(1) الأخ الأكبر ـ حسب رواية الروائي جورج أور ويول (أسم مستعار لإريك بلير) الكاتب البريطاني المعروف في روايته المشهورة 1984 ـ هو الذي يراقب كل شيء تقوم به ويحاسب علي كل شيء لا يروقه ويدير الدولة بيد من حديد ولا تأخذه بالناس شفقة ولا رحمة في دكتاتورية مطلقة كأنما كان الروائي الانكليزي يتحدث عن بعض أنظمتنا العربية الحالية، وأخيرا نالت رواية (1984) التي كتبها الروائي البريطاني الراحل جورج أور ويل جائزة أفضل رواية تكتب في عقد الأربعينات من القرن الماضي والتي عبر فيها الكاتب عن نبوءة سياسية في غاية الأهمية وذلك خلال استفتاء أجرته احدي أكبر الصحف البريطانية قبل فترة قصيرة. لنا أن نتساءل ماذا تحوي أرشيفات الدول الدكتاتورية عن أدبائها المتمردين ومثقفيها؟ وبماذا يصاب من يطلع علي تلك الملفات؟.. الهلع والغضب.. وهل يكفي هذا؟!.. يصفر وجهه أمام تقارير الواشين وشكوك الشكاكين، وهل يكفي هذا؟! ترتجف أصابعه وهو يقرأ أوامر الإعدامات بحقهم، يصاب بالسعار فيعض أيدي رجال الأمن ويمزق صمت مكاتبهم بعويله العالي؟ ماذا يفعل الكاتب بعد أن تهوي تلك الأنظمة ويجد نفسه يبحث عن هذه الرواية السياسية التي يراها الكثيرون عبارة عن تنبؤ بأحداث انهيار جدار برلين وتفكك الإتحاد السوفييتي، رأيناها تتعدي معاداة الشيوعية وتتشبث في نبوءاتها بجميع أنواع السلطات بما فيها مدعي الحرية والاشتراكية وإعلامها المزيف الذي يقلب الحقائق لتتماشي مع مصلحة السلطة في وطننا العربي. وكان الكاتب قد نشر روايته (1984) بعد أعوام من انتهاء الحرب العالمية الثانية وصدرت عام 1948 حيث تناول فيها شخصية مواطن يعيش في نظام شمولي يقوم يوميا ذلك النظام الشمولي بسحق الإنسان ومصادرة حرياته ووضعه تحت رقابة الكترونية علي مدار الساعة تتابع حركاته وما يقوله. كما يتناول الكاتب في روايته هذه أيضا فكرة قيام الأنظمة الدكتاتورية بمحاولة سرقة ثقافة الشعوب ولغاتها وإفراغها من بناها الإنسانية بما يخدم أهدافها، فضلا عن رفع شعارات متناقضة مثل الحرب من أجل السلام ! .. الكاتب الذي أقدم علي كتابة رواية 1984 في أربعينيات القرن العشرين، كأنه كان يعيش معنا في زمن غير زمنه وهذه حقيقة الإبداع، أنه في جوهره الكلي استقراء لأذواق وأعراف وأفكار ستولد فيما بعد. والرواية تتحدث عن سلطة الأخ الأكبر الذي يمثل الحزب الحاكم وأعوانه وعن شتي أنواع التعذيب والقمع اللذين سيتعرض لهما المواطن في تلك الحياة المرصودة بأجهزة الأخ الأكبر الذي يترصد كل حركاتك، همزاتك ولمزاتك، ليس هناك مكان تستمتع بحريتك فيه إلا تلك السنتيمترات المربعة داخل رأسك، وحتي تلك يمكنهم أن يترصدوها من خلال تعبير وجهك! نعم فعندما ينهار نظام دكتاتوري وينبش النباشون في أرفف المخابرات والأمن الخاص، ومديريات الأمن العامة، سيكتشفون غرائب لا يمكن تصديقها لأول