محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
إحك للبحريين يا بحر
السفير في 23 شباط 2009
مدخلان للسيارات، متلاصقان. الأول أرضه إسفلت، بعارضة حديدية متحركة ضخمة تفتحه أو تغلقه، ويقف عنده حراس أمن مهذبون. والثاني أرضه ترابية حمراء، مفتوح للجميع. الأول ينزل منه رواد الموفنبيك إلى المنتجع الداخل بكل فخامته في البحر. أما الثاني، فستنزل منه هذه النصوص الثلاثة إلى سفح الروشة، حيث «المُغر» ومينا الدالية والبحر والبحريون والرزقة التي على الله.
إحك للبحريين يا بحر
يضع رسام سوري مجهول تماماً اللمسات الأخيرة على لوحة زيتية انطلق قبل نصف ساعة فقط برسمها فوق الجدار. في اللوحة نهر بضفتين مشجرتين، وفي الخلفية جبال مكللة بالثلوج. تبدي ابتسامة الريس أبو عثمان كنيعو رضىً عن العمل الفني الذي كلفه أربعين ألف ليرة. لكن، «ولو»، اللوحة ينقصها مركب على الأقل. فهي موضوعة على جدار المبنى الأزرق الذي ينتصب أمام اللسان البحري الصغير المليء بمراكب البحريين ويسمى ميناء الدالية، متيمناً بدالية عنب لا أحد يعرف متى كانت هنا، ومتى اختفت وما بقي منها إلا اسمها.
«مركب واحد يا ريس»، يخاطب أبو عثمان الرسام وترنّ ضحكته في الغرفة الواسعة. غير أن الفنان يرفض بدماثة عالية، لأنه يرى أن عمله الفني اكتمل، ولن يضيف عليه. طيب. ما رأي العم أحمد الحاكوكي؟ «حلوة، حلوة كتير»، يجيب العجوز الذي يقترب من تسعينه، ويعيش هنا في الغرفة، بعدما كبر وحيداً وانقطعت به كل السبل. يكاد يكون مضرب مثل لأسوأ حال قد يصل إليها البحري، صياد السمك. والغرفة هي كل الطابق الثاني من المبنى الخاص بتعاونية صيادي راس بيروت. ينام فيها شيخ البحر هذا، ويستخدمها رفاقه للقاءاتهم وراحتهم وكي يشووا السمك ويتقاسموه مع الشيخ.
على شرفة الغرفة يجلس الريس «ابو عثمان»، أمين سر التعاونية. أمامه ليل ومينا صغير، على صفحة ضفتيه تتهادى بضعة مراكب. نهاراً كانت شمس شباط ساطعة، والبحر «غليني»، لا موج يعكر صفاء الصيادين الذين سرحوا من أجل رزقهم. لكن الأيام غير الأيام يا ريّس. «وما فيه سمكة بالمي». حين يقول البحري مثل هذه العبارة، فلا يعنيها بحرفيتها، «السمكة» تعني كمّ السمك الموجود في الماء، والبحر في شحٍ خلال فصل الشتاء. وهو في شح عتيق أصلاً. مع ذلك، فإن أبو عثمان، ابن السادسة والستين، بوجهه الوسيم الملآن بالعافية، يضحك كثيراً، وهو يروي بلهجة بيروتية صرفة حكاية هذا الأزرق نهاراً، الكحليُّ الغامق المائل إلى السواد ليلاً. هذا البحر الذي إن أنصت الواحد، لعرف أنه يحكي، وما عليه إلا أن يدمن رفقته، حتى يتعلم لغته.
