المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
المغرب في مواجهة تيارات خارجية .. المقاربة الأمنية لا تكفي

صعدت الحكومة المغربية هذه الأيام من حملتها ضد التيارات والمذاهب والأديان الغريبة عن المجتمع، ورغم أن الدوافع قد تكون سياسية كما هو الشأن في محاربة المد الشيعي، فإن النتائج مريحة وتستلزم المزيد من المجهودات رغم أن أسلوب معالجة هذه القضايا لم يكن مدروسا.

الكيفية التي تعاملت بها إيران مع المغرب في قضية اعتبارها البحرين مقاطعة إيرانية كانت مستفزة، لم ترض بها الحكومة المغربية وجعلها تتعامل مع التشيع ككل بمنطق ردود الأفعال، فبالأمس القريب كانت الأنشطة الإيرانية المشبوهة داخل المغرب تجابه بالصمت من المسؤولين، الذين لم يحركوا ساكنا لإيقاف المد الشيعي رغم صيحات التحذير التي صدرت من بعض العلماء، وطبعا وجدت تلك الأنشطة المستفزة مستقرا لها لدى الكثير من المغاربة الذين يعانون أصلا من جهل بالعقيدة ويتأثرون بالمواقف السياسية الإيرانية " الجريئة " في قضايا الشرق الأوسط .

الكثير من المغاربة يعانون من الفراغ الروحي ووجدوا ضالتهم في الانترنت بكل ما يحتويه من منتديات ومدونات وبرامج محادثة وغيرها، أسهمت بشكل أو بآخر في ملئ ذلك الفراغ، وقد تأكد لدي الأمربشكل كبير في برنامج " البالتلك " حيث تدور مناظرات بين الشيعة والسنة تلمس فيها عدم استعداد بعض الأطراف المتحاورة لمثل هذا النوع من المناظرات، وقد تكون برامج المحادثة في تأثيرها أخطر من المنتديات،خاصة حين ينظر إلى كل من المتحاورين على أنهما الممثلان الرسميان لمذهبيهما، ويفسر كل ارتباك في الحديث أو تشنج أو تضارب وتناقض على أنه ضعف في المذهب وليس ضعفا في شخصية المحاور.

برامج التعليم بالمغرب غير مؤهلة لمواجهة هذا السيل الجارف من اللأديان والمذاهب والملل والنحل والتيارات التي يأتي بها الانترنت إلى كل بيت، مادة التربية الإسلامية كان ينظر إليها باعتبارها الحلقة الأضعف في البرامج التعليمية وأن وظيفتها لا تتجاوز الوعظ، و الآن سيجني الكثيرون النتائج المدمرة لهذه الرؤية المغلوطة، الانفتاح على الآخر أمر لا مفر منه، ولكن هل لدينا الحصانة لذلك ؟

الهوائيات وما تحمله من تنوع في القنوات .. قنوات دينية وموسيقية وإخبارية ورياضية وثقافية، الكل يمكنه طرح رؤاه وأفكاره ومبادئه وما يؤمن به إلى كل العالم، ورهان الفضائيات هو التسابق لجذب أنظار أكبر عدد من المشاهدين حتى لو كلف الأمر إحداث قنوات تختص بالترجمة، وطبعا المغاربة الذين عاشوا سنوات من الانغلاق في عهد الحسن الثاني وجدوا أنفسهم اليوم ينفتحون على عالم من الأفكار لم يعتادوه، منذ سنوات وهم فيما يشبه الجزيرة البعيدة لا يعلمون شيئا إلا ما تأتيهم به الإذاعة والتلفزة المغربية وفي أفضل الأحوال ما تطرحه هيئة الإذاعة البريطانية " بي بي سي" ، لكن اليوم انتشرت الهوائيات على أسطح المنازل كالسرطان وعدد منخرطي الانترنت يزداد يوما بعد يوم ويسرت وسائل الاتصال كالجوال عملية التواصل بشكل غير مسبوق مع ذلك ظلت مناهج وبرامج التعليم فقيرة إلى خريطة طريق لتحسيس المغاربة بتغيير وضعهم التواصلي، مما جعل الكثير منهم يقع فريسة لأديان لم نكن نسمع بمغاربة يعتقدون بها كالبهائية على سبيل المثال، بعد طرد ضابط من الجيش بتهمة اعتناقها.

