محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الاختلاف ظاهرة صحية ...و ضرورة بشرية
تخيل معي أن الأشياء في الحياة متماثلة و متطابقة ، أشكال الناس واحدة ، أنواع الشجر ، مناظر الطبيعة ، طرق المدينة ، كيف ستكون الحياة ؟ و أي طعم لها سيبقى ؟
ثم تخيل معي ثانية أن الليل لا ينتهي و العالم يعيش في ظالم سرمدي دامس حالك، كيف سيكون الحال ؟
بل تخيل لو أن الشمس تنشر أشعتها الذهبية على الأرض أبداً سرمداً إلى يوم القيامة ،متى ترتاح وتسكن ؟
إذن هي الحياة تقول بملء فيها أن التنوع والاختلاف أمر طبيعي بل هو ضروري و أن العيش بدون اختلاف يجعل الحياة كئيبة ساكنة مريرة ، وما تحركت الرياح إلا لاختلاف ضغط الهواء بين البلاد .
و المتتبع لآي القرآن الحكيم يجد أن الاختلاف سنة كونية مطردة ، قال تعالى : (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) و قال تعالى : (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) ، فالقدرات و العقول متفاوتة، و الطبائع و الأشكال مختلفة ، فكيف بعد ذلك نتوقع أو نطلب أن تتشابه الآراء و الأفكار و الأهداف و الوسائل في أمور اجتهادية لا قطع فيها .
الاختلاف ظاهرة صحية ، يغني النقاش و ينضج الاقتراحات و يساعد في اتخاذ قرارات رشيدة ، فأبو بكر وعمر اختلفا في أسرى وبدر و ما منعهما هذا الأمر من الريادة و السيادة و القيادة للمسلمين، و عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس اختلفا في الكثير فانتفعنا من بعدهم ب ( شدائد ابن عمر ) و ( رخص ابن عباس ) ، و الصحابة اختلفوا في فهم و تأويل أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ) ، و الأئمة الأربعة اختلفوا في مسائل فقهية كثيرة و خرج من رحم اختلافهم علم جم ، حتى الملائكة ملائكة الرحمة والعذاب اختلفت في أمر قاتل المائة نفس كما جاء في الصحيحين .
و اليوم مناهج الإدارة الحديثة تقول أن المدير الناجح عندما يشكل فريق عمل يحرص على التكامل في هذا الفريق ، ففرد يفكر في الإيجابيات ، و آخر في السلبيات ، شخص صاحب تفكير إبداعي ، و ثان له تفكير منطقي تحليلي ، عضو في الفريق تنفيذي يعشق العمل في الميدان و الآخر يحب الجلوس مع أوراقه و قلمه و حاسبه يخطط و يؤطر و يحسب ، شخص اقتصادي و ثان سياسي و ثالث اجتماعي و رابع رياضي و خامس شرعي ....و بذلك يستطيع قائد الفريق ومديره أن يحيط بجوانب المواضيع المطروحة و يتخذ القرارات الرشيدة و يخطو الخطوات الصحيحة و يتجاوز التحديات المعيقة للتقدم وتحقيق الأهداف .
الاختلاف يتيح لجميع الآراء أن تخرج إلى الهواء الطلق فتتفاعل و تتلاقى و تتحاور الأفكار و العقول في جو من الاحترام المتبادل و الاستماع للآخر و حسن الفهم و مقارعة الحجة بالدليل و البرهان .
و بالخلاصة الاختلاف حكمة ربانية و ظاهرة صحية وضرورة بشرية ، لكن حتى يكون كذلك يجب أن يكون مبنياً على العلم و المعرفة لا الهوى والشهوة ، و يجب أن لا يتحول اختلاف العقول إلى خلاف بين القلوب ، ورحم الله الشافعي إذ يقول لأخيه : ( ألا يصح أن نختلف ونبقى إخواناً ) ، و لما جاء رجل إلى الإمام أحمد بكتاب له يريد أن يسميه كتاب الاختلاف قال له الإمام أحمد: سمه كتاب (السعة) ، فقد كان رحمه الله ثاقب البصر مفتوح البصيرة ،يعلم أن الاختلاف المبني على العلم ينقذ الناس من براثن الرأي الواحد .
و الحمد لله رب العالمين
|