وهلة: زوج يكتب عن زوجته التقارير اليومية طيلة عقود وقد حدث هذا في ألمانيا الشرقية حين انهارت، وهي فترة زواجهما، وذات الزوجة كانت تكتب عن زوجها أيضاً.. وهي مفارقة صنعها النظام الدكتاتوري ذاك وغذاها عبر أسوأ ما في الإنسان من غرائز.. ونتخيل رجل الأمن، أو الرفيق الحزبي، الذي يقرأ ما يكتبه المدرس عن تلاميذه، أو ما يكتبه الطلاب عن أستاذهم، وما تكتبه الزوجة عن زوجها، وما يكتبه الزوج عن زوجته، دون أن يعرف الجميع ما يفعله الجميع.. وأولئك الرجال الجالسون ببرود إلي مكاتبهم وأمامهم التقارير التي تصل بشكل يومي، يدونون ملاحظاتهم لمرؤوسيهم عما يلفت أنظارهم في التقارير المقدمة لهم.. إذن لا فرق بين أرشيف المواطنين العاديين في الأنظمة الشمولية المطلقة، وأرشيفات أدباء وكتاب البلاد! هؤلاء الذين يضيفون لأممهم عمقاً معرفياً أمام الأمم الأخري، ونتساءل هنا: من يعرف كولومبيا لولا ما كتبه عنها ماركيز؟ ومن يعرف نيجيريا لولا سوينكا؟ ومن يذكر البرتغال غير أنها أفقر دولة أوربية لولا ساراماغو؟ ومن يعرف مأساة الجنوب الأمريكي في الثلاثينات لو لم يكتب عنها وليم فولكنر؟!. (2) قبل أيام قليلة قرأت في شبكة الإنترنت قائمة أعدها الناقد العراقي ياسين النصير لكتّاب وفنانين عراقيين اعدموا في عهد صدام حسين وكان بين أولئك المعدومين كاتب مسرحي من أصدقاء طفولتي وشبابي حين كنا نعيش في البصرة جنوب العراق: انه الفنان سامي زبون، وكانت قد انقطعت عني أخباره منذ كنت في العراق وقد انتقلنا للعيش في بغداد في التسعينات وقد ظننت وقتها انه انقطع عن الإخراج المسرحي والتمثيل والكتابة وصار مقاولا في البناء أو مجرد دون جوان في أحد الدول الأوروبية وحقق ذاته مما كان ينقصه في بلاده، وتحقيق الذات في أوروبا له وجوه كثيرة وأحدها غلق باب الشقة والنوم حتي الضحي، والسكر حتي الثمالة مساء، والكتابة غير المنتجة الغائصة في هموم الذات ولوك آلام الماضي والبحث في المناسبات عن أنثي أو شتم غيره من خلال جهاز الهاتف أو الرسائل التي يدبجها ويرسلها لهذا وذاك من الناس منتظرا أن يهتم به من أرسل له ويجيبه بالسرعة نفسها، كما لو كان الجميع مثله يعيشون علي نفقة صندوق المنحة التي تصرف للعاطلين في أوروبا وأن خبزهم سهل، وشربهم سهل، وكرامتهم غير محفوظة ككرامته ولديهم الوقت الفائض ليجيبوا رسائل حضرته بالسرعة المطلوبة، ويبدو انه لم يكن من أولئك بل قضي هذا الفنان المجد الحقيقي، الصادق مع نفسه كل هذه السنوات العديدة منذ فارقته مع أهله في البصرة، مجرد فكرة طيبة عن الحرية والانعتاق عن عبودية السلطة في وطننا العربي ورموزها ومتطلباتها التي لا تنتهي من الفنانين والكتاب في محاولة دؤوبة لتتفيههم وجعلهم أرقاما في سجلاتها. قضي هذا الكاتب الفنان تلك السنوات في مقبرة صغيرة، وقد كان صادقا وأمينا مع نفسه وفنه، وغيره