المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ثنائية الانعتاق والحضن

 

 
أفاق على قبلة طبعتها على جبينه، تبسّم وهو يحاول أن يفتح عينيه، حملق في وجهها، لمح بين ثنايا ابتسامتها فتاته التي عشقها يومًا، عاجلته بقبلة أخرى، همست: أحبك، أحاطته بذراعيها وهي تهمس: كل عام وأنت بألف خير، اليوم ذكرى زواجنا العاشرة، قام متثاقلا،اتجه إلى دولاب ملابسه، أخرج هديته إليها، تبسمت فرحة وهي تهم بفتحها.
كعادته جلس يحتسي قهوته في الشرفة، بعد أن أخذ حمامه اليومي، رمقها بنظرة مترددة، دق قلبها ونظراتها تستحثه على الكلام، تعرف تلك النظرة،وتعرف أن وراءها الكثير، تراجع في اللحظة الأخيرة،لم تلح، ابتسمت في رضا المغلوب على أمره، تعودت ألا تلح، قامت إلى المطبخ، تبعها بابتسامة باهتة، أطلق بصره عبر الشرفة، السحاب وخيالات البنايات التي تظهر متضاءلةعنبعد، تنهد، كيف سيفصح لها؟، يعلم مدى حبها له، هو أيضا، كان يعشقها، أو ربما لا يزال بداخله بعضًا من حبه لها، لكنه سئم، يريد أن ينعتق، أن يغير، أن يكسر روتين حياته الذي كبله طوال هذه السنين، لكن كيف؟، لقد جعلت منه محورًا لحياتها، تستمد بقاءها من وجوده بجوارها، ربما قتلها إذا أخبرها، لقد حدثته نفسه بأن يختفي، يهاجر بعيدًا، يسافر إلى غير رجعة، لكنه أشفق عليها من البحث و.. الحزن، وهاهو يشفق عليها الآن، إذا واجهها، كيف سيفهمها؟، كيف سيدافع عن نفسه؟ وكيف ستقتنع أنها ليست السبب؟، إنما هي نفسه التواقة للحرية.
خطرت له فكرة، لم لا يخبرها بعزمه على السفر لبعض الوقت؟، لكن ما حجته وإلي أين؟، حك رأسه وابتسامة رضا تعلو وجهه باحثا في ثنايا فكره عن كذبة منمقة تقنعها، نعم سأذهب لمسقط رأسي لتفقد أحوال الأرض الزراعية التي ورثتها، ولا أعلم عنها غير ما يأتيني من ريعها كل عام، حين أخبرها علت الدهشة وجهها وهي تسأله وما الذي ذكرك بها الآن؟، كان قد بدأ في إعداد حقيبة سفره، ساعدته وهي تسأله في هدوء عن المدة التي سيمضيها، تلعثم وهو يحاول أن يجد إجابة، تشعر به وقلبها يحدثها بأن هناك ثم أمر ما، ودعته بقبلة .
حين صافح وجهه هواء الطريق، شعر بسعادة غامرة،اتجه إلى أحد الفنادق، حين استقر في غرفته تنهد في ارتياح، همس في فرح: أخيرًا، تمدد فوق سريره، بقي على حالته المسترخية تلك حتى غلبه النعاس .
أفاق صباحًا على طرقات أيقظته، فتح عينيه محاولا استيعاب المحيط حوله، تذكر ليلة الأمس، قام متثاقلا، همس للواقف بالباب: أريد فطوري هنا، بعد أن فرغ من حمامه، وجد الفطور قرب الشرفة، أخذ نفسًا عميقا وهو ينظر إلى الأفق، تنهد في ارتياح ثم جلس، كل شيء يبدو جديدًا هذا اليوم، حين مد يده لإبريق الشاي تخيلها أمامه، تعرف كم قطعة من السكر يحب، ومقدار الحليب، تدرك من خلال نظراته إن كان يريد المزيد، طرد الخاطر وهو يهم بارتشاف أول رشفة، عادت صورتها تطاردهن وضع فنجانه، هب واقفا، هرول