المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الجزء الأول من الحوار الذي أدلى به أنور مالك لصحيفة الصحراء الأسبوعية

 

الجزء الأول من الحوار الذي أدلى به أنور مالك لصحيفة الصحراء الأسبوعية

الحوار أجراه: محفوظ آيت صالح

 

نشرت صحيفة الصحراء الأسبوعية المغربية في عددها رقم 30  - من 11/05/2009 الى 17/05/2009، الجزء الأول من الحوار المطول الذي أدلى به أنور مالك لمندوب الصحيفة، والذي تناول فيه قضايا تهم المنطقة الجزائر والمنطقة المغاربية... ونعيد نشره لتعميم الفائدة وفهم محتوى الحوار على وجهه الصحيح بعيدا عن الحسابات والمصالح الضيقة.


ما هو السر في العداء التاريخي للمغرب من طرف جنرالات النظام الجزائري؟  

 

المتتبع لتاريخ المنطقة المغاربية منذ الإستعمار الفرنسي يدرك بما لا يدع مجالا للشك، أنها تنام على مخزون من الفتن العقدية والترابية والطائفية والحدودية والسياسية والإجتماعية والثقافية، والتي للإستعمار دور كبير ومطلق في ذلك، ولو أردنا أن نسترسل في تفاصيل هذه الفتن ما كفتنا المجلدات، وقد أدت هذه الفتن إلى تنامي موجة العداء والعداء المضاد بين أنظمة الحكم المغاربية، ولا يمكن أبدا أن نستثني هذا على حساب ذاك، فالعداء موجود لدى جنرالات الجزائر كما هو موجود لدى المخزن المغربي أو أي نظام عربي آخر، كما صرنا نراه موجود لدى الأجيال الصاعدة التي راحت ضحية الإعلام المضلل والزندقة السياسية والحزبية، التي لم تأخذ بعين الإعتبار مستقبل المنطقة المهددة بالتفتيت، ولكن هذا العداء يختلف من هذا وذاك وكل حسب ما تقتضيه المصلحة وتفرضه المرحلة، ومادام سؤالكم يركز عن الجانب الجزائري ومتغاضيا عن الجانب المغربي، فإن التراكمات التي حدثت منذ الإستقلال عام 1962 من خلال طبيعة الحكم الجمهوري في الجزائر والملكي في المغرب، وكذلك قضية الحدود التي خلفها الإستعمار ولم تحل أصلا، وأيضا توجد خفايا تاريخية تعرفها كل الأطراف عن واقع الحركى أصحاب الوزن الثقيل الذين تولوا شؤون الحكم خاصة في الجزائر، ودوائر النفوذ في الغرب وما إلى ذلك، كلها راحت تصب الزيت على الفتائل التي كانت تتناثر هنا وهناك، فمن حرب الرمال المخزية عام 1963 التي صنعتها المؤسسة العسكرية الجزائرية، وصلت الأمور إلى 1975 حيث أقدم نظام بومدين على طرد آلاف العائلات وتشتيتها على خلفية بداية النزاع على الصحراء، ثم تبني منظمة البوليساريو أو ما يمكن تسميتها ربيبة العسكر التي يراهن عليها كثيرا في تكسير شوكة المغرب، الذي يعتبر المنافس الوحيد في المنطقة للجزائر من الناحية العسكرية والنفوذ والقوة، وهنا يجب أن نقرّ بشيء أن الجانب المغربي ظل في أغلب الأوقات يراهن على التقارب والجانب الجزائري يواصل التصعيد، ويكفي دلالة على ما أقول قضية الحدود المغلقة وهي مأساة حقيقية في حق الأخوة والجوار والوحدة المغاربية، لأنه لا يعقل أن الحدود الوحيدة على وجه الأرض التي لا تزال مغلقة هي تلك التي بين البلدين الشقيقين الذين تربطهم أواصر تاريخية عظيمة وأخوة ضاربة جذورها في عمق التاريخ.