ممن بقوا أحياء كانوا يعيشون فوق أرض المقبرة وكانوا يحسدونه علي مكانه الكريم، وراحته الأبدية، ودوره الذي مثله بجدارة قبل أن يغادر. لم يكن في القائمة وحده ممن أعرفهم بل كنت أعرف أغلب من أعدموا معرفة شخصية، ولي مع كل واحد منهم ذكريات وذكريات، ولكنه الوحيد الذي عرفت بإعدامه من خلال هذه القائمة. أتذكر أن أجمل بنات حي الأصمعي الذي كنا نسكنه معا في مدينة البصرة كانت تذوب عشقا بهذا الفنان، كان وسيما، مهذبا، سريع النكتة، عندما كان يمثل مرة علي خشبة المسرح دور عطيل، وكان فاتح السمرة مما اضطر المخرج أن يطلب منه وضع الصبغ الأسود فرفض عارضا علي المخرج أنه سيخلق عند الجمهور الانطباع بأنه أسود وفعلا استطاع أن يخلق ذلك الانطباع ولن أنسي بياض عينيه وهو يخنق ديدمونة بطلة المسرحية بعد أن زرع أياغو في قلبه الشك، سامي زبون الذي كان يكتب لنا المسرحيات الشعبية لنمثلها علي مسرح المدرسة والذي شارك بإخراج أول مسرحية كتبتها للمسرح: أطرش بالزفة! في السبعينات، الذي كان يفتح غرفته الطويلة والعريضة كمضيفة لأصدقائه من كل أنحاء العراق وكانت نقاشاتنا حول ماركوزة وأفكاره حول الثورة والثورة المضادة والوجود والعدم لجان بول سارتر ومسرحياته التي لا تنسي: الأيدي القذرة والجدار.. نقاشات تطول وتطول و تستمر مرات كثيرة حتي آخر الليل فيهلكنا التعب والكسل فنقضي ليلنا نائمين في غرفته بعد أن يزود كل واحد منا ببطانية ومخدة ويطلب ممن يقرر الذهاب إلي المنزل أن يغلق باب الدار وراءه ويقول متثائبا تصبحون علي خير، وعندما يصبح الصباح تهل علينا أمه حاملة لنا فطور الصباح، البيض المقلي وقيمر العرب وخبز التنور، الوحيد الذي يرفض الفطور هو ابنها.. الذي يصرخ بوجوهنا مجانين أنتم تستيقظون صباح الجمعة بهذا الوقت المبكر!! فيفطر كل واحد منا ويغادر إلي مبتغاه وحين يقلق الأهل علي غياب أحدنا يسألون أهل سامي زبون ليعرفوا أسباب غياب ابنهم! لا أتذكر أن سامي زبون قد تكلم في السياسة يوما أو طلب من احد أن ينتمي إلي هذا الحزب أو ذاك، وكان حين يسمع نقاش متخاصمين حول السياسة أو الأفكار السياسية يضحك. ويحرك أصابعه بسرية للباقين مشيرا إلي جنون المتحاورين وقلة عقليهما، موضحا أنه يرحب بحوار مع الحبيبة حول أدوات الماكياج حتي الصباح بدلا من حوار في السياسة بين متخاصمين جائعين من أمثالنا.. فهل كان سامي زبون ضحية فرية وتقرير كاذب إلي السلطات؟ أم كان مجرد شهيد لما آمن به من أفكار حول حرية الإنسان وضرورة عدم خضوعه لأية سلطة غاشمة؟! هل كان ضحية الوجود والعدم الذي تخلي عنه سارتر فيما بعد؟ أم ضحية صاحب الثورة الفوضوية ماركوزة؟ أو ضحية أفكار روجيه غارودي وواقعيته التي بلا ضفاف؟! أو ضحية أفكار لينين وماركس وأنجلز وثورة البروليتاريا التي تخلي عنها فيما بعد الجميع؟! هل هو ضحية نظام صدام حسين الذي كان يريد أن يصير جميع العراقيين والعرب سواسية في أفكارهم كأسنان المشط ليبقي هو وعشيرته في السلطة لأطول وقت ممكن فضيع السلطة والعراق وخلخل أمن الوطن العربي ولم تفد دماء سامي زبون المسكوبة جزافا في حفظ حياته والوطن من الاحتلال وكم يوما أضاف إعدامه لسني حكم النظام السابق للعراق؟!! ماكنت اعلم أن بعد كل هذه السنوات سأذكر ذلك الفتي الضاحك، صاحب أجمل ابتسامة وعاشق أجمل فتاة في حينا، الذي يكتب لها رسائله بماء الورد المخلوط بالمداد، التي رفضت من أجله أغنياء كويتيين كانوا يحطون في مدينتنا كل خميس ليخطفوا هذه الجميلة أو تلك بأموال النفط وبوثائق زواج ممهورة بالقهر والفقر وقلة الحيلة. (3) ليس لي إلا أن أكتب بمداد قلبي ما رأيت وما انتابتني من أفكار وما شعرت به من هواجس وسط العتمة والتاريخ والوجوه المأزومة وأنا اقرأ ذلك البيان الناقص الذي لم يذكر سبب كل ذلك النزيف ولماذا قتل الأخ الأكبر كل أولئك الأحباب من الكتاب والفنانين؟!.. وما يحدث اليوم في العراق المحتل من قتل متعمد أيضا لكتابه وفنانيه وصحفييه وعلمائه تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها المسؤولية الجنائية والأخلاقية لقتلهم لأنها دولة محتلة ويحملهم المجتمع الدولي وفق قرارات الأمم المتحدة كل المسؤولية القانونية والأخلاقية لحفظ الأمن وحماية المواطنين العراقيين الواقعين تحت الاحتلال، ويبدو أن ما يحصل اليوم لكتابه وفنانيه هي حلقة من حلقات سابقة عاني منها هذا الشعب الخلاق، وعانت منها مواهب هذا الشعب العظيم، ولكن الأم العراقية العظيمة، الولادة ستبقي تنجب أمثال سامي زبون، وسامي غياض، وحسن مطلك، وخليل داخل نجم، وحاكم محمد حسين، وضرغام هاشم وعشرات من الكتاب والفنانين المبدعين الذين قضوا شهداء في وطن الأحرار، علي أرض الرافدين ومن صميم شعبها الشجاع... أسوق هذه الكلمات الممهورة بالحزن العراقي القديم لأتحدث عن مأساة في غاية القدم؛ وهي ماذا يحدث للكاتب حين يقف بوجه الحاكم الظالم! ببساطة يعمد الحاكم الظالم إلي محو الجزء الحي من الكاتب، الذي نراه يتحرك ويأكل ويشرب وينام ويتألم ويتحدث، لكن هذا المحو الشكلي ـ البدني ـ للكاتب يتيح له أن يوجد في أذهان الناس كفكرة عظيمة محركة، ونامية، وكلما أوغلت جريمة قتل الكاتب في الزمن، واعتقد القاتل أن الموضوع نُسي إلي الأبد، انتشر خبره! وازداد عدد رواته! وقوي تأثيره، وصار سبباً في نهاية الظالم ونموذجه!! فقتل الكاتب سيكون خدمة جليلة يقدمها الظالم لفكرة وجود الكاتب الأزلي، فالإنسان مهما طال عمره فهو مشروع موت واندثار تام إلا الكاتب الشهيد، والثائر الشهيد، الذي هو بشكل ما يسجل باستشهاده كتاباً دائماً تتلو خبره الأجيال، فهو كاتب أيضاً سجل بدمه أسمي الكلمات وأنقاها وأكثرها فهماً من الناس وشوقاً لتعليمها للقادمين من أبناء حواء وآدم!!