للباب، أطلق لقدميه العنان لا يعرف إلى أين تسوقه، شعر بالوحدة، لكنه حاول أن يستمتع بوحدته التي ينشدها منذ زمن، طالعته المحال بعروضها، أغلبها ملابس نسائية، يتذكر كيف كانت تنتقي ملابسها بعناية، وكيف كانت تحرص على استشارته في كل كبيرة وصغيرة، ها هي تعود إلى واجهة تفكيره من جديد، حاول التشاغل، صدمته رائحة عطر كالذي تستخدمه زوجته،قرر الفرار إلى مكان هادئ،قادته قدماه إلى نفس المكان الذي التقاها فيه أول مرة، مكانهما المفضل على مدار سنوات، حاول تغيير وجهته، كان النادل قد لمحه من بعيد وأقبل مهرولا ومرحبًا، قاده إلى طاولتهم المعهودة، وعيناه كلها تساؤل عن رفيقته الدائمة، لم يطق البقاء،هب واقفا . سار بهدوء متشاغلا بالحركة التي في الطريق، شعر بالجوع، مر بجوار المطعم الذي يرتادانه دومًا أسرع الخطي وهو يحاول طرد طيفها الذي يكاد لا يفارقه، هي من اختارت هذا المطعم يومًا، وقف أمام أحد مطاعم الوجبات السريعة، كانت دومًا ترفض هذا النوع من الأطعمة، وتذكره بأنه غير صحي،التهم طعامه في غير تلذذ، ضاق من نفسه كيف تسيطر على تفكيره إلى هذا الحد؟، يكاد يعايشها في كل لحظة، لمح من بعيد قهوة شعبية، لطالما حدثته نفسه بتدخين الشيشة، جلس بفرح طفولي إلى إحدى الطاولات، صاح طالبا شيشة وفنجانا من القهوة، بعد ساعة كان يهم بالمغادرة وآثار السعال لا زالت تخالط صوته .
حين بدأت الشمس رحلة الغروب، شعر بإرهاق لكنه لمح بعض الشباب يلعبون الكرة في إحدى الزوايا، ألقى بالسلام واندمج معهم في اللعب والركض، لم تسعفه لياقته، لهث بعد بضع دقائق، تنحى جانبًا، نظر إلى ملابسه وأطرق خجلا، تذكر كيف كانت تحرص على أناقته دومًا، أسرع إلى الفندق بدل ملابسه، فكر قليلا قبل أن تلمع عيناه: نعم إنها فرصتي لأذهب إلى الملهي الذي رغبت في دخوله دومًا، حين دلف لفه الدخان والضحكات الماجنة الآتية من كل صوب، حاول أن يبدو طبيعيا، أن يتكيف وهذا الطقس الاحتفالي الصاخب،خانته طبيعته الهادئة وميله إلى التأمل، فر خارجًا بعد بضع دقائق، لكزته غانية في كتفه وهو يهم خارجًا، نظر إليها في تقزز ووجهها الشيطاني الماجن يطالعه في برود، خطر له طيف زوجته وهدوؤها ووقارها، بجمالها الهادئ المشع طيبة،ازدرد ريقه وحث خطاه، تنفس الصعداء حين لفح وجهه هواء الشارع المنعش، حملته قدماه المتعبة عبر الطريق، سار على غير هدى، أرهقه التفكير، وجد نفسه من جديد أمام الفندق، صعد إلى غرفته، جلس على الأريكة واضعًا رأسه بين كفيه، دمعت عيناه،انخرط في بكائه كالطفل، جمع حقيبته، غادر الفندق .
حين فتحت له الباب احتضنها بعينيه، ارتسمت علامات الدهشة والرضا علي وجهها، حين دلفا إلى الداخل سألته: كيف وجدتها؟، أجاب هامسًا: لم أجدها، تعجبت وهي تردد: لم تجد الأرض؟،ابتسم وهو يقبل وجنتيها هامسًا: أظنني وجدتها هنا.



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."