محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الصدق في الصداقة
قد يكون العنوان غريبا بالنسبة للبعض و يقولون: و هل يوجد كذب في الصداقة؟ ..و الجواب نعم ..يوجد كذب في الصداقة و هم أصدقاء المواكب ..و هم منتشرون بكثرة لا تكاد ترى غيرهم فإذا وقعت في مشكلة ما إنفضوا ببساطة من حولك و تركوك قائما إن لم يشمتوا بك الاعداء ..و انا قصدت بهذه الكلمة تنبيه الغافلين عن هذا النوع من الأصدقاء أصحاب الإبتسامة البشوشة المزيفة.
و قديما قال ابو إسحاك الشيرازي:
سألت الناس عن خل وفي ** فقالوا: ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ضفرت بذيل حر ** فإن الحر في الدنيا قليل
و الخل و الخليل بمعنى واحد،وهو من تملكك حبه، فشغل منك القلب و الفؤاد في النجوى و العلانية،و هو الذي عناه بشار بن برد بقوله كما في ديوانه 4:161:
قد تخللت مسك الروح مني ** و لذا سمي الخليل خليلا
فإذا مانطقت كنت خديثي ** و إذا ما سكت كنت الغليلا
إلا ان الناس في زمن الشيرازي كما في كل زمان أيسوه من لقاء (الخل الوفي)،إذ هو عديم الوجود، لا يمكن لقاؤه و لا الوصول إليه، و أرشدوه إلى امكان لقاء من دونه منزلة و رتبة و هو((الحر))، مع ندرة وجوده و عزة لقائه،لذا حض على التمسك بذيله إن وجد،فإنه عزيز الوجود في زمنه: القرن الخامس!
تمسك إن ضفرت بذيل حر .. فإن الحر في الدنيا قليل..في كل زمان
و لعل ((الحر)) الذي عناه أبو إسحاق - وهو إمام الشافعية في عصره ..و كان لا يملك شيء من الدنيا،فبلغ به الفقر مبلغه حتى لم يكن يجد قوتا و لا ملبسا.
وكان إذا بقي مدة لا يأكل شيئا، جاء إلى صديق له باقلاني-أي فوال- فكان يثرد له رغيف -أي يفته- و يثريه -أي يبله و يلينه بماء الباقلاء .فربما أتاه و قد فرغ من بيع البقلاء ..فيقف ابو إسحاق و يقول: تلك إذا كرة خاسرة!ويرجع!- قلت ولعل (الحر) الذي الذي يعنيه ابو إسحاق، هو الذي عناه قبله الشافعي حين سئل عن الحر من هو؟
فقال:من راع ود لحظة ،و انتمى لمن أفاده لفظه.
و خير مثال يمكن أن نختم به موضوع الصدق في الصداقة، الذي فتحناه.. هو ما حكاه عن نفسه عالم المغازي و السير محمد بن عمر الواقدي حيث يقول: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، و كنا كنفس واحدة،فنالتني ضيقة شديدة و حضر العيد !.فقالت لي امرأتي: أما نحن في انفسنا فنصبر على البؤس والشدة، و أما صبياننا فقد قطعوا قلبي رحمة لهم، لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم، و اصلحوا ثيابهم، و هم على هذه الحال من الثياب الرثة! فلو احتلت بشيء نصرفه في كسوتهم!.
فكتبت إلى صديقي الهاشمي اساله التوسعة علي بما حضره، فوجه إلي كيسا مختوما، ذكر أن فيه ألف درهم، فما إستقر قراري حتى كتب إلي الصديق الآخر: يشكو مثل شكواي إلى صاحبي، فوجهت إليه الكيس بحاله،و خرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحييا من إمراتي ثم رجعت، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني و لم تعنفني عليه.
فبينا أنا كذلك، إذ وافاني صديقي الهاشمي و معه الكيس كهيئته، فقال: أصدقني عما فعلته فيما وجهته إليك، فعرفته الخبر على جهته.
فقال: إنك وجهت إلي تسألني العون و ما أملك إلا ما بعثت به إليك ..و كتبت إلى صديقنا أساله المواساة، فوجه إلي كيسي بخاتمي، فقال الواقدي:فتواسينا الالف وقسمناها بيننا أثلاثا، بعد ان أخرجنا للمراة مائة درهم، و نمي الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الأمر، فأمر لنا سبعة آلاف دينار،لكل واحد ألفا دينار،وللمراة ألف دينار.
فهذا مثال اكثر من جيد للصداقة الحقيقية وليست الصداقة التي اشار إليها المتنبئ: ''..و ما ود بلا سبب..''. فلهذا الشاعر فلسفته الخاصة التي اكتسبها من إختباره للحياة ..و للبشر
أحاديث لو صيغت لألهت لحسنها ** عن الوشي أو شمت لأغنت عن المسك
|