 يجب أن ألفت الإنتباه إلى أمر هام أن فرض المغرب للتأشيرة خلال بداية الحرب الأهلية كان في صالح الجزائر، فهو يمنع تسلل العناصر المسلحة وبهويات مزورة، والذين كانوا يصنعون الخلفية والدعم اللوجستيكي الممتد حتى أوربا، وهو ما سمعته بنفسي من طرف قادة عسكريين بارزين، ولكن ما يروج له إعلاميا ودبلوماسيا عكس ما يقال في موائد الخفاء وسهرات الظل، فلو كان العسكر يفكرون بعمق لطالبوا حتى تونس بفرض التأشيرة من أجل قطع طرق التسرب والتهريب التي تستعملها الجماعات المسلحة، ولكن الحساسية التي يصنعها النظام العسكري تجاه المغرب تجعلها تفسر الأمور بطرق بشعة للغاية، فإن طالب المغرب بفتح الحدود فتجدهم يؤكدون أن المغرب تورط وعاقب نفسه لما فرض التأشيرة وأن المخزن بدأ يتنازل بعدما لقن درسا كبيرا، وإن حمّل الجزائر مسؤولية بلقنة المنطقة المغاربية فتجدهم يشنون الهجوم، لأن ذلك يدخل في دائرة التصعيد الذي لا يضر إلا الشعبين الشقيقين، وصرنا نرى لعبة القط والفأر...

بإختصار شديد أنه يمكن ذكر أهم سر في موجة العداء الرسمي بين البلدين، أقول الرسمي لأنه لا يوجد عداء بين الشعبين سوى تلك الأوهام المروج لها إعلاميا وعبر منتديات الأنترنيت من طرف عملاء الإستخبارات، وهو قضية الحدود التي لم تحل بصفة نهائية عن طريق الترسيم المعترف به، وظلت عالقة تغطى بصراعات مفتعلة ومفبركة، والعسكر في الجزائر تجدهم داخل كليات التكوين دوما يصورون على أن المغرب هو كيان صهيوني يترصد لإبادة الشعب الجزائري وتفتيت ترابه ووحدته وكيانه، ولا أدري ما يقال في الجانب المغربي لأنني لم أشاهد ذلك، فأقول أن العداء القائم لا يثمر إلا الشرور على البلدين والشعوب المغاربية، ولا يخدم إلا أجندات خارجية فقط، تتربص بخيراتنا ليل نهار في ظل غرب يراهن على دولة إسرائيلية في العمق العربي.

 

هناك بعض الدراسات التي تتنبأ بمستقبل دموي للجزائر لا قدر الله ما تعليقكم على هذا الأمر؟

 

أولا: لا أتمنى هذا المستقبل الدموي للشعب الجزائري، لأن فيها أهلي وأقاربي وأحبتي وجيراني وزملاء عملوا معي وفقراء ومساكين، لقد عانى هذا الشعب لمدة 132 سنة تحت همجية الحلف الأطلسي الغاشم، ثم أدخله الجنرالات في حرب أهلية دفع ثمنها غاليا، فعائلات شردت وأبيدت وأكثر من 300 ألف قتيل إن سلمنا جدلا بالأرقام التي تروج رسميا، وإن كنت أعتقد أنها تجاوزت نصف مليون، وآلاف الجرحى والمعوقين، وآلاف المشردين والمجانين، وآلاف الموتى سنويا بأمراض القلب والضغط الدموي، وآلاف الموتى سنويا بالفقر والفاقة والسل والسرطان...

ثانيا: أن ما حدث ولا يزال لم يحل بصفة جذرية، حتى يمكن تجاوز مخلفات وترسبات الحرب الأهلية، فأهل الضحايا من القتلى والمفقودين والمسجونين والمعذبين لا تزال أغلبيتهم الساحقة تؤمن حد اليقين أن النظام هو المتورط في الجريمة، وأن الجنرالات هم الذين افسدوا في الأرض لأجل حماية أطماعهم ونفوذهم ونهبهم للريع المستباح، وهذا الذي لا يختلف فيه إثنان في الجزائر، وأؤكد أنه بسبب الحرب الأهلية صار الجزائري لا يحمل إلا الحقد لأخيه الجزائري، وإنعدمت الثقة بصفة مطلقة، حتى الأقارب لا يهتمون ببعضهم ولا توجد أي روابط يمكن أن نعتمد عليها في رسم ملامح أمل قائم... فمن أخطر ما يعيشه الجزائريون هو تلك الأزمة الإجتماعية وتفكك الروابط بين الناس، أقول الروابط الأسرية تفككت أما الروابط الوطنية فقد إنتهت وزالت ولا تذكر إلا بطرق مزيفة في المناسبات الإنتخابية والإستحقاقات السياسية، أو عند المزايدات والعنتريات الشبقية المرضية.. وحتى عبر أغاني يؤديها مطربون تخرجوا من علب الليل والكباريهات، فالوطنية لما تحول حالها إلى أن يوزعها هؤلاء فتأكد أن الوطن أغتيل في قلوب الناس الجريحة، وما تصور أحدهم يوما أن شأن الجزائر التي كان لم يسمع نشيدها الوطني تغرق العيون في الدموع، يصير حالها إلى أن تسب جهارا نهار في الشوارع.

