نم صديقي.. موتك طلسم لا نحتمله كما لم نحتمل مئات الطلاسم والأسئلة الغريبة .. موتك حكمة لا تتجرد أمام عقولنا ولن تتجرد لأننا لازلنا نحمل تلك الروح المضطربة التي تسكن كل إنسان . نم صديقي... ونام نومتك الأبدية وأنزوى هناك خلف المجهول وأترك هذه الأصداء هذه الاستفهامات الصاخبة تصدح في زمان ومكان لا يليق بك. سؤال موتك يتردد على كل الشفاه ولا يدرى أنه يجتاز معاقل العقل المجرد ويذهب بعيداً إلى ما وراء الزمان والمكان ويطغى بطغيان جارف بكل عنفوان على كل القوانين الطبيعية والأزلية التي لازلنا جميعا لم نفهم بعد مدى صدقها وعفويتها. فهل حقا أنت أنتهيت.. هل ذهبت هل غفيت وأنتسيت .. إذا ماذا تعنى كل هذه الأصداء.. هنا ضحكت وتبسمت..هنا نمت وأكلت..هنا حزنت وبكيت.. هنا تعالت صرخاتك ونبراتك وهمساتك وشطحاتك....هنا كتبت وانتشيت.. هنا.. هناك..الزمان والمكان يأتى منك واليك.. نم صديقي... أنت من البسطاء والبسطاء لا يهنئ لهم عيش. أنت من كوكبة المعذبين والمعذبين لا يحتويهم أي مكان . أنت من جيل التجدد والتطلع والحلم وفى عصرنا الحلم أصبح جريمة يجرمها القانون. أنت من هناك من وهاد الزرع وحقول القمح وبساتين الزيتون من مراتع الطبيعة الخيلاء الفيحاء والطبيعة في زمننا ليست لغة معترف بها في مجاميع اللغة. أنت تعيش للأخر وهذا الأخر لا يكترث بك وبما تحمل على عاتقك من الم وشقاء.. نم صديقي... وأرحل إلى عالم الصدق الابدى فعالمنا عالم كذب ونفاق. أرحل إلى عالم الحق والعدل لأننا نعيش عالم الظلم والاضطهاد. أرحل إلى عالم اليقين فهذا عالم الشك والتراجع. أحل إلى عالم القوة فعالمنا مكتسي بالجبن والخنوع والاستسلام. أرحل إلى عالم اللامحدود ..عالم متجرد من كل المرايا والوجوه الكاذبة ..بحيث تراني ولا نراك تسمعنا ولا نسمعك ترصدنا ولا نرصدك. فمن الميت فينا نحن أم أنت..أنت هناك في زمن البعث والخلود والبقاء. ونحن هنا في زمن الفناء ميتون بموت أخر.. موت الحق فينا والعدل والحب والصدق والعزيمة والشجاعة والمرؤة والضمير.. أليس افتقادنا لهذه القيم الجميلة هو موت أعظم وأمر وأدهى وأكبر. نم صديقي... وأبتعد بروحك إلى سماء الحق وأترك رفاتك بيننا لعله يحرك فينا شئ نسموا به إلى درجة القديسين والصالحين فأنت لست لهذا الزمن الذي لم يحتويك ولن يحتويك إلا في خبر النسيان وحكاية من حكايات كان ياماكان .. وأبقى هناك ترفرف بروحك الطاهرة بأجنحة الحقيقة في سماء العفة والنقاء بعيداً عن هذا الزمن الردئ زمن الزيف والهوان.. نم صديقي... وليس لنا إلا أن ننثر وراء أصدائك أهزعة الوداع الأخير وزفرات الألم الكبير وصرخات الحزن العسير وشذرات الحب الوفير وذرات الدمع الغزير .. المترعة بأدعية نقية ساجدة حامده مستغفرة عابدة لرب الكون الكبير أن يغفر لك ويرحمك ويسكنك رياض جنته ويشملك بعفوه ورضاه. نم صديقي احمد في سباتك الابدى فكل نفس ذائقة الموت وان لله وان إليه لا راجعون.
وداعاً..وداعاً ..وداعاً.. حمد المسماري....