محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عندما يُعلق "الطّــابْــلُـو"
مشهد رؤية التلاميذ يتدافعون تحت سبورة النتائج المعلقة وأياديهم على قلوبهم خشية ألا يعثروا على أرقامهم ضمنها.. ومشهد انقسام هؤلاء إلى فئتين: فئة مبتهجة بالنجاح وأخرى حزينة على فشلها.. ومشهد امتزاج أصوات الهتاف بالنواح... كلها مشاهد عادت بي إلى الوراء وأنا أطوف عصر أول أمس على بعض الثانويات بالدار البيضاء لرصد أجواء إعلان نتائج امتحانات البكالوريا.
كم هو صعب جدا ذلك اليوم، يوم الإعلان عن النتائج. كنا نرابض أما باب الثانوية قبل أن تُعلق سبورة النتائج. كان منا من يقطع "إجازته" ليحضر ذلك اليوم ويطلع على نتيجة مجهود عام كامل من الدراسة.
بعد تعليق النتائج ينتشر الخبر بين التلاميذ بسرعة فائقة عن طريق المكالمات أو الرسائل القصيرة.. فتتقاطر السيارات والدراجات أمام باب الثانوية، وسرعان ما يتحول المكان تارة إلى ما يشبه عرسا تتخلله ابتهاجات الناجحين وزغاريد الناجحات وهم يتبادلون التهاني ويعانقون بعضهم البعض.. وتارات أخرى يصبح المكان مثل مأتم تسْوَدُّ فيه وتكفَهِرّ وجوه الذين لم يعثروا على أرقامهم الوطنية مسجلة على سبورة النتائج، ويسقط بعضهم مغشيا عليه من هول الصدمة، وفي أحسن الأحوال هناك من يذرف دموعه في صمت وينصرف مطأطأ الرأس بخطوات متثاقلة وفي قلبه من الأسى والحزن ما يجعله يتمنى أن تنشق الأرض وتبلعه…
يوم الإعلان عن نتائج الامتحان –بالنسبة لي- أصعب من اجتياز الامتحان نفسه، لذلك كنت أحاول نسيان هذا اليوم وأتفادى التفكير فيه خلال الفترة التي تسبقه.
وأذكر أن أول شيء أفعله رفقة بعض زملائي بعد خروجنا مباشرة من آخر مادة في الامتحان، هو أن نتوجه نحو فضاء طبيعي نُرفّه فيه على أنفسنا ونتخلص من عقدة الامتحانات. وكان بعضنا يستخدم مع نفسه شيء من "تحراميات". فمنا من كان يتقرب إلى الله قبل الامتحان وأثناءه ويدعوه بأن يُعينه ويسدّد خُطاه ويسهل عليه الأسئلة ويجعله ضمن الناجحين الأولين.. ومنا من كان يطلق لحيته ويظهر التقوى والورع ويلازم المساجد ويؤدي الصلوات في أوقاتها ويكثر من النوافل ويصوم ويتصدق على الفقراء.. لكنه بعد الامتحان ينسى كل ذلك ويتراجع ويخاصم المساجد ويُقبل على اللهو والمرح...
غير أن تلك الفرحة لم تكن تكتمل. فكل ذلك الضحك والمرح نتصنعه فقط لننسى أمر الامتحان، لكن سرعان ما نتذكر أن غدا أو بعده سيعلق "الطابلو" وحينها سـ"يُـفْرَشُ" كل شيء ويظهر كل منا على حقيقته. كنا طوال تلك الفترة نتفاءل بأننا سننجح إن شاء الله. ونحاول إقناع أنفسنا بأن لا داعي إلى الخوف من الفشل، وأن الرسوب في الامتحان ليس نهاية الدنيا، والذي يُكتب عليه أن يكرر السنة ليس فاشلا ولا مجرما.
كان معنا أحد الظرفاء، جاء حاملا معه نصف كيلوغرام من البصل، وجلس فوق جدع شجرة زيتون هناك وظل يرقب سقوط ضحايا مغميا عليهم ليقدم لهم "الإسعافات الأولية" بوضع شرائح البصل على أنوفهم كما دأب على ذلك الجميع في مثل هاته الحالات.
من حسن حظ الجيل الجديد من "الباشوليين" أنهم لم يعودوا في حاجة لقطع إجازاتهم والمجيء إلى أبواب الثانويات ومد رقابهم تحت "الطابلوات" بحثا عن أرقامهم، وأن يتعانقوا بعد ذلك أو يسقطوا مغشيا عليهم.. فاليوم أصبح بإمكانهم الإطلاع على نتائجهم إما بواسطة الانترنيت أو الـsms، وذلك لتفادي الزحام أمام المؤسسات التعليمية وقت عرض النتائج، بالإضافة إلى تمكين الطلبة من التعرف على نتائجهم عن بعد.
هكذا صار –إذن- باستطاعة كل "باشوليّ" أن يطلع على نتيجته بينه وبين نفسه، وأينما كان. لكن في حالة ما إذا "سخف" لا قدر الله، فمن يا ترى سيُسعفه بشرائح البصل؟!
|