المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قصة قصيرة : البذرة ( الجزء الثاني)

اليوم انتهيت من أول مقالة لي وسأذهب الآن لأعرضها على جدي كي أسمع رأيه فيها ، من لي بمثل جدي يحفظه الله ؟!
ذهبت إليه ، طرقت بابه ، سمح لي بالدخول ، رأيته جالسا على كرسيه أمام الشرفة المطلة على بستان المنزل ، سلمت عليه ، رد دون أن يلتفت ، علمت أن ذهنه مشغول لكن لم أشأ أن أرجع بكنزي الصغير دون أن أعرضه عليه!

مشيت حتى وقفت بينه وبين الشرفة ، ابتسم وقال : عنيد مثل والدك ..
قلت مبتسما : ومن أين لوالدي بمثل هذا العناد ؟!
ضحك ثم قال : هات ما عندك يبدو أنني لن أغلبك في الكلام أبدا ...
أريته أوراقي ، وقلت له : أتدري ما هذه ؟!
قال على الفور متهكما : صك منزلنا القديم !!
قلت : بل ما هو خير منه .
قال : سيقتلك الغرور يا ولدي !
قلت : لا يهم ، فورائي من سيأخذ بالثأر ..
هاك يا جدي أول مقال لي ، أريد أن أعرف رأيك فيه بأسرع وقت ممكن.
قال جدي : مقالك أنت ، يا ترى من ساعدك فيه ؟!
قلت : جدي أترك التحطيم الآن ، وخذ الموضوع بجدية.
قال : صدقني يا ولدي ، أقتلك أنا خير من أن يقتلك الغرور .. فإني قد كبرت سني ولن أستطيع أن آخذ بثارك !!
قلت : آآآآآه منك أيها الماكر ..
قال : لا عليك ، اذهب الآن وأعد لي كوبا من الشاي ، وستجد عندي ما يسرك.

فرحت جدا وانفرجت أساريري ، ورحت أقبل رأسه وأقول : حفظك الله لنا يا خير جد ....
خرجت مسرعا ، وجهزت كوبين من الشاي ، ودخلت الغرفة مرة أخرى أحمل الكوبين ...
أخذت أسارع النظر لأرى ملامح جدي وهو يقرأ المقال طمعا في معرفة أدنى معلومة تشير إلى إنطباعه الأولي ...

يبدو أن المقال قد أثر في جدي كثيرا ، فقد أرخى رأسه ..
نزلت برأسي قليلا أستطلع تعبيرات وجهه ..
اندهشت فعلا ..
لقد لامس المقال شغاف قلبه كما أردت منه أن يكون ..
إن عيناه تذرفان ...
أحسست حينها بأني متردد بين مشاعر الفرح التي تكاد أن تحملني في الهواء رافعا صوتي : لقد نجحت في تجربتي الأولى وبين شعور الحزن العميق بسبب بكاء جدى الذي أكن له كل مشاعر الحب والتقدير والإنتماء ...
توقفت برهة لا أدري ما أصنع ..

قطع الصمت إلتفاتة جدي وهو يقول بكل وقار : ضع الشاي واجلس يا محمد ..
نفذت أوامره ، وجلست بين يديه في خشوع وصمت ، أنتظر ما يقوله لي.
قال : لقد كانت تجربتك الأولى رائعة ...
وأحب أن أسألك سؤلا جوهريا .. كيف كتبت هذا المقال ؟

قلت متعجبا من سؤاله : في لحظة هدوء وسكون ، حدث موقف أمامي وتفاعلت معه ، وعزمت على الكتابة عنه ، كتبت ما استطعت ثم رجعت إلى موسوعتي الشعرية واخترت منها الأبيات المناسبة و وضعتها حيث يجب.

قال جدي - والحكمة ما قال جدي - : انطر يا محمد ، إن الذي كتب المقال ليست تلك اللحظة العابرة فإنما هي شرارة فقط ، وليس الذي كتب المقال لحظة الهدوء والسكون ولا الموسوعة الشعرية ..

إن حياتك كلها تجتمع في ذاكرتك وتصوغها أناملك وأنت تكتب المقال ...
إن أفكارك ومعتقداتك تجتمع منذ أن تبدأ في الحرف الأول حتى تصل إلى الحرف الأخير ...
كل الثوابت والمتغيرات التي تعلمتها في حياتك تكتب معك المقال بل تكتب لك المقال ...
بيئتك التي نشأت بها ، دينك الذي تعتقده ، ثقافتك التي حصلتها ، مشاعرك وأحاسيسك التي تشعر بها ، كلها تكتب المقال ...
محمد يا ولدي لا يوجد مقال تكتبه لحظة واحدة أو نظرة عابرة أو تكتبه ثقافة يوم او يومين بل كل مقال يكتب ، تكتبه السنين والأعوام ...
فبحكم حياتك التي عشتها وتجاربك التي مررت بها وظروف الخير التي توفرت لك بقصد أو دون قصد تأتي كلماتك وكلمات الآخرين ...
لعلك فهمت ما أرمي إليه .

قلت : نعم فهمت جيدا يا جدي.
هيا قم الآن لقد أخذنا الحديث وتعطلت عن دروسك.

قمت ، وأخذت أوراقي ، وتركت الشاي فقد طابت نفسي منه ، ولما وصلت الباب ناداني جدي ، التفت إليه فإذا هو يقول لي : هل عرفت سر البذرة ؟
قلت : لا بعد.
قال : سبحان الله كيف لم تعرف وقد لقنتك الجواب !!

ثم ابتسم واستدار جهة النافذة مرة أخرى ، وتركني في بحر الحيرة والتفكير أسبح لا أهتدي إلى بر الأمان.
أجلت النقاش ، فقد تعلمت اليوم ما فيه الكفاية ، ولعلي أعاود التفكير في كلامه مرة أخرى.
.
.
.



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."