محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
صبرا وشاتيلا في الداكرة
تحل اليوم الذكرى 25 لمجزرة صبرا وشاتيلا والتي قضى فيها الآلاف من الاطفال والنساء والشيوخ والضحايا الفلسطينيين ما بين قتيل وجريح. وهي المجزرة التي يصعب سرد وقائعها خصوصا وانها احتوت على وقائع ومشاهد تتفطر لها القلوب و تتعجب من هولها العقول. ولكن ساحاول فيما يلي تلخيص تلك الوقائع كما ساورد في نهاية هذا السرد صورا و شهادات حية من موقع عرب تايمز.
في ليل السادس عشر من يوليو "شتنبر" من سنة 1982 دخلت القوات اللبنانية، وهي فصيل مسيحي مسلح من فصائل الحرب الطائفية اللبنانية، بقيادة إيلي حبيقة مسؤول جهازها الأمني والمعلوماتي في جنح الظلام إلى المخيمين فيما تولت القوات الإسرائيلية التي كانت تحيط بالمخيم دور غطاء التأمين والحماية للمسلحين القواتيين. وقد كان هناك تنسيق بين الجانب القواتي اللبناني والجانب الإسرائيلي الذي كان وزير دفاعه آنداك هو آرييل شارون فيما كان رفائيل إيتان رئيس الأركان.
وبدأت بعد ذلك المدبحة الشنيعة حيث قام المسلحون باستهداف كل ما يتحرك في المخيمين و حاصر الجيش الإسرائيلي كل الهاربين والفارين وارغموهم على الرجوع. فثمت تصفية النساء والشيوخ وحتى الأطفال الذين لا يتجاوز عمرهم 3 او 4 سنوات. لقد كانت بحق من أشنع المدابح التي عرفها التاريخ حيث قام المسلحون بجرائم يندى لها الجبين الإنساني وقد تفننوا في تعديب الضحايا قبل الإجهاز عليهم حيث قطعوا أعضاء البعض أحيائا وبقروا بطون النساء وأعدموا الرجال في الشوارع كل ذلك جرى في صمت رهيب حيث انهم لم يستعملوا البنادق الآلية إلا نادرا وذلك لكي لا يوقضوا أهالي المخيم فيحاولوا الفرار.
وقد أسفرت المجزرة عن سقوط الآلاف بين قتيل وجريح فيما لم يحدد بالضبط عدد القتلى حيث أن الجانب اللبناني أشار في تقرير لأسعد جرموس المدعي العسكري اللبناني آنداك إلى سقوط 450 ضحية فيما أشارت تقارير مخابراتية صهيونية وأمريكي الى سقوط ما بين 800 إلى 1000 قتيل. وتبقى هذه الارقام قليلة مع ما يرويه وشهود العيان من الناجين و الصحافيون والمصورون والاطباء الذين دخلوا لمعاينة الضحايا حيث يؤكدون على ان أرقام القتلى تزيد عن 2000 إلى 3000 وربما أكثر.
وهذه بعض الشهادات لمن كتب الله لهم النجاة من تلك المجزرة الرهيبة :
يقول ماهر مرعي وهو يصف تلك المأساة (رأيت عشرات الجثث أمام الملجأ القريب من بيتنا. ظننت في البداية إن القصف قضى عليهم. بدأ القصف بعد مقتل بشير الجميل، كنا في المخيم خائفين من قدوم الكتائب والانتقام منا، لم ننم تلك الليلة وكان الحذر يلف المخيم).
ثم يضيف (رأيت الجثث، أمام الملجأ مربوطة بالحبال لكني لم افهم، عدت إلى البيت لأخبر عائلتي، لم يخطر في بالنا أنها مجزرة، فنحن لم نسمع إطلاق رصاص، اذكر أني رأيت كواتم صوت مرمية قرب الجثث هنا وهناك، ولكني لم أدرك سبب وجودها إلا بعد انتهاء المجزرة. كواتم الصوت "تتفندق" بعد وقت قصير من استخدامها، ولذا يرمونها.
