لما كانت بريطانيا هي الدولة الأولى في العالم وضعت خطة سياسية لمنع الوحدة بين الدول العربية فاقترحت إنشاء الجامعة العربية وأضفت عليها الصفة الدولية والفصل الكياني وربطتها باتحاد يمنع القوة .
ولما كان الخطر الشيوعي يقض مضاجع الرأسمالية ولم يكن الفكر الرأسمالي يومها قادراً على مواجهة الفكر الشيوعي .. وضعت أمريكا خطة سياسية لمحاربة الشيوعية فاتخذت عدة أساليب لمحاربته منها أنها قدمت مساعدات كبيرة للدول في العالم الإسلامي لمحاربة الشيوعية، ومن الأساليب أنها أي أمريكا غضت الطرف عن دخول روسيا أفغانستان ثم حركت عملائها لمحاربة روسيا بواسطة المجاهدين لإضعاف روسيا .
ولما زال الخطر الشيوعي بانحلال الإتحاد السوفييتي وبدا الخطر الإسلامي القادر على دحض الفكر الرأسمالي والقادر على إعادة وحدة المسلمين ، وضعت أمريكا خطة سياسية لمحاربة الفكر الإسلامي وللحيلولة دون وحدة المسلمين، واتخذت محاربة الإرهاب وسيلة لذلك. ولكي تقنع دول العالم بخطورة الإرهاب اتخذت هدم البرجين اللذين خططت هي لهدمهما بواسطة طيارين مسلمين عرب .
ولما كانت أمريكا تتطلع إلى بترول العراق منذ الحرب العالمية الثانية وضعت خطة سياسية للهيمنة على العراق فلم تسنح لها الفرص بذلك حتى قام صدام حسين بغزو الكويت بعد أن غررته بأنها لا تمانع في ذلك فهاجمته بتحالف ثلاثين دولة معها .. ولكنها فشلت في احتلاله ، وها هي قد عادت مرة أخرى لمهاجمته والاستيلاء عليه بحجة حيازته على أسلحة الدمار الشامل فتمكنت من ذلك إلا إذا استطاعت المقاومة أن تحول بينها وبين تحقيق خطتها .
وهكذا فإن الخطط والأساليب توضع للعمل المباشر وقد تغير الدولة أساليبها بأساليب أخرى إذا كشفت وقد تغير خطتها إذا أصبحت لا نجدي .. ولكنها تضع خطة أخرى .
ومثال تغيير الخطط ما فعلته انجلترا في خطتها التي رسمتها للعالم الإسلامي، فقد كانت خطتها تقسيمه إلى عدة دول ثم صارت خطتها تقسيمه إلى عالمين العالم العربي والعالم الإسلامي.
ثم تغير خطتها بدل عالمين إلى مؤتمر إسلامي ، ومثال تغيير الأساليب ما فعلته انجلترا في بلدان العالم الإسلامي من أنها تعتمد على المعاهدات السياسية وعلى القواعد العسكرية فغيرت هذا الأسلوب ، وألغت المعاهدات والقواعد وصارت تعتمد على القروض الصغيرة وعلى الاتفاقيات الاقتصادية .
ومثال تغيير الأساليب ما فعلته أمريكا في أنها كانت تعتمد على الأحلاف وعلى القواعد وعلى النقطة الرابعة، فغيرت هذا الأسلوب وصارت تركز الاعتماد على القروض وعلى الاتفاقيات الاقتصادية ، وها هي اليوم عادت للقواعد العسكرية كما هو الحال في قطر وأفغانستان والعراق .. وأبقت على حلف النيتو لتستعين به على استعمار دول أوروبا الشرقية ومنطقة القوقاز ولتثبيت نفوذها في العراق .
وأما بالنسبة للموقف الدولي فانه لا يتعلق بالفكرة ولا بالطريقة وإنما يتعلق بالعلاقات الدولية والتسابق الدائم بين الدول على مركز الدولة الأولى على التأثير في السياسة الدولية، كما هو الحال في أن أمريكا الآن هي الدولة الأولى في العالم دون منازع ، وتحاول فرنسا أن يكون لها تأثير في السياسة الدولية فقد اعترضت على أمريكا محاربة العراق وهددت باتخاذ حق الفيتو في مجلس الأمن فتوقفت أمريكا عن عرض مشروعها على مجلس الأمن. وكذلك روسيا والصين عارضتا الحرب على العراق.
أما انجلترا فكانت تدرك أن أمريكا مصرة على محاربة العراق واحتلالها فسايرت أمريكا وسارت معها ليبقى لها وجود في العراق ولتأخذ حصة الثعلب مع الأسد في الفريسة .. ويجب أن تكون واضحاً أن الموقف الدولي لا يلزم حالة واحدة وإنما هو متبدل ومتغير حسب أوضاعه وأحواله .
ولهذا فعلى السياسي أن تكون لديه معلومات عن الموقف الدولي وعن السياسة الدولية يربطها بما يراه حتى تتضح له الأمور ويصدر حكمه عليها .. وخاصة إذا كان لديه معلومات عن الدول التابعة لغيرها كمصر وباكستان في تبعيتهما لأمريكا والدول التي تدور في الفلك كاليابان وتركيا اللتين تدوران في فلك أمريكا لارتباط سياستهما مع أمريكا ارتباط مصلحة لا ارتباط تبعية. ومعرفة الدول المستقلة التي تتصرف في سياستها الخارجية والداخلية كما تشاء حسب مصلحتها كفرنسا والصين والتبعية عادة لا تكون إلا للدول الكبرى أمريكا وروسيا وانجلترا وفرنسا.