***
محمد (ابو عثمان) هو ابن الريس عثمان كنيعو، واحد من صيادي بيروت العتاق. وأبناء راس بيروت، على ما يقول تاريخ المدينة، امتهنوا في قديم القرن الفائت الزراعة وصيد السمك. ولداً، كان محمد يجول بالسياح في «كروة» على متن الفلوكة الخشبية التي يزيد ثقلها عشر مرات حين تنزل في البحر ويشرب الخشب من مياهه. يجول بهم على صخرة الروشة، وشقيقتها الصغيرة. يدخلهم في مغارة الصخرة العملاقة ويخرجهم إلى الشاطئ المقابل لها. يمر بهم على «المُغر» (المغارات). أشهرها مغارة «الفقاقم» (الفقم). قبل أكثر من خمسين سنة، الفقمة كانت على شاطئنا وقد رآها الريس بعينيه حين كان ولداً. أبوه حكى له أنه طارد الفقمة الأم وفي فمها سمكة تزن رطلين، ودخل المغارة خلفها وأخذ السمكة من فمها، وصارت تصرخ حزينة.
مولوداً في البحر، عاش أبو عثمان فيه. في «أول طلعته»، أي قبل خمس وأربعين سنة، أتى إلى ميناء الدالية، وكان من أوائل الصيادين. لم يكن المينا كما هو الآن، بمبنى صغير، وبضع غرف على طرفيه. لم يكن شاطئه مصبوباً بالاسمنت وله حافة تمنع الموج عن فسحته الأمامية. لا. كان شاطئاً صغيراً من بحص. والغرفتان إلى يمين المبنى بنتهما وزارة النقل أمام مغارة حفرها صياد اسمه حمزة في الصخر وكان ينام فيها. مع الوقت، صار أبو عثمان ريّس المينا، أي كبير هذا النسيج الاجتماعي الذي يصنع في ما بينه تراتبية شبه أبوية، وتحكمه العلاقة الأبوية نفسها، احترام الصغير للكبير، بعكس المثل الشائع عن السمك، للمفارقة.
على أن الثورة الفلسطينية وضعت يدها على المينا في أواخر السبعينيات. وهي التي ساهمت في صب مقدمته بالخرسانة، وبنت الطابق الأرضي من المبنى. ومع خروجها من لبنان، بالبحر، عاد المينا إلى الريّس البيروتي.
في التسعينيات تكفلت وزارة النقل بناء طابقين آخرين. وعلى أيام الرئيس رفيق الحريري، وبعد «طلعة» كبيرة للبحر حطمت المراكب الراسية، وضعت مكعبات حجرية كبيرة إلى أول لسان المينا كي تكسر الموج إذا هاج البحر. لكنها ليست كافية، والسنسول الذي من المفترض أن يقوم يوماً، فيحمي المينا، وترسو مراكب جديدة إليه، ما زال حلماً.
بالأطنان كان السمك في بحر بيروت.. بالأطنان. ذلك كان قبل الحرب. في مرة رأى ابو عثمان رفّ سمك بوري آخره في السبورتينغ وأوّله في مسبح الجامعة الاميركية، بعرض عشرين متراً، وأفواه السمك ترقص على وجه الماء. كانوا يتصيدون «الأجاج في النهار.. في النهار! تخيل!» هذا يعني أن هذه السمكة لم تعد تطلع إلا ليلاً. «كنا نشيل المواسطة بالرفش». أينه الآن هذا السمك؟ الناس صارت وحوشاً يا ريّس. يحكي أبو عثمان عن معضلة البحر التاريخية. في أرشيف الصحف عن صيد السمك، يحمل عنوانا واحدا هو نفسه من السبعينيات إلى الثمانينيات إلى التسعينيات إلى الآن: الثروة السمكية مهددة بالانقراض. السبب الأول كان الديناميت، وقد منع بعد عودة الدولة. السبب الثاني مستمر: الجاروفة، لعنة البحر الدائمة. شباك كبيرة تُمد بالعرض على الشواطئ الرملية. تكون مثقلة بالرصاص ليبقي أسفلها على القعر، وحين تسحب يمشي الرصاص على الرمل، حيث يضع السمك بيضه. يُسحق البيض في رحم البحر. والجاروفة، بالعيون الضيقة، خمسة ميليمترات، تكاد تكون ناموسية تجر كل حي يعلق في شباكها إلى الموت، مهما كان صغيراً. الضحية الثانية إذاً، بعد البيض، يكون السمك الصغير الذي يشال يومياً بعشرات الكيلوغرامات، منه اللقز الرملي، والحبة بحجم عقدة الأصبع، يوارى في رمل الشاطئ لأنه لا يباع أصلاً. غير أن الحصيلة تكون متنوعة، فيها حبات القريدس والسلطان ابراهيم وقد صارا نادرين، والفريدي والمواسطة وخلافه. أما السمك الصغير الموءود من غير ذنب، فلو أنه ترك لسنتين، لكان صار أطناناً تتابع دورة الحياة والصيد معاً، إذ إنها ستتناسل و«تبخ» بيوضاً ـ حياة، جديدة في البحر. الجاروفة، كالجراد تأتي على الأخضر والأحمر والبني وكل ما للأسماك من ألوان وأحجام. ووزارة الزراعة لا تقوم بواجبها. لا دوريات على الشواطئ لمنع الصيادين من استخدام هذه الشباك بخروم الابر. الخروم عليها أن تتسع، كحد أدنى، خمسة وعشرين ميليمتراً، حتى اذا ما شُدت، ضاقت إلى نحو عشرين ميليمتراً.
إلى الشرفة ينضم رئيس النقابة وفيق الجيزي، وقد انتهى نهاره بسلة فارغة. في هذه الايام يصطاد بالجرجارة. خيط طويل يضع البحري في آخره سمكة رفيعة تسمى سيفاً، وأسفلها تقع الغدارات. تمشي «الفلوكة» في المياه. الخيط يجر السمكة النافقة فتهتز كأنها حية تسبح. الى خلدة والدامور وأبعد أحياناً، وقود يُصرف وساعات تُهدر، إلى أن تراها سمكة الغزال أبو سن. سمكة كبيرة تبلع السمكة الصغيرة والطعم معاً، ولا نقع هنا على مشهد الشيخ والبحر في حكاية ارنست همنغواي. لا متعة في التحدي ولا ساعات صراع. ساعة وترهق السمكة، وتسحب رزقة طازجة إلى المركب. قبل يوم اصطاد وفيق واحدة. نحو أربعين كيلو. وشو يعني؟ خمسمئة الف ليرة. مبلغ يجد طريقه إلى إنفاقه قبل أن تباع السمكة. فواتير متراكمة. قد تظل شهراً بعدها ولا تخرج بليرة من البحر. هنا ليس متعة إلا للهواة، أما من يعتاش منه، فلا يصدق متى يشيل رزقه ويهرب. الهاوي بالطبع يستحصل مثله مثل المحترف على بطاقة ترخص الصيد له، لكن بصفة هاوٍ، أي ان ساعاته في الصيد محدودة. أما من يريد احتراف الصيد، فعلى اثنين من الصيادين أن يشهدا معه على أنه يعتاش من البحر فقط.
البحر صار للأغنياء، يقول الجيزي. بنادق وقناني أوكسيجين وتجهيزات غالية الثمن أهمها المصابيح الليلية القوية، ومراكب حديثة متطورة، وهواية «جميلة»: ينزل الواحد، ليلاً أو نهاراً، ليبحث عن السمك الكبير في وكره. يقتل أمهات السمك، هذه التي تبيض. البحث عن السمك في أوكاره ممنوع. كذلك الكركند. كان يتدلى من سقوف الأوكار كالثريات. صار صيدا ثميناً. والصيد إن كان ببندقية، فيجب أن يكون من دون قنينة، لأنك بدونها ستعجز عن الغطس عميقاً، ولن تستطيع أن تبقى وقتا طويلا تتمشى في البحر كأنك تمشي على الكورنيش.