في ظل هذا الوضع الإجتماعي المتفكك، والوضع السياسي المسدود، والوضع الإقتصادي المتدهور، والوضع الأخلاقي المتفسخ، والوضع الأمني السيء، والوضع الديني المرتد... فهل يمكن أن نتنبأ بمستقبل واعد لهذه البلاد، فالشباب يتنصّرون نقمة من مادة تقول أن الإسلام دين الدولة، والشباب يغامرون بحياتهم في أعماق البحار نقمة من وطنهم الذي تخلى عنهم، والشباب صاروا يلعنون الشهداء –وحاشاهم- الذين دافعوا عن البلاد وأخرجوا فرنسا... أقول أن الجزائر مقبلة على ثورة الجياع وستكون دموية أكثر وأكثر إن لم يتم تدارك الأمر، وهذا يبدأ من تفكيك منظومة الحكم العسكري الذي تسلط على رقاب الناس منذ 1962.

 

هل هناك مؤشرات تؤكد فعلا أن الجزائر خرجت من العشرية الدموية؟

 

الجزائر منذ 1830 والعشريات الدموية تتوالى، ولو أردنا أن نحصي الضحايا الذين سقطوا ما بعد 1962 لوجدنا ذلك يعادل ما سقط في ثورة التحرير، وللأسف الشديد أن الأمور لا تزال مستمرة على الوتيرة نفسها بل أحيانا تتصاعد شيئا فشيئا...

بالنسبة للحرب الأهلية قد بدأت فعليا في 1992 عندما إنقلبت عصابة الجنرال خالد نزار – وهو إبن حركي- والذي هو أحد الذين خلفهم الجيش الفرنسي، وتسللوا لجيش التحرير من أجل مهمة قذرة أفلحوا فيها بإمتياز، برفقة جماعة لاكوست الذين رافقوه في الإنقلاب المشؤوم على الخيار الشعبي، وهنا وجب أن أوضح أمرا هاما على أن مؤامرة خالد نزار وعصابته ليست في 1992 كما يتوهم الكثيرون، وإن كان فتيلها الصاعق الساحق قد تفجر في التاريخ المشار إليه، بل لها جذورها منذ أن التحق ضباط الجيش الفرنسي بجيش التحرير بداية من عام 1958، وتجلى أكثر في أحداث أكتوبر 1988 التي هي فصل آخر من المؤامرة، ثم جاءت أخطر المراحل وتتمثل في صب البنزين على لهيب الخطاب الديني المتطرف الذي كان يسود في تلك المرحلة.

الجزائر هي الآن في آواخر عشرية ثانية من عمر الحرب الأهلية، وإن كانت صارت تصب في أقداح الحرب الأمريكية المعلنة على ما يسمى بالإرهاب، إلا أنه في الأول والآخر الجزائريون من يدفعون الثمن، مادامت الأحياء الشعبية الفقيرة تعيش نزوحا نحو معاقل القاعدة، وعكس ما يحاولون الترويج له من تجفيف منابع الإرهاب، وما إلى ذلك من الكذب الإعلامي المسوق له، والذي ما يزيد الوضع إلا تدهورا، فالذين يزعمون أننا نعيش مرحلة ما بعد الإرهاب، أو أولئك الذين يسوقون لمصطلحات فلول وبقايا الإرهاب، هم أنفسهم الذين يسوقون للنعيم الذي يعيش فيه الجزائريون منذ وصول بوتفليقة إلى الحكم، بالرغم من أنهم يقتاتون من المزابل والنخالة والقطط...

الأخطر من كل ذلك التموين الأوروبي للقاعدة وبالملايير من أجل فك أسراهم، والذي بدأ يتصاعد وفي كل فترة نسمع بخطف وإطلاق سراح، وأموال تحت الطاولة تعيد تنظيم البيت الداخلي للجماعات وتفتح شهية أطراف أخرى كالمهربين وقطاع الطرق، وهذا لا يدفع ثمنه إلا بسطاء الجزائر الجريحة للأسف الشديد.

