محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مرثية صديق مرّ بسرعة فلم نكمل حديثا بدأناه
نبت الأرض الشرود
(رسالة في وداع صديق)
نور الدين العلوي
(أهداني المرحوم الناصر بالطيب نسخة من روايته الشاردة عشية الأحد الحادي عشر من مارس فقرأتها في ليلتها وتواعدنا على لقاء للحديث صباح الثلاثاء، لكنه انشغل بما أجل الموعد حتى جاءني نعيه صباح الخميس، الخامس عشر من مارس2007).
يا مرساة الأرض التي لا تميد
يا بوصلة الشرق التي لا تحيد
يا غرس الأرض الشديد.
يا صديقي البعيد
اذهب فقد تركت في الأرض أثرا لا يبيد.
ولكني...من مرارة في حلقي.
لن أقف على قبرك في السفر الأخير، فقد شردت بلا داع وكنا نعد لقهوة مرة وشاي طري وضحكات طفلة.ولم تكن نهاية الطريق في الطريق. لكنك شردت. فكيف لا يسوؤني منك مثل هذا الهروب وقد أفسد فرحتي بما سرني منك من خبر الشاردة وقد أناخت بورق أبيض بعد طول ترحال. فهل كلفت نفسك أن تركض بي خيلا جموحا من الفرح والألم والأسى.
قلت ليلة الخبر الأول وقد سهرت مع الشاردة، قلم أصيل يسقي بقلم من ندى روحه شجر القول في بلاد تحلم بالسحب. لكن الخبر الثاني قلع من منابت الروح الشجر الذي غرسناه معا وسقيناه بالأمل و الإيمان بالوطن والناس الذين لا يرضون من القول إلا ما سما. هكذا قررت وحدك دون الرجوع إلى الأصدقاء. كان لنا موعد للاحتفاء بالخبر الأول، وكنا سنتحاسب عن أخطاء الطباعة وبعض الجمل القصيرة التي كان يمكن أن، وكنا سنختلف ونتفق على أن قولك كان صوابا وأنه كان يمكن أن. ولكنك شردت إلى منبتك البعيد كأنما عطشت إلى منبع وكأن ماء الشمال أجاج. كان لك عندي ماء كثير و قول يبث الروح في يابس الشجر وكان لنا موعد من محبة وفرح قلت لك الشاردة عادت إلى برها الغالي قلت لي وكيف لها أن تغيب أكثر كأنما كانت على موعد مع موعدك. عدتما معا وأفسدت علي الفرحتين: لقاءك والشاردة بين يديك نصا كاملا كما أردته وصورته لنا في مجالس الشاي التي سبقته.
لم تأت لنتحدث. كان مكاني المستعار يشعرك بالانقلاع من منبتك وكنت تقرعني كيف قبلت البعد عن منبت خشبك الأسمر. وكنت أتحجج بالقرب من الماء لكي أخرج من وضع «الهطاي» الأبدي لكنك كنت تقول لقد انبت عودك فكيف تعود؟. وكنت انظر الي الأفق لكي لا تلتقي الأعين الأربعة وكنت ترحمني بالحديث الجانبي والشاي الخفيف.
ووجدت في الشاردة عودتي. أحدهم عاد. سيظل الوطن عامرا فليس مثل عودة الابنة الشاردة. لكنها أخذتك معها كأنما كلفتها أن تعود بك. من كان منكما الشارد ليحمل صاحبه إلى المقر الأخير؟
أيها الشارد لن أقبل فيك العزاء فقد غدرتني بالذهاب.وكان لك عندي ماء كثير. وقول غزير دافق كورد بلا مزهرية.
كان في قولي لك ما كنت ترى من خيل تركض في الأفق الممتد بين عينين عربيتين موطنك هناك وأرض خطها الريح أو المحراث العنيد الذي لا يهاجر. ذلك الحاجب وتلك العين التي تمسح الأفق . امرأة من الوطن امرأة هي الوطن. إني متفق معك إلى حد الصمت إذا نطقت. نحن واحد بلسانين ولنا إخوة يقاسموننا القول ولا يساهمون في الثرثرة إذا قال أحدنا صادق الآخرون واقتصدنا من الورق فالورق مقدس عند أمة كانت تقرا فصارت تتفرج.
كان لك قبل استعادة الشاردة إلى موطنكما جهد في رتق فتوق التراث الذي يتلاشى. بحثت في العلامات الدالة على المكان من قول و نبت أرض وأبل شاردة وواردة . وها اعتذر إليك في هذا الموضع لأني تكاسلت عن موافاتك بمرجع قديم عن سيماء الإبل الصحراوية، كنت عثرت عليه في مرجع استعماري و لم أوافيك به. سأفعل للطبعة الثانية فعملك في التراث بدأ و لن ينتهي كشأن كل عمل عظيم يحتاج إلى تكملة.