الى هؤلاء «الأغنياء»، ثمة صيادون محترفون يقومون بالأمر نفسه، الى الذين «يحوّقون»، أي يمضون سحابة النهار والليل في البحر، لا يكلون من تطويق السمك وسحبه من دون التفكير بأحد. وأيضاً، كل شيء في لبنان يذهب الى البحر، من مواد المصانع السامة، الى مساحيق التنظيف السامة من البيوت، الى جبل النفايات في صيدا، كلما هاج البحر وصل النايلون القاتل الى بيروت وأبعد. أين التوتيا؟ هذا الحيوان الشبيه بطابة سطحها ملآن بالشوك كانت جدران الصخور تحت المياه ملآنة به، يشيله الصيادون بالسكاكين ويبيعونه أو يأكلونه نيئاً. لم يعد موجوداً. يلتصق بها كيس النايلون ويخنقها.
في بلاد العالم، يُمنع الصيد بالشباك لشهرين أو ثلاثة من السنة، هو موسم التكاثر. يجدد السمك نفسه. لكن هناك تدفع الدولة للصياد تعويض عطلته القسرية. هنا، ومنذ نعومة أظفار نقابات الصيادين وتعاونياتهم، وهم يطالبون بالضمان الاجتماعي. لا تحلم. يمرض الواحد منهم، فيلمون بعضهم من بعض لمداواته. يحترق محرك مركب، فتشحذ له التعاونية ثمن مولّد آخر. والبحريون يتقاسمون العمل والرزق معاً. لا صياد يعمل وحده. «القفاصون» يتشاركون في العمل. يجمعون العشب البحري ويضعونه في الأقفاص وينزلونها ثم يعودون لاحقاً لإخراجها، واذا جمعت بضعة كليوغرامات، كانت بيوتهم في القلاع. كذلك «الشبّاكون» الذين يرمون شباكهم وينتظرون لساعات قبل أن يعودوا اليها. غلّة صيادين شابين كانت، في آخر النهار، كيلوغرامين من سمكة البلميدا. ابتاع ابو عثمان السمكات من الشابين بثمانية آلاف ليرة، إضافة إلى ألفي ليرة للتنظيف، عشرة آلاف. هذه يوميتهما. زمان، كنت تشيل بالصنارة عشرة كيلو. اليوم، يصطادون «بالبولص»، يجرون خيطاً تتدلى منه كل بضعة أمتار «بنيّة» بغدارات. ولا تخرج بشيء. البحر ما عاد شغلة يا ريس.
***
لم تنزل شباك ابو عثمان إلى المياه هذا النهار. البحري الذي يعمل معه مريض. يتشاركان المحصول اليومي. من ابو عثمان الفلوكة والعدة، ومن الشاب الهمة والقوة على العمل. رفع الشباك يحتاج إلى سواعد قوية. أبو عثمان لديه عمل آخر غير البحر. «الخواجة» صاحب مسبح السبورتينغ يحبه، وجعله مسؤولا عن موقف السيارات يحصّل منه مدخول عائلته. أولاده هربوا من البحر، مع أن أبو عثمان جرب معهم. على عكسه، فإن وفيق الجيزي، ابن البحري، لن يورّث صنعة الشحاذة هذه لأبنائه. هل هذه حرفة تنقرض؟ ليس بالضرورة. ما دام الناس لا يجدون شغلا على البر، فسينزلون إلى البحر. لكن، ولله العظيم، الحسنة تجوز على البحري.