اليوم لا يجد المغاربة ما يعزز عقيدتهم الإسلامية ويجيب عن تساؤلاتهم الفقهية سوى قنوات فضائية مثل قناة "الناس" وقناة "المجد" وقناة "إقرأ" وغيرها، وقلة تتابع "قناة محمد السادس للقرآن الكريم"، طبعا لا أقول هذا نتيجة استقراء ولكن بزيارتي لأي بيت لا أجد إلا هذه القنوات ومثيلاتها، مما يؤكد أن المتابعين يجدون بغيتهم في قنوات أخرى غير قنوات بلدهم التي تفتقر إلى التواصل معهم ونادرا ما تخصص خطا هاتفيا مباشرا على الهواء لسماع أسئلتهم واستفساراتهم، والفرق كبير بين القنوات ذات الطابع التعبوي " مهما كان نوعها " والقنوات التي لها طابع تواصلي وتفاعلي ولا تخشى شيئا من متصل هاتفي يطرح سؤالا مهما بلغت جرأته.

الخلل مركب ومعالجة المشكلة تتطلب فتح ورش، لكن الحكومة المغربية اعتدنا منها الارتجال وضعف الإرادة - حتى لا نقول انعدامها -، كما أن الحلول الأمنية أثبتت فشلها، فإلقاء القبض على هذا أو ذاك بتهمة اعتناق فكر أو مذهب أو ملة يأجج هجمات المنظمات الحقوقية، وبعضها يعلنها حملة لا تبقي ولا تذر حتى إطلاق صراح المعتقلين بزعم أن مبادئ حقوق الإنسان تأبى هذا النوع من التضييق.

مواجهة هذا التنوع الفكري والديني الذي تأتي به البرمجيات الحديثة لا بد أن يكون وفق ضوابط وآليات ناجعة وأولها المجال التربوي، فالعقيدة الإسلامية الصحيحة هي أولى الأولويات وأول الثوابت التي لا يجب التنازل عنها، وأفضل السبل لاعتقادها هو الإقناع وليس الشحن، والإقناع يحتاج إلى حوار ومنهج تفاعلي فيه أسئلة وأجوبة وطرح للشكوك والهواجس وتوضيح للضوابط كل ذلك تصاحبه الأدلة والبراهين المنقولة والمعقولة، وهذا ما تفتقر إليه مناهجنا التربوية المبنية أساسا على الحفظ والاستظهار.

إن التحدي العظيم الذي يجد المجتمع المغربي نفسه أمامه لن تنفع معه الحلول الأمنية، فبعض المستضعفين يجدون أنفسهم أمام خيار الاستجداء بالمساعدة من الخارج، سواء تعلق الأمر بجمعيات حقوقية أو أحزاب أو هيئات المجتمع المدني، وهؤلاء لهم أصوات مسموعة لدى حكومات بلدانهم، وقد يستغل جهل الكثير من المغاربة بأمور دينهم للترويج لأطاريح لا قبل لهم بمواجهتها، إذن تبقى الحصانة الدينية موكولة إلى العلماء إن تركت لهم الحكومة فسحة للعمل - ولا أخالها تفعل ذلك - بنشر العلم الشرعي من أصوله وفتح باب المناظرات والجدل، كما يجب أن تستحدث البرامج والمناهج الدراسية بما يرفع من درجة التحدي الذي يتعرض له المغرب في هذا المجال وإلا فإن سياسة الحكومة في وضع العربة أمام الحصان لن تنجح والاعتماد على المقاربة الأمنية لن يؤدي إلا للمزيد من الفشل .   




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."