زارني صاحبي وصديق دربي- ذات يوم – فوجدني مهموما فشكوتُ له الأصحاب و الخلاّن فَتَبَسَّمَ ضاحكا– كعادته – و أخبرني بِأنّ الْمُسِيءَ سَتَكْفِيهِ مَسَاوِئُهُ ،و قَصَّ عَلَيَّ قصَّة فَرَّجَتْ عَنِّي كُرْبَتِي و أزالَتْ وَحْشَتِي .
قال صاحبي :
" يُحْكَى أنّ رَجُلا كان يجالس أحد الملوك ويذكر عبارة معيَّنة يُسَرُّ بِهَا الملك :
أَحْسِنْ إلى الْمُحْسِنِ بِإحْسَانِهِ ، وَ الْمُسِيءُ سَتَكْفِيهِ مَسَاوِئُهُ
فحسَدَه رجل على ذلك المقام و الكلام ، فسعى به إلى الملك .
ناصح الملك :إنّ هذا الذي يقول ما يقول يزعم أنّ الملك أبخر.
الملك: و كيف يصحّ ذلك عندي؟
ناصح الملك: تدعو به إليك فإذا دنا منك وضع يده على أنْفِهِ لئلاّ يشمّ رائحة البخر.
الملك : انصرف حتّى أنظر. فخرج من عند الملك فدعا الرّجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه - ثوم كثير- فخرج الرّجل من عنده و جلس قرب الملك و ذكر العبارة ليطربَ بها الملك كعادته .
الرّجل : أَحْسِنْ إلى الْمُحْسِنِ بِإحْسَانِهِ ، وَ الْمُسِيءُ سَتَكْفِيهِ مَسَاوِئُهُ
الملك : اُدْنُ منّي ، فَدَنَا منه فوضع يده على فيه ،مخافة أن يشُمَّ الملك منه رائحة الثّوْم .
الملك: ( يُحَدّثُ نَفسَهُ ) ما أرى فلانا – ناصح الملك- إلاَّ وقد صدق.
و كان الملك لا يكتب بِخَطِّهِ إلاَّ جائزة أو صلة ، فكتب له كتابا بخطِّهِ إلى وال من وُلاَّتِهِ : إذا أتاك حاملُ كتابي هذا فاذبحه و اسلخه واحْشُ جلدَهُ تِبْنا وابعث به إِلَيَّ .
فأخذ الرّجل الكتاب و خرج فلقيه ناصح الملك الّذي سعى به
ناصح الملك: ما هذا الكتاب ؟
الرّجل : خَطَّ الملكُ لي بِصِلَة.
ناصح الملك :هَبْهُ لي .
الرّجل: هو لك. فأخذه و مضى إلى الوالي.
الوالي: في كتابك أن أذبحك و أسلخك .
ناصح الملك : إنّ الكتاب ليس هو لي ،الله ،الله في أمري حتّى أرجع إلى الملك.
الوالي: ليس لكتاب الملك مراجعة . فذبحه و سلخه وحشا جلده تِبْنًا و بعث به إلى الملك.
وقبل أن يصل البريد دخل الرّجل إلى الملك كعادته و قال مثل قوله، فَعَجِبَ الملك .
الملك: ما فعل الكتاب؟
الرّجل: لقيني فلان فَاسْتَوْهَبَنِي إيَّاه فوَهَبْتُهُ له .
الملك:إنّه ذكر لي أنّك تزعم أَنِّي أبخر .
الرّجل: ما فعلتُ .
الملك : فَلِمَ وضعتَ يدك على فيكَ؟
الرّجل: كان أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهتُ أن تَشُمَّهُ .
الملك: صَدَقْتَ ، ارجع إلى مكانك فقد كفاك الْمُسِيءَ مساوِئُهُ."