المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
يوم من أيام الله ...

 

 

 

 

اندهشت  وأنا أقرأ عن إحدى معارك المسلمين ..والتي ربما يجهلها الكثير

من أبناء جيلي .. الذي شد انتباهي واستغرابي في هذه المعركة إنها لا تزال تدرس في

 الكليات العسكرية الغربية إلى الآن .. يعرف شبابنا عن نابليون وأمثاله ولا يعرفون

 معشار مع لا يعرفونه عن معاركنا البطولية التي لا يزال الغرب يدرسونها في كلياتهم ...

المعركة  اسمها (موهاج ) ... حدثت في ظلال الدولة العثمانية ...درع الإسلام المفقود

والذي كتب عنها هو الدكتور عبدالحميد الدخاخني .. بإسلوب شائق... جعلني أعيش

 جو المعركة ..أجبرني أن أقرأ مقاله من البداية إلى النهاية دون أية ملل .. يقول  إن كثير

من المثقفين وأنصاف المثقفين إذا ذكرت الدولة العثمانية (دولة الخلافة الأخيرة ) بادروك

بالقول بأن الدولة العثمانية هي سبب المصائب والتخلف الذي نحن فيه غارقون ..كما إنها

السبب الأول في تدهور قوتنا وابتعادنا عن روح العصر وتحدياته ...ولم يعطوا لأنفسهم

 فرصة للتثبيت مما دسه وروجه أساطيل ودهاقنة الشر وأعداء وحدة الأمة وتقارب المسلمين

..بل وحتى في إعلامنا و مدارسنا  لم ندرس هذا التاريخ المجيد ..ملئوا عقولنا

 ونفوسنا بخزعبلات مكذوبة عن الباشا التركي الهزلي الذي يتجبر على المستضعفين

والمساكين من العرب ؟؟ صورة كاذبة حقيرة لم ترسم إلا في خيال مريض أو من قبل

الجيش الخفي الذي يدأب آناء الليل والنهار لحفر الأخاديد بين الشعوب المسلمة وتعميق

الكراهية بين أمة الإسلام وخاصة الشباب .. حتى لا يحلم أحد بجمع الأمة مرة أخرى ..

فقد كان أثر اجتماع الأمة ما حدث في ( موهاج) التي لن ينساها الغرب أبداً ..

 

 للحق فإن تاريخ العثمانيين ليس هو تاريخ الملائكة المنزلين ..

ولا تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين ..ولكنه تاريخ إسلامي مشرف ينبغي لكل أجيالنا

 أن تعرفه وتتمثله ..فتاريخنا الحالي مرهون بالماضي ...كثير من المسلمين اليوم

يظن إن الحملات الصليبية هي الحملات التسع المشهورة على البلاد العربية فقط ..

ولا يعلمون إن الدولة العثمانية صدت منذ القرن الرابع عشر الميلادي ما يزيد

عن خمس وعشرين حملة صليبية دموية ..رحم الله العثمانيين ..فقد كانوا درعا للإسلام ..

 

لننطلق الآن ليوم من أيام الله ..حيث كان الإسلام حيا في النفوس ...وعلى أساس الإسلام

تبني الدولة في كل شؤونها ..فلننطلق لعصر السلطان (سليمان القانوني ) .. لن أتحدث

عنه ولا عن كيفية توليه العرش ولا عن بداياته ...بل سأطرق لأحداث المعركة كي لا

 يمل قارئ  مدونة (نبض الأيام ).. سأحاول أن أختصر..

(لاننسى إن هذه المعركة لا تزال تدرس في الغرب إلى الآن)  .. لنبدأ ...

