ما الذي يجعل زوربا ملحاً في هذه اللحظة هو سؤال : إلى أي مدى يكون الفن مستكشفاً .. ويستطيع أن يطرح أسئلته وأحياناً أجوبته المتسائلة ؟ مبكراً قرأت رواية " زوربا " للكاتب اليوناني الشهير " نيكوس كازانتزاكيس " وشاهدتها فيلماً من بطولة انتوني كوين " .. وأعجبت بالموسيقى التي عرفت فيما بعد أن واضعها هو الموسيقي اليوناني الحديث " شيودوراكيس " التي ظلت تتردد كثيراً في الموسيقى العالمية .. ولكن الولع بزوربا لم يتم إلا في أواخر هذا العقد - ثمانينات القرن الماضي - حينما كان عمري لا يتجاوز الخامسة عشر - حينها شكلّت لي هذه الرواية نافذة للتعالق مع الحياة بشكل مختلف .. خاصة حين أكون .. مابين القراءات الأولى والأخيرة - قد اطلعت على أعمال أخرى لنفس الكاتب وتعد من أعماله البارزة ، من مثل ، " المسيح يصلب من جديد " أو " الأخوة الأعداء " مما ثبت في ذائقتي أن " زوربا " هي تتويج لما سبق ذكره أو ما سبقها من روايات لهذا الكاتب - الشاعر - المسرحي اليوناني الكبير . وقفات عديدة أو انطلاقات مهمة لأي قارىء لهذه الرواية ، إلى جانب المتعة الفنية الحاضرة في هذه التنقلات من المثالي إلى المادي إلى ما بينهما - من أقاليم باردة في القوقاز إلى حرارة أفريقيا مروراً بوسطية اليونان حيث زوربا الذي يمسك باللعبة - الحياة من كل الأطراف عاليها وسافلها " ولعل فيما يفوح من أجوائها من روائح البرتقال ورياح الجنوب التي تبرعم الفواكه والأثداء عند صبايا الشمال يجعل من قراءتها في الشهر الثالث من كل شهر ببطء يستهلك كل الشهر جانباً من التعالق - لكن الأهم كان في ذلك المجاز الذي يرد في الرواية عبر الراوي ونقلاً عن توهمات دينية شرقية " بوذية أو كونفوشيه " ( يُشير في كتابه " تقرير إلى غريكو " أو " الطريق إلى غريكو " إلى زيارات لأماكن دينية شرقية منها " شبه جزيرة سيناء " وهضبات وصحارى ومرتفعات الشرق الأقصى ، في التبت والهملايا ) الذي أستحضره عبر الذاكرة "كثيرون أولئك الذين يبحثون عن السعادة فوق - أعلى من قامة الإنسان .. وكثيرون أيضاً الذين يروق السعادة -تحت - أسفل قامة الإنسان - ولكنهم لا يدركون أن السعادة بقامة الإنسان ". إن ميزة هذه البنية المجازية أن تشرح أو تدل الذاهب في رحاب هذه الرواية - وأياً كان ما يعنيه مفهوم السعادة وما مفهومنا للسعادة .. وما إذا كانت المفردة تشير إلى موقف أو رمز أو اختصار لما هو متعدد في هذه المفردة .. فإن المجاز يطرح حلاً ثالثاً .. وبالعودة للرواية فإنها مرسومة على ثلاثة أقطاب يتصل بها الراوى المتأمل فهو من جهة مشدود - عبر الرسائل والاحاسيس والغبطة لذاك التلميذ الصديق الذي يقوم بمهمة جليلة من أجل عودة جزء من العرق - الهوية اليونانية من بلاد الآخرين .. وبذاك المنفصل عن كل مايحدث في حر أفريقيا وزنوجها حيث الخلاص الفردى .. وهذا الواقف المتشعب الراقص القاتل المغنى المقاتل الودود الفنان المتخيل الذي يعيش كل لحظة كسؤال وجود . إن "كازانتزاكيس " بوصفه "زوربا " عموماً " للبيت أو للفكرة أو الرواية " فيما يأتي الآخران ظليت لهذا "الزوربا " الواضع الحد بين نقيضين أو خيارين .. إنما ليطرح إمكانية الجمع بين الاثنين الفلسفين والتاريخين والجغرافيين "المثالى والمادي " مما يجعل له امتياز الروائي الأوروبي الذي لاتمثيل لأطروحة المركزية الأوروبية في ثنائياتها المتعددة ومنها الأنا والآخر .. الغرب والشرق ويجعل ثمة متسعاً للنظر بروية إلى التاريخي البشري ليس كتاريخ واحد أو ثنائي بقدر ماهو تواريخ وإن كان لايوجد مايمنع من تداخلها وتقاطعها وانسجامها .. هل كان حقاً هذا هو "زوربا " ؟! ربما .