ونام ، غلب النوم قرصات الجوع المتتالية وغلب الصداع الذي يعقب الخمر  .

ربما تكون قد مرت به كوابيس  وربما تكون قد راودته أحلام لكنه لا يذكرها فقد أفاق قبيل المغرب أشعث  الشعر محمر العينين  ومنتفخ الوجنتين كأنما خاض معركة. لم يعترض طريقه احد حتى استحم لم يغن في الحمام كعادته. ظل صامتا. كان يتوقع أن هناك من يجتنب لقاءه. ثم لبس ما تيسر مما يمكن أن يحميه من برد جانفي الأول في الألفية الجديدة، حتى تلك اللحظة لم يكن لديه خطة للساعة القادمة .لا يملك أن يضع خطة لحركة أو لفعل مهما كانت وجهته .سقوط جواز سفره من جيب المعطف الذي اختاره  حدد وجهته. انحنى على الجواز رفعه لم يمسه منذ آخر سفرة .  قلب صفحاته وقع على تاريخ الصلاحية . قال «جيد جدا مازال لدي الوقت لأقرر ما اريد » .

 

من أسفل الخزانة جذب حقيبة ظهر صغيرة ورماها على السرير خلفه وحشر فيها ملابس داخلية ومنشفة ورمى فوقها «تاريخ مدينة تونس» «لجاك بارك» وأغلقها جيدا .ثم ضم حاسوبه الصغير في حقيبته .كل شيء في الحاسوب .صوره وأطروحته ورسائله إلى فاتحة وكل الوثائق التي يمكن أن يحتاجها في أي مكان من العالم .وتدرج نحو مرسمه من الباب السري ألقى نظرة على ما هناك  أحس حزنا بالغا قال للوحاته وأدواته بحنان فياض، ««لا أدري متى أعود وهل سأعود ولكن لا تتحركوا». لم ينتظر اللوحات أن ترد...ساق سيارته إلى  المطار. قال بصوت عال وهو يطلق لسيارته العنان   «ماذا فعلنا بما نوينا لقد انتهينا حيث سطر لنا  ولن نجد من قدرنا فكاكا غير أن القدر هنا لا يسطره الله بل يسطره المقاولون و لك الحق كل الحق يا أستاذ سرحان يحتاج هذا البلد أن يصنع من جديد » .

 

في مبتدأ الأشياء والأحداث كان الأمل، وكان الله الذي يبث الأمل في الأشياء  والأحداث والقلوب العامرة بإيمان لا يسطّر في الكتب السماوية وحدها ولا يتطابق دائما مع المصاحف والحديث .ثم كانت التفاصيل الصغيرة التي يصنعها المقاولون الصغار في بلد صغير في عصر أقصر قامة من طحلب بحري ينمو قرب مصب نفايات .

 

 ردد بصوت عال لم يسمعه غيره وقد غطاه دوي السيارة أكثر .« في الأرض منأى  للكريم عن الأذى وفيها لمن رام القلى متعزّل » ثم ترحّم بصمت عال على الشنفرى وعلى الأستاذ سرحان . كانت السيارة تسير بسرعة، تنهد بعمق ، لقد كان حزينا كلحد لن يستعمل مرتين .

أين يذهب في هذا الليل الحالك؟لم يقل ولكنه سمع نفسه « لن أخرج من هذه الأرض ».

*****

في مبتدأ الأشياء والأحداث كان الأمل وكان الله الذي يبث الأمل في الأشياء  هكذا تعلم منذ الصغر ولم يسأل عن التفاصيل كان كل شيء معدا بعناية ويسر، فتح عينيه في النعماء وكان لا يسأل بل يأخذ ولا يعارض  فلا يشقى بالسؤال عن مصدر النعماء .

كان الفتى صدقي المدلل يطعم العسل في فطور الصباح و لا يتناول الأكل من صحن جماعي يسمى قصعة وينام عاريا لكثرة ما لديه من الأغطية. صدقي عبد الجليل ابن الحي الراقي الذي تمر منه البلدية كل يوم فتداوي حشراته وتجمع مزابله القليلة وينتشر فيه الأمن فلا تسمع فيه مواء القطط إذ اختصمت حول سمك المزابل .قيل له أن الله يعطي ما يشاء لمن يشاء فصدق أو لم يدقق ما دام وجد نفسه فيمن شاء الله أن يتمتع .

قيل له أن الله راض عنه فلم يسأل ولم يمكن أن يغضب .

كانت هذه التفاصيل بعيدة عما يمكن أن توجس به إليه نفسه ولعلها كانت تفاصيل صغيرة في حياة لم تدر  حدود الممكن لأنها كلما طلبت وجدت ما تريد. كانت حياة بلا تفاصيل صغيرة مملة. حتى التقى  فاتحة، ليكن أكثر دقة حتى التقى الأستاذ سرحان  ثم التقى فاتحة .

 

 أرسل ماء على بلور السيارة الأمامي وحرك الماسحتين بالسرعة الأقصى، غسل البلور. المشهد أمامه الآن أوضح. ليت للذاكرة ماسحتها  ليجلي عنها غبارا وقذرات كثيرة تراكمت في الزمن القصير الذي يسميه حياته الماضية حتى في الزمن الذي كان فيه يعتقد انه بمنأى عن القذارة والمزابل .

 

 
 .
 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."