أقولها بصراحة أن الجزائر هي الآن بخطوات عملاقة نحو عشرية دموية أخرى وجديدة ولكن ليس الطرف فيها إسلاميون كما يخيل للبعض، إنما ستظهر أطراف جديدة من أولئك الذين حرموا من حقهم في الحياة ويجوعون ويشردون وخيرات بلادهم تعبث بها طائفة من أشباه الرجا،ل الذين هم غارقون في الدياثة والفساد والرذيلة حتى الأذقان.

 

ما حقيقة الدعم الفرنسي لجنرالات الجزائر، وهل لا تزال فرنسا تملك قوة للضغط على النظام الجزائري لتغير مواقفه في بعض القضايا، كالصحراء مثلا؟

 

نظام الجنرالات الذي يحكم الجزائر صنعته فرنسا من خلال ضباطها الذين تسللوا للحكم قبل الإستقلال، ويوجد منهم من يشكلون حلقة الربط الأم في شباك السلطة الموازية في الجزائر مثل الجنرال تواتي والعربي بلخير والعماري... والآن كل من لهم النفوذ في الجزائر إما يحملون جنسيات أجنبية وعلى رأسها فرنسا أو أنهم أصحاب عقارات ومحلات فاخرة وممتلكات في العاصمة الفرنسية وغيرها، ورأيتهم مرارا وتكرارا يتسكعون في شوارع باريس من غير حرس ولا حماية، وأذكر في هذا السياق أنه في مساء 27/08/2008 كنت غير بعيد من برج مونتبارناس، دخلت مقهى ووجدت مدير الأمن الجزائري العقيد علي تونسي برفقة حفيده وأحد موظفي السفارة، فقلت في نفسي في الجزائر عندما يتحركون يغلقون حتى الشوارع ويعطلون مصالح الناس ويجعلون الشوارع مكتظة، وهنا يتسكعون ولا احد يبالي بهم، وكنت سأقدم على تصرف ما معه بسبب ما تعرضت له من تعذيب في مخافره، ولكن إرتباطي ببرنامج الإتجاه المعاكس الذي لم يبق حينها إلا ساعة تقريبا وأدخل الأستديو، جعلني أتفادى ذلك حتى لا أضع الصديق الدكتور فيصل القاسم في مأزق ما.

إن فرنسا هي من تتحكم في خيوط اللعبة في الجزائر، وتستطيع أن تفض النزاعات وتفصل في كثير من القضايا لأن صوتها مسموع وأمرها منفذ، وما يروج إعلاميا حول تصميم النظام على إفتكاك الإعتذار من فرنسا على فترة الإستعمار وتعويض الضحايا، هي جعجعة في طحين يخرج من أدبار الذين لا يهنأ لهم النوم إلا في أحضان شقروات باريس، وإن إعتذرت فرنسا يوما فليس بسبب الضغوطات كما قد يخيل بل لأسباب أخرى داخلية فقط.

النظام الجزائري الذي قام بتصفية على المباشر لرجل تاريخي وهو محمد بوضياف لما وجدوه يبيت قرار تصفية منظمة البوليساريو ومراجعة موقف الجزائر، لا يمكنه أبدا أن يتراجع على ركام من الأحقاد والضغائن و200 مليار دولار رشاوى وصفقات مشبوهة، وأقولها بصراحة أن نية الجزائر هو ضم الصحراء الغربية لها، فلو تحققت دولة سادسة في المنطقة المغاربية فلن تطول وتعلن إنضمامها الطوعي للجزائر، وهذا مكسب مادي وإستراتيجي كبير، ففي الصحراء خيرات باطنية مغرية وهي بوابة على المحيط فضلا من ذلك تكسير شوكة المنافس الوحيد في المنطقة ألا وهو المغرب، وإبعاده نهائيا عن تندوف وحدودها التي سيظل النزاع قائما عليها إلا بإتفاق موضوعي ومسؤول بين كل الأطراف... ولكن بالرغم من كل ذلك يبقى رضا فرنسا هو الأهم لأنه يحفظ كثيرا من مصالحهم ويبعدهم من أي مساءلة دولية، ويكفي أن الرئيس ساركوزي إعترف برفضه ما سماها حكومة طالبان في الجزائر عام 1991.