 

في السنة السادسة من حكم سليمان القانوني 1526م (هذا الذي لا يعرفه الكثير من شبابنا )

 كان الغرب الأوروبي يتشكل ككتلة عجيبة ..كان أقوى ملك في أوربا هو شارل

 الخامس (شارل كوان) وهو حفيد فردينان وإيزابيلا اللذين قاما بطرد المسلمين

 في الأندلس ..كان شارل الخامس يحكم أسبانيا وبعض البلدان في الأراضي الواطئة

 (من هولندا وبلجيكا وجوارها ) ..ونصف إيطاليا الحالية ...ويحكم أخوه باسمه كل النمسا

 وألمانيا ..وكانت أخواته متزوجات من ملوك : فرنسا , المجر , بولندا , وليتوانيا ,

 والسويد ....وهكذا تهيأت أوربا لتكون مسرحا قويا لحرب الإسلام ..وشوكة تهديد ..

واستعمار لكل الشمال الأفريقي وأغلب بلاد العالم المعروف آنذاك ..

 

رأى السلطان سليمان وإدارته إن أخطر حلقة في العقد الجهنمي الذي يتكون في

أوربا هي دولة المجر التي تجاور الدولة العثمانية وتصل حتى حدود البوسنة حاليا

..حيث كان ملك المجر بلا وريث (لايوش الثاني )..فإذا مات أو قتل فسرعان ما تؤول

مملكة المجر الضخمة لهذا الحلف الأوروبي المتناسق ...

وكان القرار أنه لا بد من فتح المجر وضمها إلى للخلافة العثمانية ..أو تولية من يحفظها

من الانضمام للغرب الأوروبي ويتبع الدولة العثمانية حتى لا تكون مصيبة على المسلمين

...في ذلك الوقت كانت الحملات العثمانية لا تستطيع أن تخوض المعارك في أوربا

إلا في أشهر الصيف ..خاصة يونيو ويوليو وأغسطس ... ولكن السلطان سليمان خرج

بجيشه البالغ تعداده مائة ألف جندي في شهر إبريل ...من عاصمة ملكه (إستانبول) ..

وخرج معه مئات من السفن العثمانية النهرية الرفيعة ..تسير في الدانوب ..وتوصل المؤن

للجيش المجاهد ...وكان من تجهيزات الجيش العثماني ثلاثمائة مدفع ...

 

ففي ذلك الوقت كان المسلمين هم من يمتلكون أحدث الأسلحة ..نعم !! كنا نحن الذين

نمتلك التقنية المتفوقة والتكتيكات الحربية الرائدة ...وبينما لم يكن الأوروبيين يستعملون

المدافع في الحروب ...كانت الدولة العثمانية تستعمل هذا السلاح بحذق ومهارة شديدين

وصل السلطان إلى نهر الدانوب (الطونة بالعثمانية) .. وكان إحدى مشكلات الحملات

العثمانية في أوربا هذا النهر..لسعته وتياراته وصعوبة عبوره ..

أمر السلطان ببناء جسر حجري لعبور الجيش ..فتم بنائه في أربعة عشر يوما ..

فعبر الجيش المجاهد عليه أربعة أيام ..ولما تم العبور بسلام ..

أصدر السلطان أمرا عجيبا ً ...إذ أمر بهدم الجسر بنار المدفعية ...

أتعرفون ما معنى هذا ؟؟؟ ..إنه يعلن لكل الجنود أننا لن نعود منهزمين ومتعجلين ...

إما ( النصر) فلا مشكلة في إعادة بنائه ...وإما (الشهادة ) فما عند الله خير وأبقى !..

 

بعد عبور النهر صعد السلطان إلى بلغراد التي كان قد فتحها قبل أعوام .. وإستقبل

تهنئات وتبريكات عيد الفطر في بلغراد ...ثم واصل صعوده في أوربا الوسطى ..

حتى سهل (موهاج) المجري ...ويقع جنوب شرق العاصمة بودابست بحوالي

مائة وثمانين كيلو مترا ..وكان الجيش المجري من أفضل جيوش أوربا الصليبية

في ذلك الوقت ..وتعداده مائتا ألف فارس ومقاتل .. منهم أربعين ألفا من أفضل

القوات الألمانية المختارة .. وفوق كل ذلك كان هناك الحماس الغربي الصليبي

المتقد ...كان الجيش المجري يدافع عن دولة عريقة وسلالة حاكمة قديمة ...

