المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ما حدود التفهّم؟

ما حدود التفهّم؟

الإسلام اليوم

http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=37&catid=188&artid=14471

د. أسامة عثمان     21/10/1429        
20/10/2008


لا يعني التفهّمُ- بالطبع- الرضا بالباطل, أو الإقرار على الخطأ, ولكنه ضروري لاستبقاء الأمل في هداية الناس, وتقويم الانحرافات, كما هو حيوي للتعايش الإنساني المريح. إنه ينبع من إدراك الفروق بين العقول والظروف التي تحيط بكل من يملك خياره, ويوجه مسار حياته.
ينتفي التفهّم عند بعض الناس؛ حتى يصل الـأمر إلى العنصرية ضد الإنسان الذي يخالف في اللون, أو في العرق, أو في العادات الخاصة التي منشؤها البيئة الجغرافية, أو الاجتماعية؛ فيولد ذلك الانغلاق والتعصب الأعمى والعدوانية تجاه المختلف.
وفي نصوص الإسلام ما يدل على طبيعة من طبائعه تتمثل في الإعذار لغير المهتدين, ممن لم تبلغهم الرسالة, أو من يخالفون أحكامه عن جهالة.
ففي حالات الضلال العقدي, أعذر الله- سبحانه- من لم تبلغه رسالة الإسلام على نحو لافت ومبين قال الطبري في تفسير قوله تعالى: (
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [الإسراء:15] يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلاّ بعد الإعذار إليهم بالرسل, وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم... حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ): إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر, أو يأتيه من الله بينة, وليس معذباً أحداً إلاّ بذنبه.

وجعل الله الحجة متوقفة على ذاك التبليغ (رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ). [النساء:165].

وأما في الأحكام الشرعية فلم ينكر الشرع الاختلاف في المسائل الفروعية الظنية, إذا تصدى لها أهل العلم والاجتهاد المؤهلين؛ فقد اتسعت صدور العلماء للآراء والاجتهادات المتعددة. كما لم يسارع الهدي الإسلامي إلى النكير على الواقع في المخالفة قبل التأكد من حدوث تلك المخالفة عن مكلف متعمد وعالم بالحكم الذي خالفه, فقد رفع الإثم عن الطفل حتى يحلم, وعن المجنون حتى يفيق, وعن النائم حتى يستيقظ, كما رُفع عن الناس الخطأ والنسيان, وما استكرهوا عليه.
وليس هذا غريباً؛ فما كان من أهداف الدين يوماً التعنيف, أو التبكيت, إلاّ أن يكون وسيلة لمقصد شرعي, فلم يوبّخ الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، على الرغم من بشاعة الفعل بحد ذاته. حتى إنه- عليه الصلاة والسلام- طلب من الصحابة الكرام أن يتركوه حتى يفرغ, ولا يُزرموه, ثم علمه. وكذلك فعل مع الذي شمَّت العاطس في الصلاة.

أما في المعصية المتعمدة المستوجبة للإثم, فلا عذر للمتورط فيها, ومع ذلك فلا يغلق الباب دون العصاة, مهما تمادَوْا وأسرفوا, وفي أسباب نزول قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ).[الزمر:53] ما يؤكد هذا المعنى فـعن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة, اتّعدتُ أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي, وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة, فقلنا: الموعد أضاة بني غفار, وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه. فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحبس عنا هشام, وإذا هو قد فتن فافتتن, فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله -عز وجل- وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم, ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة, وكانوا هم أيضاً يقولون هذا في أنفسهم, فأنزل الله -عز وجل- في كتابه: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) إلى قوله تعالى: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ). قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت: اللهم فهّمنيها فعرفت أنها نزلت فينا, فرجعت فجلست على بعيري, فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم... وقال علي بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية... القرطبي.

ولنلحظ الفرق بين التعامل البشري والرحمة الإلهية الواسعة؛ فالله -سبحانه- يعلم ما يعتري الإنسان من ضعف وتقلب, وهو -جل ثناؤه- لا يُسلم عباده إلى الشيطان, أو إلى أنفسهم الأمّارة بالسوء, ما دامت قلوبهم تنطوي على قدر من الخير.
وفي تراثنا الوافر من الإشارات, مما يدل على خلق التفهّم الذي يشي برقي فكري وإنساني, ويسمح بالتواصل الفاعل والرحب مع مَن يختلفون عنا, أو معنا. من ذلك الحادثة المنسوبة إلى الشاعر علي بن الجهم مع الخليفة المتوكل بأبياته الشهيرة:

أنت كالكلبِ في حفاظِكَ الودَّ ** وكالتيس في قِراع الخطوبِ
أنت كالدلو، لا عدمناك دلواً ** من كبار الدلا طويل الذَّنوبِ



فقد استهجنت الحاشية تلك المعاني والألفاظ التي جابه بها الشاعرُ الخليفةَ, وهمّوا بسبه والفتك به, لكن المتوكل لم يقرّهم على ذلك, وطلب من الشاعر القادم من البادية الإقامة في بغداد؛ فمكث فترة, ثم قال:

عيونُ المها بين الرصافةِ والجسرِ ** جلبْنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري


والحاصل أن الإنسان كلما زادت في الحياة تجربتُه, وازداد بأحوال البشر الماضين والحاضرين معرفةً ومعاينة كان أقدر على التفهّم والإعذار... فالدنيا وأحوالها متغيرة متحولة, والطباع والأمزجة والأذواق متباينة من إنسان لآخر, ومتغيرة حتى في الإنسان المعين من مرحلة عمرية إلى أخرى, بل من فينة إلى فينة. وهو فوق ذلك خاضع لشرط البيئة في المزاج العام والأنماط المشتركة.
فالتفهّم صفة تسمح باكتمال إنسانيتنا, حين تنفي من محيطها شوائب الأخلاق, ومنغّصات الاجتماع الإنساني. وهي إذ تجعلنا أقدر على الحب والتسامح, فإنها تستبقي فينا القدرة على التواصل الفكري والدعوي؛ نحو الوصول إلى أحسن السبل, وأقربها إلى الحق.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."