بإختصار شديد أقول أن الجنرالات يتلقون الدعم غير المحدود من فرنسا التي تجد فيهم ما يحقق مصالحها الإستراتيجية والإقتصادية والسياسية وحتى الإيديولوجية، وفرنسا تملك الزر الذي لو ضغطت عليها لوجدت الجنرالات يصفدون محمد عبدالعزيز ومن معه ويزجون بهم في السجون.

 

 

إذن يمكن أن نخلص إلى أن فرنسا هي المستفيد من حالة الصراع القائمة بين المغرب والجزائر؟

 

بالتأكيد أن وجود نزاع وصراع ما بين مستعمرات الأمس يحقق الكثير من المكاسب، ويكفي صفقات التسليح التي تنفذ بالملايير من اليورو، وإشعال شبح العدو المترصد يدفع أصحاب المصالح لتحقيق مكاسبهم عن طريق الضغط على هذا وإبتزاز ذاك.

ففي ظل الإستقرار النهائي في المنطقة المغاربية ستفتح الكثير من الملفات وبجدية وأهمها ضحايا الفترة الإستعمارية، وهذا الذي سيشكل طوفانا لباريس في ظل وجود دول إفريقية مختلفة عانت من ويلات جيشها، إلى جانب التجارب النووية التي أهلكت الحرث والنسل.

فقد خرجت فرنسا وتركت ألغاما كثيرة وراءها منها الفكرية ومنها الايديولوجية ومنها السياسية ومنها العسكرية ومنها الجغرافية، والتي ساهمت في تدهور الإستقرار بالمنطقة المغاربية، وقد ركزت كثيرا على الجزائر والمغرب بإعتبارهما نبض الحياة في شمال إفريقيا، والتقارب الجدي الفاعل بين الدولتين أو قل النظامين سيفتح آفاقا رحبة للشعوب المغاربية، وهو الذي لن تقبله فرنسا التي برغم من تطور التفكير البشري والإنساني وفي ظل فعالية المجتمعات المدنية إلا أن العقلية الإستعمارية لا تزال هي السائدة، ولا تزال الجزائر والمغرب وتونس و... الخ، هي مستعمرات سابقة يراودهم الحنين إليها.

 

كيف تنظرون إلى مستقبل الجزائر في ظل النظام العسكري الذي عمر طويلا؟

 

لقد سبق واشرنا إلى أن الجزائر مقبلة على أزمات معقدة، وأنا متأكد على أن أخطرها هي نزعات إنفصالية بدأت تلوح في الأفق من خلال فتن مذهبية كتلك التي ظهرت في بريان ما بين الإباضيين والمالكيين، أو من خلال أزمات منطقة القبائل المختلفة والمتوالية، وطبعا مادام النظام القائم نفسه منذ 1962 هو الذي يحكم الجزائريين ولا تتغير إلا الوجوه والأسماء وألوان البذلات وربطات العنق وتسريحات الشعر، أما الأفكار فهي نفسها لا زالت مجمدة لا تبدع شيئا ولا تساير متطلبات العصر والتحولات التي يشهدها العالم... لقد كانت فرصة التغيير عام 1962 ولم يفلح الجزائريون في تقرير مصيرهم فعليا، وخرجوا من تحت مزنجرات الجيش الفرنسي وأحذية العملاء والحركى الذين رحلوا معه، ودخلوا في دوامة أولئك الخونة الذين تم إعدادهم في ثكنات المستعمر ثم هرّبوا بطرق مشبوهة نحو الثوار، من أجل إغتيال الثورة والإستقلال، وهو الذي تحقق لهم بإمتياز.. وكانت الفرصة الثانية في أكتوبر 1988 وتم تدجين ثورة الشباب وفق ما يخدم النظام القائم، وجاءت التعددية التي غدت فتنة لما تم إغتيالها، حتى صار الرئيس يترشح حرا ويفوز على الأحزاب بالضربات القاضية وهذا بغض النظر عن طوفان التزوير، وتحولت الأحزاب إلى كمشة من المنتفعين لا يجيدون إلا التطبيل والرقص وهز البطن للعسكر في المواعيد الإنتخابية...