فالعرش المجري كان عمره ثمانياً وثلاثين وستمائة سنة كاملة ... فهي إمبراطورية

راسخة ..وكان الفرسان المجريون مشهورين بشجاعتهم وبسالتهم وشدة بأسهم ..

تدارس القادة العثمانيون الأكفاء مع السلطان الخطة التي ينبغي عليهم سلوكها ..

وقد أخبرت فرق الاستطلاع أن السهل محاط بمستنقعات واسعة من بقايا أمطار

الصيف ..ففي أوربا الوسطى تمطر السماء صيفا أيضا ..

 

أراد العثمانيون أن يستفيدوا من هذه المستنقعات ..فرسموا خطتهم بحيث

يستدرجون الفرسان المجريين إلى مدى المدافع ..مع الحفاظ على كتل الجيش

المجري بدون انتشار.. حتى تستطيع المدافع إصابتهم بأعنف الضربات

وأكثرها مفاجأة ...وكانت الخطة ينقسم الجيش العثماني كالعادة إلى ميمنة

وميسرة وقلب ...ففي القلب يقف السلطان مع أفضل الجنود وأشجعهم ...

وهم الإنكشارية (الجند الجديد ) والذين كانوا رعب أوربا لما يقرب ثلاثة

قرون .. ويكون وقوف السلطان براياته وعلاماته أمام المدافع ..حتى إذا

اندفعت القوات المجرية إلى ساحة الوغى وتوجهوا لقلب الجيش الإسلامي

واقتربوا , عندئذ تتراجع صفوف الإنكشارية والسلطان إلى ما خلف المدافع

, ثم تطلق المدافع بأقصى طاقتها ..حتى إذا تشتت الصفوف المجرية

اندفع جناح الجيش الإسلامي ودفع ما تبقى من القوات المجرية إلى المستنقعات .

..كانت التوقيتات في التواريخ العثمانية بأوقات الصلاة ..دخل السلطان

عند صلاة الصبح كذا ..وبعد صلاة العصر فعل كذا وكذا ... لبس السلطان

درعه في صلاة الصبح ..ثم دخل إلى صفوف الصاعقة وهي القوات المسلمة

التي القادمة من إمارة القرم والبحر السود الذي ظل بحيرة إسلامية حتى نهايات

القرن الثامن عشر الميلادي ..وكانت هذه القوات –الخيالة- تقوم بمرافقة الحملات

العثمانية النظامية في أوربا وروسيا ..فيقومون بالغزو والجهاد متساندين بدعم

بعضهم بعضا ( هذا في أيام التخلف والرجعية (زعموا) ...إلخ ) – وكان

الدور الأساسي لفيالق الصاعقة هو حماية طرق إقتراب وسير الجيش العثماني ..

وكذلك الاستطلاع وجلب الغنائم والأسرى وضرب عمق العدو ...

كان السلطان الخليفة على رأس جيشه المجاهد في الميدان ..

كذلك كان الملك المجري على رأس جيشه الصليبي في الميدان ذاته ساعات ..

ويتقرر مصير الأمتين والملكين ..هل سواء من كان في سبيل الله

ومن كان في سبيل الطاغوت ؟؟ بات المسلمون يقرؤون القران ويهللون

ويكبرون ( كانت أناشيد الجيش مليئة بالدعاء والتكبير حقيقة ) ...

ويذكرهم الدعاة والعلماء بفضل الجهاد وما أعد الله للشهداء...

وبات المجريون يدقون النواقيس ويحرضهم القساوسة والرهبان للدفاع

عن الصليب وأوربا ضد المسلمين الفاتحين ...

 

ودخل السلطان في فيالق الصاعقة بعد صلاة الصبح ..وذكرهم بالله

وأن جهادهم هذا موقعة فاصلة في تاريخ الإسلام ...