***
يبدو المينا، مع الثامنة مساء، كمن نام. غير أن صياديَن يشغلان محرك مركبهما. سيسرح المركب الصغير في رحلة صيد شبه بدائية، لا تستطيع حتى الذهاب بعيدا في البحر، لأنها غير مجهزة لا للمسافات البعيدة ولا بوسيلة اتصال بالشاطئ. وقلة منهم تملك أجهزة خلوي. صيد السمك الذي بات صناعة متطورة في العالم، ما زال هنا بدائياً. سمكنا الطازج أطيب وأغلى ثمناً، لكن السمك الآخر متوافر. البحري هو الأقل استفادة في هذه التجارة. يبيعه في المزاد في سوق الكرنتينا أو للمسامك بتراب المصاري. جماعة المفرق يربحون أكثر، أما جماعة المطاعم الفخمة، فتخيل ربحهم من سمكة وزنها أربعين كيلو اشتروها بخمسمئة الف ليرة. كم صحناً تصنع هذه السمكة؟
***
يودع أحمد الحاكوكي الريسين أبو عثمان ووفيق. ابو عثمان ينهي الحديث بحكاية:
لم تسألني أين ذهبت الفقمة. «هيدا يا ريس».. كانت عائلة الفقم تعيش بهدوء، أم وأب وخمسة أو ستة أولاد صغار. اشتكت مجموعة من الصيادين إلى رجل من آل الفاخوري لديه بندقية صيد بري مرخصة. قالوا له: الفقمة تأكل سمكنا. ذهب ابن الفاخوري ببندقيته المجهزة وانتظر حتى رأى إحدى الفقمات. أطلق النار عليها، طارت في الهواء ونزلت في الماء وغرقت، ثم قتل أختها ايضاً.
بعد أيام، ووالد ابو عثمان جالس على الشاطئ الصخري، إذ بالفقمة الأم تخرج إليه من البحر. كانت دموعها تنزل من عينيها على خديها، كأنها تعاتبه، هي التي أعطته سمكة كانت في فمها.
قال لها: بعرف بعرف. قتل لك ولادك ابن الفاخوري. بعرف.
تضحك كل ملامح الريس، وترّن ضحكته. يقول إن أحداً لم ير فقمة بعد ذلك في بحر بيروت. هاجرت هذه العائلة، ولم يبق للمغارة إلا اسمها. تماماً مثل المينا.
مالح ومن أحلى الناس
عطران يمتزجان في يوم الشمس الربيعي من شهر الشتاء. عطر البحر وعطر العشب الأخضر ينمو عشوائياً بعد المطر. بعد حديد الكورنيش، تروح الأرض تهبط ببطء صوب الفسحة الواسعة قبل البحر. للسيارات طريق واحد هو الملاصق لفندق «موفنبيك»، أما المشاة، فيستدلون إلى الممرات الفرعية التي صنعتها بين الحشائش أقدام ماشين قبلهم. عشرات الأمتار من النزول قبل أن تستوي الارض الترابية الحمراء. في الصيف، يعج هذا الشاطئ الصخري بهواة النوع من الشبان الذين يفضلون استعراض المهارات في القفز من أعلى «المغاور»، وهما مغاراتان متلاصقتان، واحدة منهما تسمى النافذة لأنه يمكن النفاذ منها الى الجانب الآخر من البحر عبر الجدار الصخري العالي المواجه لصخرة الروشة. صيادون من آل عيتاني جعلوا اللسان البحري أمام هاتين المغارتين مينا لمراكبهم التي تحطمت بعد «نو» مؤخراً وعوض النائب سعد الحريري عليهم. هنا ينصبون أكواخاً خشبية، ويربون دجاجاً بلديا ملوناً. ويصنعون مراكب، ويصطادون، ويأخذون من يحب في نزهات بحرية. أما على كورنيش الروشة، فلا يكل شبان عشرينيون من سؤال العابرين عن رغبتهم في هذه النزهة البحرية.
في المكان الذي وصلت إليه كهرباء لبنان بأعمدتها الصفراء، ترعى خراف، ويخلو المكان إلا من عشاق في ثنائيات، يتأبط بعضهم كتبه الجامعية، ويجلس أعلى الشاهق الصخري متفرجاً على الصخرة العملاقة.
لم تقتحم السياحة الاستهلاكية المكان بعد، وإن تمددت على جزء كبير من الكورنيش أعلاه واقتربت من يساره، حيث «الموفنبيك».
