محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قبل الاستقلال بعد الاستقلال: ما الفرق؟
تناقضات الاستقلال
زينب جلال الدين
"إن سرورنا لعظيم أيها السيد المحترم بارتقاء رجال مثلكم ذروة الحكم في البلاد الاسبانية الفخيمة التي تجمعنا و إياها روابط تاريخية لا تنسى مهما طرأ عليها من عدوان ذوي الغايات و الأغراض.
يجب أن نصرح أولا بتشبثنا بجلالة السلطان و سمو الخليفة الذي هو مز وجودنا، كما أننا متشبثون كل التشبث بأهداب الحماية التي نريد أن تكون علينا نعم الوصي في الأخذ بيدنا و تدريجنا في سلم القي و التقدم كي يمكننا أن نصير لها عونا صالحا و مساعدا قويا...............................".
كانت هذه بعض مقتطفات من رسالة أشرف عليها الأستاذ عبد السلام بنونة و مجموعة من المناضلين من الحركة الوطنية باسم أهالي منطقة الشمال القابعة تحت ( الحماية الاسبانية ) الاستعمار،
ما يمكننا أن نكتشف من هذا البيان هو ثلاث أمور مهمة، أولها هو وعي الحركة الوطنية بالتغيرات الحاصلة على المستوى الخارجي مما جعلها تسرع من طلب الإصلاحات من الرئيس الاسباني الجديد. الأمر الثاني هو الاقتناع بضرورة الانتقال من خيار المواجهة إلى المطالبة بالإصلاحات في التعليم و الصحة و الأوضاع الاجتماعية، الأمر الثالث هو الرغبة في إعادة تغيير الوسائل المؤدية إلى تحقيق النتائج الحقيقية في مسار البلاد و الاقتناع أكثر بنهج التغيير السياسي.
في الحقيقة و أنت تقرأ الخطاب تجد نفسك تتقزز بعض الشيء من جمل فيها الكثير من التنازلات، بطبيعة الحال لا يمكننا النقد هكذا من أجل النقد في حد ذاته، و لكن لماذا تصل الحركة الوطنية في آخر المطاف إلى هذه النهاية، التي كانت مبشرة بعد هزيمة المقاومة بالشرق المرتبطة بالمقاوم عبد الكريم الخطابي، و إذا كان الخيار التكتيكي يحتم علينا في مرحلة ما الحديث بلين إلى أن نتمكن، هذا كان سببه واضحا في السابق هو الاقتناع بأن البلاد لا زالت تحتاج إلى تعليم و تأهيل أبنائها بشكل أكبر، و الحركة الوطنية تعلم أنها لن تستطيع وحدها تحقيق هذا كله. و لكن، بعد مرور سبعين عاما على المذكرة، فهل تحققت هذه الطموحات، يمنكم طبعا الإجابة.
إذا اعتقدنا بداية أن هؤلاء المناضلين الذين رفضوا أن يوالوا الاستعمار كما فعل الأعيان و اقتنعوا كحركة شبابية بالنضال عن طريق المؤسسات، ثم أنهم كانوا مخلصين في عملهم ذاك و يفقهون واقعهم، فمن الذي غير المسار و جعله يمضي في طريق الاستقلال السريع دون تحقيق الوعي الحقيقي و المطالب المشروعة للمجتمع، اللهم تخريج جنود من الشباب الذين سيكون التغير على يدهم هذه المرة في أواخر الخمسينيات باسم التقدمية.
في الحقيقة لست أعرف كيف بط دماغي بين هذه الكلمات و كلمات أخرى بعد ثلاثين سنة، للأستاذ عابد الجابري، يتحدث فيها عن الثورة و النضال الحقيقيين "لقد انتهى الصراع داخل حزب الاستقلال إلى انتفاضة 25 يناير" من سنة 59 .
من بين أقول بيان المؤتمر:
· يستنكر التسامح الخطير الذي يقابل به بعض أعضاء الحزب على اختلاف درجاتهم رغم أن سلوكهم في الحكومة أو الإدارة أو الهيئات السياسية قد مس مسا كبيرا بالمصلحة الوطنية أو بحقوق الناس و بالتالي بسمعة الحزب.
· يهيب بسائر المخلصين لمقومة حملة التضليل و البلبلة.....................و بذلك تتجند الجماهير للنهضة المباركة التي تفرضها المرحلة الحاسمة في سير البلاد نحو تحقيق الأهداف الوطنية للتحرر من القيود العسكرية و الاقتصادية و بناء صرح ديمقراطية واقعية.
تمر العقود و الأجيال بعد الأجيال، و لم نقتنع بعد بوقفة مع الذات صادقة، لنمسك أقوال السابقين و نقارنها بأفعالهم بعد حين من ذكرها، الحمد لله أن الكل مكتوب و مهما عتم العلم سيظهر يوما بل هو ظاهر لمن أراد البحث، التنازل أو الصبر على أشياء لتحقيقها يتطلب منا إستراتيجية و عطاء و تعاونا و ليس تشتتا، و يا ترى ما الرابط بين ثورة هؤلاء في المغرب و آخرين في المشرق، نعم الاستقلال لم يهنأ له بال بعد خروجه حتى ترك أحزابا على منواله، ظاهرها النضال، و باطنها مبنية على أفكار ليست منا، أليس بإمكاننا التغيير من الداخل، أم نحن دائما مضطرون إلى الشرخ باسم التعددية و الحريةـ فسرعان ما يظهر الزمن و وقوفنا على أرض غير صلبة، أظن أن الاستقطاب الكبير للأطر من طرف الحزب المناضل الجديد كان السبب في إحداث نزيف لحزب الاستقلال، إضافة إلى وفاة جل المناضلين فيما بعد جعل الطريق سهلا أمام الأعيان و من باعوا ضميرهم ليكونوا أعوان النظام و مصالحهم الذاتية.
علينا أن نتدارس في المرحلة المقبلة جيدا كيف نشتغل سياسة الرسول عليه الصلاة و السلام في التعامل مع أقوياء عصره حتى يتحقق التمكين، في نفس الوقت مع عدم إغفال البناء الحقيقي للعقول التي تكمل المسير و تساهم فيه.
|