سيد قطب
الأديب والمفكر والمصلح الإجتماعي"حياته"

في 09-10-1906م بقرية موشا في محافظة أسيوط وُلد سيد قطب بين أفراد أسرة شريفة في مجتمع قروي،كانت أسرته تحضى بمكانة مميزة داخل الأوساط القروية نظرا لقيمة والد سيد قطب ومكانته .. حيث كان إنسانا وجيها و حكيما وعضوا في بارزا في لجنة الحزب الوطني .. نهل سيد قطب من شمائل والديه الشيء الكثير .. فكان ومنذ صغره امرءاً واثقا من ذاته،نبيلا في تصرفاته وقويا في إرادته.ولج سيد قطب المدرسة في سن مبكرة وأتم حفظ القرآن الكريم في العاشرة من عمره .. تأثر رحمه الله بالظرف العامة السائدة في بلده وبلاد الإسلام والعالم كله .. تشبع بحب الوطن وزكَّت 1919 إحساسه بالإستقلال و حرية الإرادة ..
انتقل رحمه الله من القرية إلى القاهرة لإتمام دراسته .. فاطّلع على الأوضاع السائدة في حياة المواطن المصري عن كثب و بجلاء،كما خبٍِر قصايا زمانه و فقهها فقها سديدا،سواءا تلك المتعلقة ببلده او بالأمة ككل .. التحق سيد بمدرسة المعلمين،ولم يكد يتم ينتهي من دراسته حتى حتى تردت أحوال أسرته ،الأمر الذي دفع به إلى تحمل إعانتها و الإشراف على أمورها،فاضطر رحمه الله إلى العمل مدرسا ابتدائيا،لكن دون أن يضع حدا لمشواره الدراسي .. وقد حدث أن توفق في بلغ هدفه المنشود،حيث تخرج من دار العلوم سنة 1933 وعين موظفا في القطاع العام،لينقل بعدها إلى وزارة المعارف ثم يعين مفتشا في قطاع التعليم الإبتدائي سنة 1944 ثم يعود مجددا إلى الوزارة .. ويُذكر انه انضم إلى حزب الوفد في هذه المرحلة من عمره،الأمر الذي مكنه من أن يكون جنباً إلى جنبٍ مع الكاتب المشهور 'عباس محمود العقاد' وقد كانت هذه المرحلة بالنسبة لسيد قطب مرحلة صعبة حيث اضطرب فيها الرجلُ و أحس بالضياع –نتيجة لظروف مادية عصيبة ونتيجة لضغط الواقع والمحيط إبّان تلك الفترة –و لكن من دون أن يزيغ الرجل عن الظريق الذي و دون أن ينحرف إلى متاهات لا تحمد عقبى الإنجرار إليها،وقد كان للعقاد –بعد فضل الله وقدره –دوره البارز في مضي سيد نحو برِّ الأمان .. وشهدت هذه المرحلة نبوغا ملحوظا وملموسا للرجل في مجال النقد الأدبي حيث صدر له كتابان هما "كتب وشخصيات" و "النقد الأدبي، أصوله ومناهجه"ليسلك رحمه الله بعدها مسلكا فكريا جديدا هو دراسة النص القرآني .. وكان من إنتاجه حينها –في هذا الباب –"مشاهد القيامة في القرآن"و"التصوير الفني في القرآن".
وبعد ان خمدت الحرب العالمية الثانية،عمت مصر أوضاع سياسية و اجتماعية واقتصادية خطيرة .. الأمر الذي دفع بسيد إلى الإقتراب من جماعة الإخوان المسلمين،وهي الجماعة التي كانت وقت إذٍ أوضح الجماعات والأحزاب و المنظمات هدفا ورؤية ومنهجاً .. حيث كانت تدعو وتطالب بضرورة تحقيق العدالة والمساواة بين أفراد وطبقات الشعب وذلك انطلاقا من تحكيم شريعة الإسلام .. كما نافحت ودافعت عن الوطن في خضم الأزمات التي كان يدور في دوائرها و المكائد التي كانت تُحاك ضده من كل جانب .. وقد ساهم أيضا في اقتراب سيد من الجماعة حرب فلسطين الأولى عام 1948 .. هذه الأوضاع وغيرها دفعت بسيد قطب إلى استغلال قريحته وموهبته في الكتابة و كذا نظرته الشاملة والدقيقة للمشهد العام إلى تأليف كتابه القيم " العدالة الإجتماعية في الإسلام " ليرحل الرجل بعدها إلى أمريكا في بعثة علمية من وزارة المعارف للتخصص في التربية وأصول المناهج .. رحل سيد قطب فماذا وجد هناك ؟ وجد ما يصفه هو بقوله :" شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والإرتقاء، بينما في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى، بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك " فكان هذا دليلا قاطعا على عدم إعجاب سيد قطب بالحضارة الأمريكبة المادية لكونها لم تأت بأي قيم ومبادئ إنسانية جديدة .. ثم رجع الرجل إلى مصر بقناعة مفادها أن الإسلام هو الحل وأن الإسلام هو الضامن الرئيس لحياة راقية تعمها العدالة و المساواة والحرية و الأمن و الأمان والسلم والسلام،وأن الإسلام أولا و أخيرا هو الحضارة الإنسانية الفذة، كما لاحظ هناك –أي في أمريكا –كيف اهتزت الدولة فرحا و غبطة على المستوى السياسي و الإعلامي و الشعبي وعلى كل المستويات بعد اغتيال قائد الإخوان المسلمين "الإمام حسن البنا" رحمه الله .. وكيف أن أمريكا و إسرائيل و الغرب لا يرتاحون لهذه الحركة و لا يحبونها ولا يوثرون بقاءها في المنطقة وفي العالم كله .. فأيقن رحمه الله أن للإخوان المسلمين وكل الحركات الإسلامية المتزنة و القويمة دورا أساسيا في إعادة الحياة إلى كيان الأمة وجسدها .. لكن .. لم تمضي سنة واحدة على انضمام سيد قطب إلى الإخوان المسلمين حتى ألقي به في غياهب السجون رفقة الآلاف من إخوانه بتهمة محاولة اغتيال الرئيس .. فحكم عليه بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة ثم خفف الحكم الى 15 عاما يقضيها رفقة الإخوان وراء القضبان وتحت نير التعذيب و الظلم والخذلان .. وبعد مرور ماينيف عن عقد من الزمان أفرج عنه بعفو صحي .. لكن الأقزام اللئام ،عبدة الظلم والظلام ،وعاشقو السفك و الإجرام حق مرتكبوه في الأفذاذ الأعلام .. لم يرقهم أن يبقى سيد حرا طليقا .. الأمر الذي دفع بهم إلى اعتقاله من جديد وإحالته إلى المحاكمة و التعذيب .. فحكم عليه يوم 22-08-1966 بالإعدام .. لينفد الحكم بعدها في زمن قياسي .. في زمن غير قانوني .. في زمن لا يكفي حتى لتدوين الحكم وحيثياته وتبليغه للمعني بالأمر،لكن هي المؤامرة وقد حيكت خيوطها منذ أمد بعيد ..
وبعد أن صدر الحكم في حق سيد قطب قام العالم الإسلامي كله ولم يقعد .. وناشد القريبُ و البعيدُ الحكومة المصرية عدم تنفيد الحكم ،وحاول الكثيرون الوساطة و الشفاعة .. وأرسلت البرقيات والرسائل إلى ذاك الذي خطفته المنية دون سابق إنذار-أقصد الرئيس المصري- وإلى حكومته .. لكنهم لم يلتفتو ألى كل تلك الحناجر وكل تلك القلوب .. بل ذهبت بهم وقاحتهم وهمجيتهم وتماديهم في الطغيان إلى التسريع والتعجيل بتنفيد الحكم لتقام بعد ذلك صلاة الغائب على روح الشهيد في كافة أرجاء العالم الإسلامي ..و أذكر هنا أن سيد قطب رحمه الله أتم تفسير القرآن الكريم في السجن و التفسير بعنوان "في ظلال القرآن" و ألف في ظلمة الزنزانة وسوادِها ونتانةِ حِقدِ بانِيها و المشرفين عليها كتبا أخرى منها "هذا الدين" و " معالم في الطريق ".
بعد أن نطق بالحكم ابتسم سيد من وراء القضبان وعلِمَ أن رحلته إلى الدار الآخرة قد آن أوانها .. لكنه لم يكن يدري بأن ما ضحى من أجله من أفكار و مبادئ و قيم سيُستقبل من قٍِبل أبناء الأمة في العالم الإسلامي بواسع نظر ٍ و حسن ِ اهتمام .. حيث غدتْ كتبه محط َّ الدرس و المطالعة من قبل كل الناس .. وغدا رحمه الله في عيون الناس وقلوبهم و عقولهم خير قدوة و خير رمز وخير مثال للأديب و الناقد والمفكر المسلم الذي سيستشهد من أجل من أجل ماكان يدعو إليه من أفطار و مبادئ و قيم ضاربة في السمو و الشموخ والسموق استنبطها رحمه الله من الوحي الإلهي والهدي النبوي الشريف ..
رحل سيد دون أن يحضر تاريخ تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي .. وهذه الأخيرة كانت محطة تحققت عندها إحدى أفكار سيد قطب في التضامن والتآزر الإسلامي ولو كانت بشكل غير كامل .. هذا هو سيد قطب و هذه هي حياته فأين نحن –أخي ،أختي –من تقفي أثره و أخذ اللواء من بين يديه .. اللهم ارحم سيد قطب و ارحم كل من قرأ هذه السطور و ارحم كل أعلام الأمة وشهدائها الأبرار وارحم كل المسلمين أمواتهم وأحياءهم وكن مع إخواني وأخواتي في غزة وفي فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وفي السودان وفي كل مكان ولا تكن عليهم .. اللهم آويهم وأطعمهم وعافهم واكسهم وشافيهم واجبر كسرهم وفك قيدهم وارزقهم سعادة الدنيا و الآخرة ... يا رب .. يارب .. يا رب .. يارب هذا دعائي إليك ومنك الإجابة يا رب العالمين .. آمين .. والحمد لله رب العالمبن ..