هنا يرتفع كوخ خشبي سقفه من القصب بصفة مطعم مأكولات بحرية ومرطبات. غير أنه خال نهاراً، وتنتشر أكواخ مماثلة بعشوائية. دوريات قوى الأمن الداخلي متتابعة نهارا وليلاً. وللجيش اللبناني مركز مراقبة دائم.
هذه الفسحة الواسعة هي آخر البرّ. منها، وبأدراج طبيعية في الصخر العاجي، تنزل إلى الشاطئ الذي وإن كان غير مستو، لكنه دائماً سهل المراس إن في التنقل أو الجلوس.
بدرج كهذه الأدراج ينزل الواحد إلى مبنى المينا الأزرق. في أسفل المبنى، غرفة معتمة، كان يجلس فيها، نهاراً، صياد عاد لتوه من البحر بالسمك، وقد ذهب شقيقه ليبيع الغلة التي إما تباع في المزاد، أو تصل إلى زبائن من معارف الصياد.
سعد الدين الجيزي. في السادسة والاربعين، وله في البحر سبع وعشرون سنة جرب خلالها الصعود إلى البر، أي العمل فيه، ولم يوفّق، فعاد إلى مركبه. من السادسة صباحاً إلى التاسعة مساء، يظل سعد الدين هنا. «لا يتعاطى بالبر أبداً». غير أن حياة البحري يومية. إذا رزقنا الله، أكلنا، واذا ما رزقنا الله، ما أكلنا. والبحر كما البر مواسم. سعد الدين يلحق الموسم، والسمك مثل الطير، يهاجر من مكان إلى آخر. السمك الأحمر، اللقز والجربيدي والفريدي، مثلاً، له موسم يكون فيه ناحية التربة الحمراء بالقرب من المطار ليبخ بيوضه. في شهر آخر، يكون ناحية الناعمة. وكل قمرية (شهر قمري كامل)، تنتقل السمكة، وسعد الدين في أثرها من عين المريسة إلى الكوستا برافا في خلدة، وهلم جرا.. مع القمر.
ينزل ليلاً ونهاراً. لا ينزل إلى البحر في هدوئه فقط، أي غليني. قد ينزل تحت المطر الذي يشبه أبر المورفين المهدئة للماء، وقد ينزل أحياناً بينما البحر طالع، أي هائج، لأن قعر الأرض يقلب، وتفور المترسبات والحشائش فيغلي السمك يريد أن يأكل. «ولا تخف. حين لا يريد منك أن تنزل يركلك خارجاً. تدفعك أمواجه. يقول لك: فل، ما بدي شوف وجهك اليوم. اهرب».
بعد سبع وعشرين سنة، ليس من متعة في البحر. مرهق، وتكاليفه كثيرة، من صيانة المراكب وثمن الوقود وثمن العدة، والشباك والغدارات والخيطان وغيرها، إلى كونه يفرغ من السمك، أعباء على رب عائلة يفكر بأن يدخر المال ليبتاع نمرة حمراء وسيارة، و«يشتغل على السياح». غير أنها حلقة مفرغة وتوفير المال مستحيل. لذا هو هنا إلى أن يقضي الله أمراً لا يعرفه الرجل.
«السمك معيون»، يقول سعد الدين. إذا وضعوا لك كمشة ذهب بالقرب من كمشة سمك، إلى أيهما تنظر؟ الى السمكة التي تبرق وتلعب. «السمك معيون»، أي محسود لا خير فيه. كذلك البحر، ماؤه مالحة. إن شربت منها تعطش أكثر وتجوع أكثر. هكذا يعيش البحارة.. يعطون خبزهم، كفاف يومهم، وما دام الواحد منهم قادراً على البحر، فإن الله يستره، لكنه اذا وقع، إذا مرض أو طعن في السن وضعف، فمن يشيله؟ لا أحد. لا أمان يأتيهم من البر ليرتاحوا في البحر.
