المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أراه

 

 السفير في 13 أيار 2009

 

لن تسعني الكرسي الخشبية المستطيلة. أجلس على الأرض في الممر بين طبقتين. أنظر في دفتره. بالكاد كتب إسمه في أعلى الصفحة. يداه باردتان. يحلم بأنه الآن في البيت. لم يكتب كلمة مما تقوله المعلمة. ليس ذنبه. كان شارد الذهن حين أخبرتهم عن الاملاء. لا يريد أن يبدو الخوف عليه. يدعي أنه يكتب، غير أنه يمرر راس القلم الرصاص لصق الورقة، ولا يدعه يلمسها. لا يكتب إلا حين تطلب المعلمة جمع الدفاتر. تنهار يده. ترسم خطاً متعرجاً يذهب نزولاً. تحزنه وحدته. وتحزنني. يريد الآن أن يغمض عينيه ويفتحهما فيكون في البيت. لو أضع يدي فوق يده، وأكتب له ما تمليه المعلمة.

***

متردد. في سريره حلم باللحظة التي يهديها فيها القصة المصورة. الآن أجلس على الحافة الحجرية في الملعب. أراقبه من بعيد.  أراه يتخلى عن تردده  وبارتباك يمشي صوبها. يناديها باسمها ويضع القصة في يديها، ثم  لا يحكي. يكتفي بالابتسام ويلتف مسرعاً صوب رفيقه الذي ينتظره. يضع كل منهما ساعده خلف عنق الآخر. ويدوران في ملعب المدرسة الواسع الكبير. يتخيلان قصصاً تحدث لهما. حولهما ضجة لا تعنيهما. يظلان يدوران في الملعب حتى يرن الجرس فيركضان ليأخذا مكانيهما في الصف الذي بعد قليل يمشي كخيط النمل إلى الغرفة، ينتظره فيها أمل التفاتة من الطبقة الاولى تلحقها ابتسامة.

ابقى على الحافة الحجرية، منتظراً تلك الالتفاتة.

***

وجهه شديد الحمرة. منذ ساعات وهو في موقف البناية الخالي. يدور بدراجته الحمراء. منذ ساعات. لم يأكل ولم يشرب. لا يصدق أنه تعلم قيادتها بدولابيها الاساسيين، بعدما نزع والده الدولابين الصغيرين الخلفيين. يمر بي مرة بعد مرة. لا يراني، أود لو يصطدم بي. لكنه لا يفعل. بات راكب دراجة ماهراً.

 أعود حين يرجع إلى البيت بعد هروب من جولة حرب.  يقف على الركام وامام قدميه  الدراجة الحمراء التي لاكتها القنبلة. والده يربت على رأسه.

***

في صباح اليوم التالي أرى والده يربت على رأسه كي يوقظه من النوم. أرى عينيه وهو ينظر في الدراجة البرتقالية بدولابين. أرى والده. هو أيضاً ينظر في عينيه.

***

لا يدرون أنه لن يفهم مزاحاً كهذا. كُسرت الابرة في يد أخيه الصغير وضاع جزء منها. قالوا له إن هذا الجزء قد يكون نفذ من الجرح ومشى في دمه، وربما يصل إلى قلبه ليلاً. أمضى نهاره يبحث على الارض عن الجزء المفقود من الابرة. والآن ينام قرب أخيه. ولا ينام.  يرفع رأسه ويطل على وجه اخيه كل دقيقة. وكلما أتته فكرة أن الابرة ستصل إلى  القلب، يذهب في بكاء مكبوت.

 

***

ممدد على الكنبة. يصل والده. يجده مخبئاً خده بكفه فيسأله عما به. يقول إنه تخانق مع ولد. ينتبه أبوه إلى الخدوش التي تركتها اظافر الولد في وجه ابنه. يصرخ فيه حانقاً. لكن ابنه يخبره أن الولد يتنمر عليه دائماً. وكان مضطراً إلى التقاتل معه. وللخدوش سببها. فقد تفوق على الولد في الخناقة وثبته أرضاً. لذا لجأ هذا إلى الخربشة الجبانة. لا يكذب. فالولد لن يتوقف عن إزعاجه فحسب، بل، ومن ذاك النهار فصاعداً، سيتجنب مواجهته، وكلما إلتقاه صدفة، سيتحايل للهروب من طريقه.

***

يهرول قافزاً من الباص. يصعد الدرج ركضاً. يدق على الباب. تفتح أمه. تحضنه وتقبله. يدخل غرفة الجلوس. مجلة سامر تنتظره، ككل خميس. يتمدد على السرير ويقلب صفحاتها. أختلس النظر إلى الرسومات الملونة.

