المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
إلى ام جبر وشاح التي في غزة

السفير في 31 كانون الاول 2008

السيدة الكريمة أم جبر وشاح، تحية طيبة وبعد،
عسى تصلك رسالتي هذه فتجدك والأهل والأحباب على أتم الصحة والعافية، ولا تكون ثقلاً على ثقل، في أيامكم الصعبة هذه في غزة التي في فلسطين.
سيدتي،
لا أدري لماذا أكتب إليك، أو ما أشاء قوله. غير أنني قلتُ أكتب، علنّي أنا أيضاً أرتاح إذ أعبّر عما يجول في خاطري، وهذا يا سيدتي الكريمة، جلّ ما نفعله جميعاً، كل على طريقته، حين الادّعاء الصادق حيناً والكاذب أحياناً بالوقوف إلى جانبكم ومؤازرتكم. بالشد على أيديكم. بالقلب يا سيدتي، وهذا أضعف الإيمان، على ما قال الرسول العربي، وقد كفى الله المؤمنين القتال.
لن أضيف جديداً ولا قديماً. لن أشتم الحكام العرب، ولن أطلب الموت لأميركا وإسرائيل، ولن أبكي دمنا المراق هنا وهناك ثم هنا ثم هناك. ولن أغضب الآن على الانقسام الفلسطيني إذ خرج منذ زمن عن طوره. واسمحي لي، فلن أردد هتافاً ولا أندب عجزاً ولا أحرق علماً. ليس هذا سبب الرسالة، على ما أظن، ولا غايتها.
الغاية أبسط من ذلك، ربما. أسأل خاطرك وأطمئن إلى صحتك وأيامك في هذا الجنون المستعر.
وللعمر حق يا أم جبر. في زيارتك الأخيرة إلى أولادك اللبنانيين، كانت يدك ترجف. وكنت أرتاح إذ أنظر إلى ابتسامتك تبرق بالفرح، وأتوجس إذ أنظر إلى اليد التي جالت لسنين على السجون، تمسّد على الحديد الذي خلفه وجوه الأولاد المعتقلين من كل بلاد العرب. تجعل الحديد أكثر ليناً على ساعاتهم الطويلة.
يدك في بيروت كانت ترجف. تراها ترجف هناك، والليل والنهار يتناوبان جهنماً؟ تراك تعبت؟ أثقل عليك قلبك يا أمي؟ حقه. رأيتِ كثيراً. رأيت إبراهيم الذي على كتفك يذوي كالورد ويغيب بعدما لم يحتمل تلك الرحلة الأولى. ورأيت الرضيع الذي ولد بعد موت أخيه فيسمى على اسمه يذوي هو الآخر كالورد ويغيب. رأيتِ كثيراً يا أمي. رأيت البلاد تؤخذ ورأيت العيال يسرقون من شبابهم إلى موتهم ومعتقلاتهم. رأيت الآتي من خلف البحار يقلب الأرض والبيت والعمر ويجثو على الصدر ثقيلاً كجبل. رأيت الابن يكبر ويُحكم بالمؤبد ورأيتك تزغردين وتلوحين بالشال الأبيض فوق مطرقة قاضيهم وفوق قوس ظلمه، وتعودين إلى البيت أم العريس. وحين تخلين إلى نفسك تبكين، ويظل الباب موارباً لأربعين ليل وأربعين نهار، علّ جبراً يطل، علّه كابوس ينتهي.
لكن لا. لن يرى واحدهم منك دمعة. ولن يرتقي اليأس إلى أدنى خيط في الثوب الأسود والأحمر. وأمّ الأسير تعلم أن الأم دنيا، وأن قلبها دنيا تتسع لنبيه وأحمد وأنور وسمير وغيرهم عشرات. تتسع لتحدٍ هي فيه أمٌ لأسير، تنظر في عيني أم لجندي مدجج، تقول لها: لنشوف مين فينا رح يصبر أكتر، وآخرة البلاد لأهلها...
تراه العمر يا أم جبر؟ لا.
أعرف أنك لست متعبة. أراك وأعرف أنك أقوى منا جميعاً. أراك تشدين يداً على يد وتفكرين في يوم المذبحة وفي اليوم الذي سيلي المذبحة. تفكرين في التفاصيل الصغيرة، في نفض الغبار عمن صارت أماً لتوها، تحمل رضيعاً تظنه بلا غد. تلفينها بصوتك الهادئ، بلهجتك الجميلة. تخبرينها عن الحكاية البسيطة التي لا تحتاج إلى كل تعقيداتنا. تحيلين الحكاية إلى صفائها الأول والأخير، إلى إنسانيتها وأخلاقيتها، قبل أي شعار كبير فارغ آخر. قبل أي كلام ممجوج.
وأعلم أنك تشدين الهمم، وتشغلين بالك بحاجات المحتاجين، فذاك يريد كوب شاي، وتلك تريد تربيتا على كتف، وهذا يريد دواءً. وأنت، وإن أثقل عليك العمر يا أمي، لن تهدئي، ويكفي أن تشيري لمن حولك، والكلمة لا تصير اثنتين. هو الحب يا أمي، الحب الذي يفيض عن قلبك إلى القلوب.
أعلم أنك الآن تقومين بواجبك، وتعرفينه. أما أنا، نحن، فنجهل ما الذي علينا فعله. نتخبط. لهذا ربما أكتب إليك، لآخذ منك بعضاً من العزيمة وبعضاً من الثقة ومن الوضوح في الرؤية. أذكر تماماً. ساعة واحدة جلست أمامك. ساعة أخذت في ما يشبه السحر. استسلمت لراويةٍ هائلة الوعي والصدق والعفوية. ساعة تعلمت فيها كيف سأحمي نفسي من كل سمّ تسلق هذه الحكاية. سمّ العقلانية المقيتة حين لا تطل إلا في غير محلها. تطل من فوق جثث وأشلاء لتبرر للقاتل. سمّ الانتهازية وسمّ الكذب العربي وسمّ الرجولة المدعية. سمّ الأخطاء المتناسلة بعضها من بعض جميعنا تجرعه. في ساعة فقط حفظت كيف أنتمي بحق إلى الحكاية. وكيف أحميها في داخلي. وكان ذلك كافياً.
يا أمي،
أعلم أنك الآن، وغزة في النار، تجدين وقتاً لتضعي طفلا في حضنك، وتهمسي في أذنه. تغسلين عنه الخوف وتزرعين في قلبه الحكاية. وأعلم أنك ستظلين تنثرين الحكاية بذوراً، ويدك خضراء.
ولأنني أظن إنني أعلم، فلست خائفاً. أعلم كيف تكون الابتسامة سماءً، والعباءة بساتين وهضاباً وأنهاراً وأطفالاً وعصافير وزيتوناً وتيناً وبرتقالاً وقصائد. وأعلم كيف تكون راحة اليد تراباً مباركاً. وأعلم يا أمي كيف تكون الأم بلاداً.
أم جبر، يا أمي،
أكتب إليك لأنني بحاجة إلى القليل من كبر قلبك.
أكتب إليك كي أرتاح إذ أتذكر أن الدم حين يفيض، سيجد يديك تمسدان عليه. تهدهدانه. تحديان له. تقولان له صبراً يا دمنا، صبراً يا دمنا، صبراً يا دمنا.



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."