***
فوق، عند الفسحة، يتغير الكلام. يضرب رجل عاري الصدر معوله بالأرض. ينكشها ويشيل منها الحجارة. يريد أن يزرعها. هنا، على بعد أمتار من البحر وفي قلب هوائه المالح. لا مشكلة في ذلك. سيخفي أرضه الصغيرة عن عيون البحر بالقصب المتوفر على التلة. هكذا، لا يضطر محمود صالح إلى الصعود إلى البرّ كلما احتاج إلى عرق نعناع أو رأس بندورة. بر وبحر إذاً. وللرجل الاربعيني الاسمر لغته يجيد إلقاءها خليطاً من شعر وحنين. كلماته تنساب سهلة تبدو كالمسحورة بالأزرق الواسع. يحكي بصيغة الجمع: «خلّينا البر لأهل البر ولزعماء البر. يتركوا لنا هل ميات وهل سمكات، ويحلوا غضبهم عنا. نعيش مرتاحين نشيل سمكتنا، واذا ما شلناها مناكل خبزتنا حاف بس مبسوطين».
الكلام يكاد يكون رحبانياً. ومحمود يعود إلى الشعر مع كل سؤال، منهياً عباراته بتنهيدات من مثل: «إييه يا صاحبي».. ليبدأ من جديد بسؤال يسترسل بعده: «شو بدي خبرك عن البحر؟».
أحلى رفيق البحر. البحر لا يغدر. البني آدم هو الذي يغدر بنفسه فيه. البحر له مواسم يقول لك فيها سأطلع فلا تنزل ولا تحط عدتك. والبحر سره كبير. تراه مياهاً. غير أن لكل وقت وقته. في الصبح صورة وفي العصر صورة، وعند المغيب صورة ولا أحلى. وعندما يكون القمر في السماء، انظر إلى البحر كيف يبرق. وعندما تغطس فيه انظر إلى السر في كعبه.
هذا ليس وصفاً. هذا عشق لا يرتوي من الأزرق المالح، مع أن محمود يقول إن مال البحر للبحر. مصاريفه كبيرة، وخساراته كثيرة، واذا راحت شبكة ما فيك تجيب غيرها، كيف إذا طلع النو وكسر الشخاتير؟ والبني آدم يهترئ في البحر فكيف بالعدة؟ «ما بتهتري؟ بلى بتهتري يا صاحبي.. وهيدي الحياة. وبدو يكون نفسنا طويل.. والبحري متل البحر قلبه كبير».. والبحر من أحلى الناس.
يعود لينكش الأرض. ويظل صوت الموج الصغير المرتطم بالصخور يتواتر بهدوء آسر. لوهلة، يتحول المكان إلى آخر، ربما هو غيره، وربما هو حقاً كذلك. ينفصل عن البر، ويبدو قرية بحرية نائية تبعد خمس دقائق مشياً من بيروت، المدينة التي غالبا ما نظن أننا نعرف كم هي مجنونة.
أبو فريد.. شق صخره وعاش في مائه
كانت شقاً في الجدار المتموج للصخر. أمامه بضعة أمتار مربعة صودف أنها كانت مسطحة. إزميلاً بعد إزميل، ظل ثلاث سنوات يحفر في الصخر، حتى صنع من هذا المكعب الصغير بأمتاره الأربعة المربعة على أبعد تقدير، غرفة لبحره. مصطفى الهنداوي. نزل إلى البحر من البربير ولداً، وهاجر إليه ليحترفه في العام 1958، ويصير أحد كائناته. صياد وغطاس وصاحب مطعم طاولته الصخر نفسه. يقلي البطاطا والباذنجان بعد نقعها بماء البحر وتجفيفها. يقلي السمك للخواجات من أبناء البلد يأتون إلى اللقمة الطيبة، وكأس الخمر، كما للصحبة التي كما يأتي بها البحر يأخذها. يجلب الخشب الذي يرميه الموج في إحدى مغارات شاطئ الروشة، يصنع به سياجاً وباباً أعلى الصخر لغرفته وفسحتها. تصير شبه جزيرة. ومركبه معه. ماجدة للمركب الخشبي، ثم فريال للفايبر غلاس الذي حل محل الخشب وثقله وهمّ صيانته. اسمان لامرأتين. مع ذلك، فالبحري لم يتزوج. سمى نفسه «ابو فريد» وعرفه الصيادون بهذا الاسم. كبر على البحر أو فيه، لا فرق. كل ساعات نهاره هنا. وفي الليل يعود الى بيته حيث يقطن وشقيقته التي تكبره سناً.