وقال لهم :  كأن رسول الله ينظر إليكم الآن ...

بكى الجنود وبكى معهم السلطان ...رحم الله السلاطين والجيوش

الذين يبكون من خوف الله !! ..

ثم دخل السلطان في صفوف السباهية (وهو الفرسان النظاميين العثمانيون)

ففعل هكذا ..فبكوا أيضا تأثرا ..

وكأن الله رضي عنهم وقبل تضرعهم وبكاءهم ...فلنظر ماذا حدث بعدها

انتظمت صفوف المسلمين وقاموا بتنفيذ الخطة كما هي بحذافيرها ...

وأمر السلطان بعدم البدء بالحرب ..عند العصر لم يطق الفرسان

المجريون صبرا .. فاندفعت فرق الفرسان في هجومها المخيف

لاجتياح المسلمين ..ولما اقتربت فرق الفرسان المجرية تراجع المسلمون

بمقتضى الخطة المتفق عليها خلف المدافع ..وانطلقت المدافع تهدر

وتقصف هذه الفرق المهاجمة , وانطلقت ثانية وثالثة ..

تمزقت فرق الفرسان المجرية التي دوخت أوربا كلها بفروسيتها

وشجاعتها أمام المدافع العثمانية ..ولكن الحرب لم تنتهي ...

أعطى السلطان الأمر بهجوم الميمنة والميسرة والقلب على فلول

الجيش المجري حتى لا تهرب البقية ..كان قائد الميمنة والميسرة

هما إبني عمة السلطان نفسه ..

بعد أقل من ساعتين كانت معركة (موهاج) قد انتهت وحسمت ..

كان عدد الأسرى المجريين خمسة وعشرون ألفا ..بينما كان خمسة وسبعون ومائة ألف

-وهم بقية الجيش المجري – يخوضون المستنقعات , وبلغ شدة قوة الضربة العثمانية

أن الملك المجري نفسه (لايوش/لويس الثاني) لم يتم إنقاذه من الغرق ...

كانت النتيجة النهائية مرعبة لكل أوربا ..فالجيش العثماني أنهى الجيش المجري

وهو من أفضل الجيوش الأوربية ..أنهى معركة مائتي ألف فارس ومقاتل

في ساعتين فقط ..بخسائر لا تذكر ..جرحى العثمانيين ألفا جريح ..ومائة

 وخمسون شهيد (نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله ) ..مائة وخمسون فـــقـــط ...

 

صلى السلطان المغرب في أرض المعركة وصلى معه الجيش ..

وبعد الصلاة تقدم القادة الكبار وهو تسعة عشر قائدا ..وقبلوا يد السلطان ,,

(في ذلك الوقت لم يكن هناك رسوم من المبالغات والضلالات التي حدثت

 بعد ذلك مثل تقبيل حاشية الثوب أو تقبيل الأقدام وتقبيل الأرض وغير هذا

 من الترهات التي حدثت في أزمنة متأخرة , وكأن هذه الخزعبلات والتعظيمات

 الباطلة تنادي بخراب الدول , أو إن هذه الضلالات لا تحدث إلا مع قلة العمل

 والإعداد والقيام بأمر الله )...

فتح السلطان سليمان بعد المعركة مباشرة عاصمة المجر (بودا) وضم إليها

(بست) وكان بينهما نهر ..واستقبل السلطان تهنئات وتبريكات عيد الأضحى

في عاصمة المجر ..وهكذا كان العيد عيدين ..وبدأ الحكم الإسلامي لمدينة

(بودابست) لمائة وستين عام من 1526م حتى 1686م ...

هذه المعركة يقول عنها المؤرخون العسكريون إنها مثال لحروب الإبادة

الكلاسيكية في مطلع العصور الحديثة ..

إن كان أعدائنا قد نجحوا في تثبيت باطلهم ..

أفليس لنا من فتية صادقين ينافحون عن تاريخنا المجني عليه ...

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."