بقينا في البيت ولم نهرب حتى بعد أن أحسسنا أن شيئا مريبا يحدث في المخيم. رفض والدي المغادرة بسبب جارة أتت للمبيت عندنا، وكانت أول مرة تدخل بيتنا. زوجها خرج من المقاتلين على متن إحدى البواخر ولم يكن لديها أحد، فقال أبى لا يجوز أن نتركها ونرحل. كان اسمها ليلى. كانت الجثث التي رأيتها أمام الملجأ لرجال فقط. ظننا أنا ووالدي أن الملجأ كان مكتظا فخرج الرجال ليفسحوا المجال للنساء و الأطفال بالمبيت واخذ راحتهم، فماتوا بالقصف. كنت ذاهبا يومها لإحضار صديقة لنا - كانت تعمل مع والدي - تبيت في الملجأ. كانت تدعى ميسر. لم يكن لها أحد هي الأخرى. كان أهلها في صور و أراد أبي أن أحضرها لتبيت عندنا. قتلت في المجزرة مع النساء و الأطفال. رأيت جثتها في ما بعد في كاراج آبو جمال الذي كان الكتائبيون يضعون فيه عشرات الجثث، بل المئات. كان المشهد لا يوصف !!!
عندما دخل الصهاينة إلى بيروت الغربية كنا نعتقد أن أقصى ما قد يفعلونه بنا هو الاعتقال وتدمير بيوتنا، كما فعلوا في صور وصيدا وباقي الأراضي التي احتلوها. اذكر أني ذهبت صباح يوم المجزرة - وكان يوم الخميس في 16 أيلول - مع مجموعة كبيرة من النساء والأطفال لإحضار الخبز من منطقة الاوزاعي سيرا على الأقدام (كان عمري 14 عاما). كنا "مقطوعين" من الخبز وليس لدينا ما نأكله. رفض أصحاب الأفران يومها أن يبيعونا، كان الخبز متوفرا ويبيعونه إلى اللبنانيين فقط مع أنه كان متوفرا بكثرة. عدنا إلى المخيم فلم نستطع الدخول، إذ كانت الطرقات المؤدية إلى المخيم جميعها مقطوعة، وكان الصهاينة يقنصون من السفارة الكويتية باتجاه مدخل المخيم الجنوبي. عند تقاطع هذا المدخل وبئر حسن، كان هنالك قسطل مياه مكسور، وكان أهالي المخيم يعبئون منه الماء رغم القنص. رأيت عند قسطل المياه "إسرائيلياً" من أصل يمني يقتل فتاتين فلسطينيتين، لأنهما وبختا فلسطينيا أرشد "الإسرائيلي" إلى الطريق التي هرب منها أحد الذين يطاردونهم، هكذا قالت أم الفتاتين التي كانت معهما وهربت عند بدء إطلاق الرصاص. حاول أهل المخيم سحب الفتاتين فقتل رجلان وهما يحملان جثتيهما، - قنصهما الصهاينة من السفارة - ثم ما لبث أهل المخيم أن سحبوهما بالحبال. يومها رأيت ارييل شارون في هليكوبتر أمام السفارة، أحسست أنه قائد صهيوني كبير، لم أكن أعرف من هو إلا بعد أن رأيته على شاشات التلفزيون بعد انتشار أخبار المجزرة.
تمكنا بعد ذلك من العودة إلى المخيم في المساء كانت القذائف المضيئة تملا سماء المخيم، هنا، بدأ صوت ماهر يرتجف عندما اخذ يخبرني ما حصل في بيتهم تلك الليلة - أي الخميس وهو أول يوم في المجزرة. قال ماهر:"عندما أخبرت والدي عن الجثث، طلب منا أن نلزم الهدوء و ألا نصدر أي صوت، تتألف عائلتنا من 12 شخصا، ستة صبيان و أربع بنات و أبي و أمي . كان أخواي محمد واحمد خارج البيت وهما اكبر مني سنا. الباقون كانوا في البيت وكانت جارتنا ليلى عندنا. قرابة الفجر، صعد أخي إلى السطح مع ليلى كي تطمئن على بيتها. كان النعاس قد غلبنا أنا و أبي - إذ بقينا ساهرين ننصت إلى ما يجري في الخارج ونسكت أختي الصغيرة التي كانت تبكي من وقت لآخر.