***

أجلس بقربه على حافة الرصيف. عيناه في الطريق أمامه. تخنقه العبارة التي يرتبها في ذهنه ليقولها لأبيه حين يصل. لم يتحرك من مكانه مذ أتى هذا الرجل قبل ساعة وصفعه من دون أي سبب. من دون أي سبب. هذا الظلم الذي لا يستطيع إحتماله. حسناً. هو ينتظر والده. يبدأ بالكلام والاب يترجل من السيارة. بعدها أرى اباه يمشي بخطوات واسعة سريعة، وهو على خطى ابيه. يقرع الوالد الباب بعنف. يخرج الرجل. يلتقطه من كتفيه ويهزه بعنف. والرجل يرتعد. وهو يتطلع إلى أبيه، وقد زال الاثر الذي خلفته الصفعة على خده.

 

***

في حلم اليقظة، تكون فتاته مخطوفة. خاطفها صبي في الصف. وهو يقرر تحريرها. يأخذ معه رفيقه بالطبع. يقود سيارة عسكرية. يهاجم الحاجز الذي ينصبه الصبي ومجموعة أصدقائه. بعد قتال شديد، تستسلم هذه المجموعة له ولرفيقه. ويحرر فتاته، ويأخذها ويميل بها فوق ذراعه.  يتبادلان قبلة طويلة.

صباحاً، في الصف، تجلس فتاته بقرب الصبي، فيستعيد بعضاً من حلم يقظة الامس، يطيل فيه مشهد ضرب الصبي.

أبتسم لإنتقامه. أنظر في الفتاة. أقول إنها تستحق منه هذا الغضب على الصبي.

***

تمطر الدنيا. يتجمعون كلهم تحت السقف الحديد في جزء من الملعب الكبير. يركضون، وخلفهم يركض الناظر. أحاول فهم الاصوات. لا استطيع. ضجة واحدة. أبحث عنه من بعيد. اراه، بحماسة شديدة يخوض جدالاً طويلاً مع رفاقه. ما الذي يقوله؟ لا اسمعه. لكنني اعرف كم يكون سعيداً حين تمطر السماء على ملعب المدرسة.

يرن الجرس. يركض التلامذة إلى غرفهم من دون أن يصطفوا وراء بعضهم بسبب المطر. حدث استثنائي مهما تكرر. يسابق الجميع إلى الصف. يخرج الدفتر، وينتظر بفارغ الصبر استاذ اللغة العربية كي يبدأ بالاملاء. في آخر هذه الحصة، سيضيف عشريناً حمراء جديدة على دفتره المزين بعشرينات على عشرينات. في البيت، غالباً ما يفتح الدفتر ويتفرج على الرقم المكرر أعلى الصفحات. لا يضجر من الفرجة.

 

***

أقلده في جلوسه متربعاً على السجادة. يشيل الكتب المفلوشة حوله ثم يحطها. الكتب الجديدة. يفكر، كم ستكون دروس هذه السنة صعبة. يتفرج على كل كتبه، إلا كتاب اللغة العربية. يفتحه ويضع وجهه فيه، ويملأ صدره برائحة الورق.  لو استطيع تقليده. لو آخذ الكتاب منه، وأفتحه واشم رائحة أوراقه أنا أيضاً.

 

***

أقف على العتبة التي تفصل بين الادراة والملعب. في الملعب يلاحق اولاد بعضهم. آخرون يجلسون على الحافة الحجرية يغيبون صفحات كتب يحملونها. بعضهم ينظر نحوي بخفر. ربما هو استاذ جديد. ربما هو والد احد التلامذة. يبتسم من غير سبب. من هو هذا؟

انظر إليهم وانظر إلى الملعب. ما زال بلونين: اخضر ورمادي. ما زالت الحافات الحجرية محلها والحمامات محلها. ما زال كل شيء في مكانه إلا شجرتين عملاقتين كان بعضنا يختبئ خلفهما. اختفتا. هذا هو الملعب نفسه؟ ذاك كان هائل الاتساع. وكانت الفرصة لا تكفي للتجوال فيه كله. وكان الاولاد يقفون على رؤوس أصابعهم للوصول إلى شباك الدكان. الشباك يرتفع متراً عن الارض. هذا هو أكبر مكان في العالم؟ هل كان صغيراً إلى هذه الدرجة؟

أتلفت مخدراً. أبحث عنه. لا أجده. أبحث في حلم يقظة عنه، فأراه ينتبه فجأة إلي فيقف ويتردد، ثم يتخلى عن تردده ويأتي صوبي. يقول لي: كأنني أعرفك.

أقول له: ربما. لا. أظن أنك لا تعرفني. لكنني بحاجة إليك. انت وحدك قادر على مساعدتي.

ينظر في عيني ثم يرفع كتفيه بلا مبالاة.

يرن الجرس، فيركض ليأخذ مكانه في الصف. يمشي الاولاد إلى غرفتهم وهو معهم. أنتظر منه الالتفات إلى الخلف، صوبي. لا يفعل.

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."