إنه لا يمكن أن نتفاءل بمستقبل لأي شعب يحكمه اللصوص والمفسدون، والخراب قادم لا محالة إن لم يتم تدارك الأمر بسرعة قبل فوات الأوان، وحينها سيدفع الثمن الفقراء وأبناؤهم دائما كما جرى في الحرب الأهلية، عندما راح إبن الفقير الذي لم يجد عملا وإلتحق بالجيش، يقاتل إبن مسكين آخر دفعه الظلم والإضطهاد إلى أن يفر بجلده إلى الجبال، أما أبناء وبنات المسؤولين فهم يتسكعون في خمارات ومراكز التجارة الراقية بين باريس ولندن، وعندما عاد الأمن نسبيا لمنتجعاتهم، رجعوا إلى البلاد ليحكموا الأرامل والثكالى، ويتواصل النهب والإسترزاق والعبث.

إن من علامات التسلط والديكتاتورية هو تحويل الأوطان إلى ثكنات عسكرية، حيث يقومون بتجويع الناس وغلق أبواب الرزق في كل الإدارات الأخرى، ولا يفتحونها إلا في الثكنات ومراكز الشرطة والدرك، فيضطر الجائعون إلى أن يتحولوا إلى جنود يخدمون ويحمون بيوت وفروج هؤلاء المتسلطين اللصوص.

سأظل أردد أبشروا بالخراب يا بؤساء الجزائر، لأن الشعارات التي ترفع هي إحتيال عابر للقارات ولن يتحقق منها أي شيء، بل سيأخذون ما تبقى من كرامة هؤلاء الفقراء المساكين، وسوف يزداد النهب لثرواتهم، فلا ننتظر الشرف من العاهرة ولا يمكن أن يحمي النعاج ذئب جائع.... وهذا الذي يحدث الآن في الجزائر، تم إستئمان اللصوص على الثروات، وتم تسليم الأعناق إلى الجزارين فلا ننتظر الخير أبدا.

 

 

هل قوة النفط ستستمر في منح النظام الجزائري قوة فرض رأيه ومعاكسة الخيارات الأممية؟

 

 بلا شك أن النفط لعب دوار فعالا في جعل النظام الجزائري يفرض أجندته على جانب واسع من المجتمع الدولي، خاصة في ما يتعلق بملف الصحراء الغربية والشرقية أيضا، على الأقل في تحقيق الصمت تجاه كوارث كثيرة وتجاوزات لا يمكن حصرها، ولكن هذا لا يدوم أبدا في ظل تطورات العصر والتكنولوجيا، وفي ظل نظريات ما بعد النفط، وأكثر من كل ذلك أن النفط ليس أزليا فقد ينضب يوما ما، والدول التي تعتقد أنها بالبترول تكون قد إمتلكت ما يضمن لها رخاء الحياة بصفة أبدية، هي دول غبية جدا ولا تعرف أن ما يوجد في باطن الأرض قد ينضب بفعل تطورات الحياة وتحولات تأتي على الصخر والحجر.

الدول الغربية صارت مهددة اليوم بالإرهاب والهجرة غير الشرعية، وبدأت تنتشر نظريات تؤكد أن النسل الأوروبي قاب قوسين من بداية العد التنازلي بفعل الهجرة والنسل القادم من أصول أخرى، ولهذا صار الرهان على حماية أنفسهم ليس عن طريق غلق الحدود أو الغزو العسكري الذي جرّب ولم ينفع، بل بفرض الإستقرار على الدول الأخرى الفقيرة التي تشهد نزوحا كبيرا، وهذا لا يتحقق إلا بأنظمة شرعية تأتي من خيارات الشعوب وليس من خيارات أخرى.

وبالتأكيد أن الجزائر من الدول التي لا يزال الغرب يعتقد أنها صدرت لهم الإرهاب ثم الهجرة غير الشرعية، ولهذا لا يمكن أبدا التنبؤ بمواصلة النظام لفرض أجندته على الآخرين، بإستغلال النفط الذي هو مهدد بالزوال يوما ما إن عاجلا أو آجلا، والواقع الإقتصادي مزري والحكومات المتعاقبة لم تنجز خيارات يمكن الإعتماد عليها في تأمين مستقبل البلاد لما بعد النفط، ويكفي فقط أنهم لم يستطيعوا بناء إقتصاد يمكن الإعتماد عليه في مواجهة تدهور أسعار النفط، فكيف سيكون الحال لو زالت هذه النعمة؟ !!