لقد شقي العالم بالدول الكبرى منذ أن تحكمت فيه بوصفها دولاً كبرى في العالم، وشقي بما أحدثوه من فكرة الأسرة الدولية أو الجماعة الدولية وشقي بالاستعمار منذ أن وجد المبدأ الرأسمالي وسيظل العالم شقياً ما دامت خرافة الجماعة الدولية أو الأسرة الدولية موجودة وما دامت الدول الكبرى تتزاحم على العالم وتتحرك فيه.
ولذلك فإن خلاص العالم من الشقاء الذي يتردى فيه لا يمكن أن يتأتى إلا إذا عولجت فيه هذه المشاكل الثلاث: خرافة الأسرة الدولية، وتحكم الدول الكبرى وتسلطها، ووجود الاستعمار والاحتكار.
أما الأسرة الدولية فإن الأساس الذي قامت عليه أساس باطل، فقد قامت أول ما قامت على أساس أسرة للدول النصرانية في أوروبا الغربية لتكون منها كتلة تقف في وجه الدولة الإسلامية ، ثم ضمت إليها الدول النصرانية في أوروبا الشرقية فصارت أسرة للدول النصرانية في أوروبا حتى سنة 1856م حيث وصل ضعف الدولة الإسلامية إلى حد أن سميت بالرجل المريض وصار يجري النآمر على تقسيم تركتها أي تقسيم ممالكها ، وظلت هذه الأسرة طوال ما يقرب من ثلاثة قرون وهي أسرة نصرانية وتعني عداوة الدولة الإسلامية.
و على الرغم من أنها أسرة نصرانية و لا يسمح لغيرها من الدول غير النصرانية الدخول فيها إلا أنها سمت نفسها الأسرة الدولية و الجماعة الدولية ، و جعلت القضايا الدولية هي ما يعني هذه الأسرة ، و من أجل تنظيم ذلك و تخليده وضعت فيه قواعد تقليدية ، سميت فيما بعد بالقانون الدولي . فإطلاق اسم العائلة الدولية على الدول النصرانية الأوروبية وحدها يعتبر تزويراً و تضليلاً لأن العالم ليس الأسرة النصرانية الأوروبية فحسب . و إطلاق أسم القانون الدولي على معاهدات و أعراف الدول النصرانية وحده كذب و تزوير ، لأن الأفكار التي تصلح لأن تكون قانوناً دولياً ليس معاهدات و أعراف الدول النصرانية فحسب بل الأفكار التي تصلح لذلك هي مجموعة الأعراف الموجودة بين المجموعات الموجودة في العالم كله ، و لذلك كان مفهوم الأسرة الدولية و القانون الدولي في تأسيسه خطأ، و برغم دخول الدول غير النصرانية الأوروبية فيها لم تقبل غير القواعد التقليدية التي وضعتها على أساس أنها دول أوروبية نصرانية .
وجعلت نفسها الهيئة الحامية للأمن و النظام في الجماعة الدولية وتدخلت في شؤون غيرها من الدول كلما لاح لها أن هناك تهديداً للسلام. أو إخلالاً بالنظام .يجب أن تكون الأسرة الدولية متمثلة في الدول الداخلة في هذه الأسرة و لكل دولة مشاركة من الحقوق ما لغيرها، وليس لواحدة من الدول المجموعة الدولية حق النقض و لكل دولة الحق في الخروج من المجموعة الدولية فلا يجوز أن تكون هناك دولة عالمية تحكم العالم .
أما ما يسمى بالقانون الدولي فلا يصح أن يوجد و لا يجوز أن يوضع ذلك لأن القانون هو أمر السلطان، ولا يوجد دولة عالمية أو سلطان عالمي بل لا يصح أن توجد دولة عالمية تكون سلطة على جميع الدول لأن ذلك مستحيل الوجود ، فلا يجوز يصح أن يوجد أو يوضع قانون دولي لثلاثة أسباب :
الأول :
إن القانون هو أمر السلطان أي الحاكم و لا سلطان على جميع دول العالم و لا على المجتمع الدولي و إذن فلا قانون دولي .
الثاني :
إن القانون واجب التنفيذ فلا بد من وجود سلطة تنفذه و لا يصح أن توجد سلطة عالمية تنفذ أوامرها بالقوة على جميع دول العالم لأن ذلك يؤدي إلى الحروب و المنازعات الدموية و يكفي وجود حق النقض ليدل على بطلانه .
الثالث :
إن القانون ينظم العلاقات، و العلاقات تنشأ بين المجموعات البشرية اختياراً فتنظم كل دولتين أو أكثر بينهما العلاقات حسب مصالحهما، وبرضاهما ، و تكون غي العلاقات الأخرى الموجودة بين دولتين أخريين أو دول أخرى فيكون ما ينظم العلاقات هو اتفاق و ليس قانوناً، فلا يوجد قانون دولي ينظم العلاقات بين جميع الدول، لذلك كله لا يصح أن يوجد قانون دولي .فمنذ ظهرت فكرة القانون الدولي بدأ الخلاف بين فقهاء الغرب حول طبيعة قواعده و شك الكثير في قوتها الملزمة (فكانت) و (هيجل) في ألمانيا و هوبز واوستن و أتباعهما في انجلترا أنكروا وجود قانون دولي عام .
أما وجود الاستعمار و الاحتكار فهذا جزء لا يتجزأ من البمدأ الرأسمالي بل هو طريق تنفيذ فكرته و لذلك لا سبيل لقلعه جذرياً إلا بمقاومة المبدأ الرأسمالي و إزالته من الوجود .