في الثانية والسبعين من عمره، يعرف كل الأشياء عن الذي أمام عينيه. متى يكون «غليني» ومتى يصير «مزهراً»، أي تفقش عليه من بعيد موجات صغيرة بيضاء تنذر بأنه سيتحول إلى «كريشات» هائجة، وصولاً الى «النو»، أي غضب البحر الثقيل.
لا يتوقف البحر عن العطاء، حتى لرجل مثله. بعدما كبر، لم يعد ينزل أقفاصه. لم يعد قادرا على «المشاكل». في شبابه كان إذا اعتدى صياد على أقفاص أبو فريد، تقاتل معه، يضرب ويضرب. لم يعد عمره يسمح له. يقول خالطاً المزاح بالجد. الآن يمر به الصيادون بمراكبهم. «أبو فريييد»، يندهون فيجيب بـ: «ايييه» صادحة. يرى ما في جعبة مراكبهم. اذا لاقى صيداً ذا شأن أخذه ونظفه واتصل بواحد من مجموعة أصدقاء بيروتيين. لا نقاش معهم في سعر ولا في نوعية. يثقون به. ويأتون كل أحد إلى خلوته البحرية هذه ليتناولوا فطورهم ويلعبوا ورق الشدة سحابة النهار. لا يسمح لغيرهم بالدخول إلى جزيرته. وقد تاب منذ العام 1988 عن بيع الخمر، بعدما أنذره الله بمظلة طارت وسقطت عليه فأفقدته عينه. من حينها وهو مواظب على الصلاة.
لا يطال الصخرَ تغيير ولا صفحة الماء. الناس هي التي تتغير. «ظهر الفساد في البر والبحر». هذا جزء من آية نزلت في القرآن الكريم. الفساد هو الطمع في الرزق والجهل أيضاً. جيل اليوم لا يجيد ربط خيط بخيط. يربطونه كما يربطون حذاءهم. لا أحد يجيد هذه العقدة التي تجدلها أصابع ابو فريد الآن وتبدو مستحيلة على التعلم. يحكي بصفته جيلاً أول، لأن كل الذي كان قبله رحل. البحري لا يندم على شيء، إلا شرب الخمر وبيعه، وقد تاب والحمد لله. لا يندم لقراره في النزول إلى هنا. لا يندم لبقائه العمر عازباً. لا. مر العمر بفرح ربما لا يعيه ابو فريد لكنه يطفر من كلماته وقسماته. عاش في البحر. غنى على صخوره، ومشى على قعره، وأنقذ حيوات غارقين فيه. سمع حكايات الصيادين عن الصيد الوفير، وهو يعلم أنهم يناكفون بعضهم بعضاً. وسمع الخيالات الجامحة. الصياد الذي أخرج سمكة فوجدها صغيرة، فكتب اسمه والتاريخ عليها، ثم أعادها إلى البحر، وبينما هو يصطاد، بعد 16 سنة، إذا بالصنارة تتصارع مع صيد كبير. أخرج السمكة فإذ هي عملاقة. وحين حملها وحدق فيها.. احزروا ماذا وجد مكتوبا عليها.
|