 

 

هل هناك معارضة حقيقية على التراب الجزائري يمكنها من خلال، المدخل السياسي أن تغير من واقع الجزائر والمنطقة  ككل؟

 

المعارضة موجودة وتتمثل في الشعب الجزائري بالأغلبية المطلقة، ويكفي دلالة ظاهرة المقاطعة الشاملة للإنتخابات عكس ما يعلن عنه تماما، لأنه لا يوجد إلا أولئك الإنتهازيون المطبلون المنتفعون من هم في صف السلطة الحاكمة، أما الشعب الجزائري فهو يعارض في صمت وبأضعف الإيمان هذا النظام الطاغي المتسلط.

لكن المشكلة في من يستثمر هذه الثورة النائمة بين الضلوع وفق ما يحقق الأهداف من دون أضرار جسيمة، فالمعارضة التي يعول عليها تم تدجينها، فيوجد من نزع منه الحزب عن طريق إستغلال مجموعات من المتطفلين واللاهثين على الريع، وعن طريق حركات تصحيحية وإنقلابية كما جرى للشيخ عبدالله جاب الله، وجرى من قبل مع عبدالحميد مهري في جبهة التحرير، ثم علي بن فليس وإن كنت أرى هذا الأخير مجرد بيدق خدم النظام مرتين وبإمتياز، مرة لما كان مدير للحملة الإنتخابية لبوتفليقة والثانية لما أعلن منافسته لرئيسه عام 2004 وأوهم الجميع بما كان من سابع المستحيلات.

 هناك أيضا شخصيات يتم محاصرتها حصارا رهيبا ولا يسمح لها بالكلام والتعبير عن رأيها بحرية، وهناك أيضا من هو محاصر  بالممنوعات العشر كما يجري الأمر مع الشيخ علي بن حاج، كما توجد بعض الأحزاب التي تحاول أن تؤدي الذي عليها، ولكن للأسف طابعها الجهوي الملصق بها، هو الذي قلل من حظوظها وأعطى الفرصة للنظام كي يعبث بمصداقيتها، كما يجري مع حزب القوى الإشتراكية الذي لا يزال هو الحزب الوحيد الذي لم تستطع السلطة إحتواءه بالزج به صاغرا داخل ألاعيبها.

أما المعارضة في الخارج فهي لا تملك الإمكانيات حتى تستطيع إحداث القطيعة مع النظام ومن ثمة تغييره، وطبعا تبقى قناعتنا أن المعارضة من الخارج في ظل تجربة العراق وغيرها لا تستطيع أن تفعل شيئا، لأن الإتهامات صارت تحيط بها من كل جانب.. ويكفي أن الجزائر خلال فترة المجازر التي مست المدنيين لم تستطع "معارضة الخارج" إخضاع النظام إلى أدنى شيء وهو لجنة تحقيق دولية، فكيف الحال الآن والظروف تغيرت والعالم إتجه إعلامه نحو بؤر توتر جديدة؟ ولكن بالرغم من كل ذلك لا زالت تشكل هاجس مخيف ومرعب لمؤسسات الحكم، ولا تجد من حل سوى تدجينها وفق مؤامرات المصالحة والعفو الشامل ومذكرات التوقيف الدولية والتشويه...

بإختصار شديد توجد معارضة ولكن مدجنة ومحاصرة في ظل حكم عسكري سيطر على الإعلام والسلاح والثكنات والإدارات والخزائن العمومية والنفط، والحل الذي يمكن من خلاله تحقيق بعض المكاسب هو المتابعات الدولية على جرائم الحرب التي اقترفت في الجزائر والتي فاقت في فظاعتها ما حدث في رواندا والبوسنة، وأدلة الإدانة موجودة والضحايا كثيرون ومتناثرون في كل أنحاء العالم، والشهود والشهادات لا تحصى ولا تعد، أما الإبقاء على المعارضة عن طريق الفضائيات واليوتوب والمدونات فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر شيئا، فلا يمكن أن تدعو الشعب إلى العصيان وأنت تعيش في رفاهية بكبرى العواصم، لأنه لا يعقل أبدا أن يعرض نفسه لهراوات الشرطة، ومن دعاه يتفرج عليه وينتظر دعوات من الفضائيات حتى يحلل ويعطي الوصفات الشفهية.

 

 

 نص الحوار كما ورد في الصحيفة

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."