لا أزال أذكر يومي الدراسي الأول عندما أخذني أخي الأكبر من يدي إلى مدرسة قريتنا وأنا أرتجف من الخوف ، ورمى بي في الساحة الخلاء ثم ذهب إلى عمله، وقُرع الجرس وأنا لا أدري في أي الطوابير أقف. وتراكض مئات الطلاب، كُلّ يعرف مكانه إلّا أنا وعندما خرج المعلمون لتفقد النظام، وقفت بسرعة في أحد تلك الطوابير وكان صاحب ذلك الطابور طويل القامة يحمل بيده عصا رشيقة من جذوع الرمان المشهورة بالدقة في إلحاق الأذى والألم. نظر إليّ المعلم وقال:”انت بأي صف يا ولد؟”، أجبته واسناني تصطك من الخوف:”الصف الأول” “ما دمت في الصف الأول، واقف هون ليش يا حيوان؟” ولم يمهلني دقيقة للإجابة أو للإتصال بصديق كما هو الحال في من سيربح المليون بل عاجلني بصاروخ جو أرض على وجهي ، وقذيفة جانبية من عصا الرمان جمّدت الدم في عروقي، وسمعته ينادي معلم الصف الأول:”تعال يا عدنان شوف ها النموذج الجديد اللي مش عارف صفّه، الله يعينك عليه”. وجاء عدنان..رجل سمين يتنفس بصعوبة، يحمل هو الآخر عصا ولا أعرف من أية شجرة مأفونة قُطعت. رأيته من خلال دموعي يقترب ويضع يده برفق على رأسي:”تعال يا إبني لا تخاف”. مسحت دموعي وسرت معه وقد زال بعض من خوفي، وأنا أنظر إلى الخلف مخافة أن يهاجمني ذلك المعلم الرهيب صاحب العصا. وبدأ يومنا الدراسي الأول.. تغيب معظم أحداثه عني إلا أنني لا أزال أتذكر أن الاستاذ عدنان كان لطيفاً فقط في اليوم الأول، وكنت سمعت همهمات من بعض الطلاب الكبار في الفسحة يقولون إنه جاء يومها مفتش من الحكومة في زيارة مفاجئة للمدرسة. لو أن هذا المفتش بكّر المجيء بدقائق لرحمني من الصفعة والعصا. جريدة العالم