لم نشعر بصعود ليلى وأختي إلا عندما نزلا. كنتا خائفتين فقد رآهما المسلحون. ما هي إلا لحظات حتى بدأنا نسمع طرقا عنيفا على الباب. عندما فتحنا لهم اخذوا يشتموننا و أخرجونا من البيت ووضعونا صفا أمام الحائط يريدون قتلنا. أرادوا إبعاد ليلى إذ ظنوا أنها لبنانية لأنها شقراء، وابعدوا أختي الصغيرة معها لأنها شقراء هي الأخرى وظنوا أنها ابنة ليلى !
رفضت ليلى تركنا، و أخذت أختي تصرخ وتمد يديها إلى أمي تريد "الذهاب" معها، كان عمرها أقل من سنتين وكانت ما تزال تحبو، في تلك اللحظة، كان جارنا حسن الشايب يحاول الهرب خلسة من منزله، فأصدر صوتا وضجة أخافتهم.
كان هناك شاب من بيت المقداد يطاردهم ويطلق عليهم النار ويختبئ، كان اسمه يوسف، لمحته تلك الليلة عدة مرات، اعتقد أنهم ظنوا في تلك اللحظة أن الضجة صادرة عنه، لذا أدخلونا إلى البيت وهم يكيلون لنا الشتائم، طلبوا من والدي بطاقة هويته، وما أن أدار ظهره ليحضرها حتى انهال الرصاص علينا جميعا كالمطر لم أعرف كيف وصلت إلى المرحاض واختبأت فيه وفي طريقي إلى المرحاض وجدت أخي الأصغر إسماعيل فأخذته معي و أقفلت فمه. رأيت من طرف باب المرحاض كل عائلتي مرمية على الأرض، ما عدا أختي الصغيرة. كانت تصرخ وتحبو باتجاه أمي وأختي وما أن وصلت بينهما حتى أطلقوا على رأسها الرصاص فتطاير دماغها وماتت.
إسماعيل وأنا لم نتحرك. لزمنا الصمت فترة. لم أعد أستطيع التنفس، فحاولت بلع ريقي لاستعادة تنفسي وكنت مترددا في فعل ذلك. إذ كنت - عادة - أصدر صوتا عندما أبلع ريقي وخفت أن يسمعوا الصوت ويأتوا لقتلي. وبالفعل، عندما فعلت كان صوت البلع مسموعا من شدة السكون الذي سطر على البيت لكنهم لم يسمعوني، فقد خرجوا بعد أن نفذوا جريمتهم. كان كل شيء ساكنا، أمسكت الباب كي لا يتحرك لأنه كان يصر - في العادة - صريرا. خفت أن يسمعوه فيعودوا ورحت أحركه ببطء شديد. كما اعتقدت أنهم ربما لاحظوا غيابي وأنهم سيعودون لقتلي. لذا انتظرت بعض الوقت، وعندما تيقنت من خروجهم وعدم عودتهم خرجت من المرحاض و أبقيت إسماعيل فيه. بدأت أتفقد عائلتي. والدتي تظاهرت بداية بالموت وكذلك أختاي نهاد وسعاد، ظنا منهما أني كتائبي . ولكن، والدي وباقي أخوتي "الخمسة" وليلى كانوا جميعا أمواتا ، كانت أمي مصابة بعدة طلقات وكذلك نهاد وسعاد.
أمي ونهاد تمكنتا من الهروب معي وإسماعيل، بينما سعاد لم تستطع لأن الطلقات أصابت حوضها وشلت. تركناها وخرجنا لإحضار الإسعاف - يا لسذاجتنا- ولم نكن نعرف ماذا ينتظرنا في الخارج، الذين دخلوا إلى بيتنا كانوا خليطا من القوات اللبنانية وقوات سعد حداد، إذ كان بينهم مسلمون ولا يوجد مسلمون إلا مع سعد حداد. عرفنا أنهم مسلمون من مناداتهم لبعضهم. كان بينهم من يدعى عباس و آخر يدعى محمود.