لماذا كنت مشغولا بالتراث؟ هل كنت تفكر في معركة الهويات؟
هل كنت تخاف على مراتع الإبل أن يغزوها التجار الصغار الذين يتعيشون من سقط المتاع التيواني بعد الجهاد من أجل صناعة وطنية ظهرت ملامحها في حلوان الناصرية وفي الحجار الجزائري ولكن سرعان ما تلاشت كقبض ريح. هل كنت تحس خطر التحلل القادم من الروتانا وأخواتها وهي تضع العمائم على الأفخاذ؟.
ذلك الوطن الذي شرد الأولين ولو يؤو الآخرين يحتاج في معركة الهوية أن يفهم الأنفال ولا يعدل قرآنه على نفط كوندليسا. يا صديقي الذي ذهب مخلصا للتراب وأهله. الجبن الكبير الذي يكبلنا في الزوايا لا يمنعنا من رؤية معركة تتجمع نذرها كعاصفة صحراوية ستطمس الأولين و تشرد الباقين ولن يشفع لهم «دق الحنك» في محبة الوطن. ولن يجدي فيها التسلح بالقول النضيد. الذي لم ولن يفل في الحديد. لكنك بما كتبت شهيد، فقد تركت لمستهد يريد،علامات من الرأي السديد. وليس عليك هداهم إذا وردوا البئر المعطلة والقصر المشيد. فتلك علامة على الروح البليد.
الوطن الذي يسكننا ويشردنا فنرحل به إلى أقاصي الأرض ونعود مشدودين إليه بحبل سري. هكذا سافر الفلاقة القدامى إلى الشرق فحاربوا الفاشي من أجل أرض هي لهم بالفطرة لا بالحدود الورقية آخرون منهم أكملوا المهمة في الجزائر البيضاء وآخرون لم يستقر لهم قرار لذلك نحتسبهم في العراق وفي غزة و قد يبالغ البعض فيظهر في قندهار أو في مقديشو فهناك مستعمر يشرد الناس عن مواطن أرواحهم الأولى.
لكن الجميع يعود بعد شرود، كما عادت الشاردة وكما عدت وأنت الذي لم تغادر إلا بجسدك النحيل. وكنت تذكرنا بالعودة كل عشية وكل كاس شاي وكنت تشرب الشاي كثيرا لذلك كنا نتذكر في حضرتك الوطن ونقول سنعود وننظر إلى الجهات البعيدة لكي لا تلتقي الأعين ما زال لنا من شرودنا غاية لم ننلها فالوطن هناك فقير ويفقر كل يوم ونحن نزعم أنا لا نريد أن نموت صغارا ولكن كيف تكبر اللحمة خارج عظمها؟ ذلك شرودنا الذي لا شفاء له إلا بمثل عودتك الظافرة والشاردة مستقرة في الحقيبة. إنني أسأل بعد عودتك الأخيرة « هل يأتي علي يوم أشرد فيه مثل شرود الشاردة فأعود إلى أمي قبل أن... فالوطن بعد الأحبة لم يعد إلى نفسه أو هو يشرد إلى جيوب بعيدة».
إني بعدك أطرح السؤال لماذا نموت ؟ لأني لا أفهم الآن لماذا نعيش ؟
يا صديقي العنيد، أيها المثقف العضوي، الذي أشار دوما إلى ما ينبغي أن يكون، سافر ولا تلفتت فالأرض تدور و لا تلفتت للوراء والنبت يطاوع الريح ولا يلتفت. و قد تشرد الأرض أبناءها الطامحين لكنها لا تغلق صدرها للعائدين فسافر لعل أن نلتقي تحت سدرة الزاس أو تحت سدرة المنتهى. لقد قلنا من ضيق حل بعد سفرك الفاجع« لعل في ذهابك نعمة يا صديق». لكننا نستغفر الله إليك و ننظر الآن حيث نظرت و نضع قولنا في أثر قولك لعل غريبا إلى أرضه الشاردة يهتدي.
و ها أكتب إليك من غربتي حيث تركتني في بلاد «الشلبة» ازعم محبة الوطن و إكرام الأحبة. لكني انتهي في خلوتي إليك والى نظرة الشاردة المشرئبة « انتصر بك المكان على نفسه فتتطيب بريحك التي لا تموت».
تونس 20 مارس 2008
نور الدين العلوي
|