بعد خروجنا من البيت تهنا عن بعضنا البعض. بقيت أنا وإسماعيل معا، واخذوا يلاحقوننا من مكان لأخر. أخذت انبه الناس لما يجري، فكثيرون كانوا ما يزالون في بيوتهم، يشربون الشاي ولا يدرون بشيء. اختبأنا في مخزن طحين ثم ما لبثوا أن اكتشفوا أمرنا فهربنا مجددا. أطلقوا الرصاص علينا، هربت وعلق إسماعيل ولم يجرؤ على عبور الشارع كان في الثامنة من عمره، عدت إليه و أمسكت بيده وهربنا معا. ثم ما لبثنا أن وجدنا جمعا حاشدا من النساء والأطفال كانوا يجرونهم إلى المدينة الرياضية حيث يتمركز "الإسرائيليون" فانضممنا إليهم".)
أما نهاد أخت ماهر والتي كانت في الخامسة عشرة من عمرها في ذلك الوقت. وهي الآن هي متزوجة ولديها ستة أطفال، فقد قالت ( أنها كانت تحمل أختها الصغيرة على يدها عندما بدأ المسلحون بإطلاق النار"لا أعرف كيف سقطت من يدي، أصيبت بطلقة في رأسها وأنا أيضا وقعت على الأرض . أخذت أختي تحبو – و تفرفر - باتجاه أمي وهي تصرخ ماما.. ماما.. أطلقوا الرصاص على رأسها فسكتت على الفور. جارتنا ليلى كانت حاملا. عندما أصيبت بدأ الماء يتدفق من بطنها، وماتت. تظاهرت بالموت، وبعد خروجهم بقليل - لا أدري بكم من الوقت - بدأت أتفقد الجميع . فهمست لي أمي : ارتمي وتظاهري بالموت قد يعودون.
أجبتها لا آبه، فليعودوا ! عندها خرج ماهر - وإسماعيل في ما بعد. كنت أظنهما ميتين. ما أن رأيت ماهر ارتميت على الأرض، فقال : لا تخافي أنا ماهر. عندها اطمأننت أنا ووالدتي، وقمنا لحمل أختي سعاد ومساعدتها على النهوض فلم نستطع . لقد كانت مشلولة. طلبت من ماهر وإسماعيل أن يهربا إلى خارج المخيم وأن يركضا بأقصى سرعة حتى لو أضعنا بعضنا. لم يكن معنا مال، إذ أخذوا كل مالنا. كان لدينا عشرون ألف ليرة خبأناها في "كيس حفاضات" أختي الصغيرة، رغم أني تظاهرت أنه مجرد كيس حفاضات ! كان المسلحون يتكلمون بالعربية، لكن البعض منهم لم يتكلم على الإطلاق، كانوا شقرا، وعينوهم زرقاء، عندما هربنا، أضعنا ماهر وإسماعيل وبقيت مع أمي على أمل أن نذهب إلى مستشفى غزة لإحضار إسعاف إلى سعاد. أخذنا نتنقل من بيت إلى آخر ونحن ننزف. كثيرون لم يصدقوا في البداية أن مجزرة تحدث في المخيم، إلا عندما رأونا مصابين والدم يغطينا. وصلنا إلى مستشفى غزة فوجدنا أخوي الكبيرين أحمد ومحمد هناك أمام المستشفى. كانت الناس تتجمع عند مدخل المستشفى. كانوا يصرخون والرعب يسيطر عليهم.)
على كل حال تبقى هذه الذكرى الحزينة عارا في وجه الإنسانية وفي وجه العرب والمسلمين الذين تفرجوا على مشاهد ضحايا صبرا وشاتيلا كما تفرجوا قبل ذلك على مجازر دير ياسين وكفر قاسم وكما تفرجوا بعد ذلك على مدابح قانا الأولى والثانية وجنين وهاهم اليوم يتفرجون على مئاسي الحرب الاهلية في العراق والحصار الفلسطيني ومعاناة الافغان وغيرها من النكبات التي توالت على الامة الاسلامية.
ويبقى الحال على ما هو عليه ........
وهذه بعض الصور للمأساة
ويبقى الحال على ما هو عليه ........
ويبقى الحال على ما هو عليه ........
ويبقى الحال على ما هو عليه ........
|