فيصل عبد الحسنكاتب وصحافي - المغرب
الكاتب فيصل عبد الحسن في الوسط وإلى يمينه د.بدري حسون فريد رائد مسرحي وإلى يساره الشاعر فراس عبد المجيد في دعوة مع فنانين ومبدعين عراقيين في بيت سفير العراق في المغرب سفير العراق الأستاذ عبد المحسن محمد سعيد الثاني من اليمين في
22/12/2005
قبل أيام لبيت دعوة غداء مع عدد من ممثلي الجالية العراقية في المغرب أقامها على شرفهم سفير العراق عبد المحسن محمد سعيد وقد كان الحاضرون أثناء الدعوة يتحدثون عما يحدث في الوطن العزيز من أحداث تهز الوجدان وتقلق الفكر على الأهل والأصدقاء، وكان معظم الحديث يدور عن العمليات الإرهابية وأعمال الخطف للمواطنين العراقيين من أماكن عملهم أو من شوارع العاصمة وحتى من أبواب جامعاتهم ومدارسهم، وهذه القصص المحزنة أعادتني لما عشناه في عهد نظام صدام حسين من هواجس الخوف والرعب عندما كانت الأجهزة الأمنية الحكومية تختطف أو تغتال ناشطا سياسيا أو متهما بالعمل في السياسة أو تعتقل مواطنا ربما لمجرد ترويع الناس وأخافتهم من العمل السياسي،ولي أن أروي حكاية ما حدث هنا في المغرب في تلك الفترة عن بئر سفارة العراق في الرباط ومقارنته بما كتبه الأدب عن الأنظمة الشمولية وهو يعكس صورة متشابهة في كل بقعة من بقاع العالم تكون فيها هذه الأنظمة حاكمة حكما مطلقا فهو يستخدم تجربة إنسانية مؤثرة كمادة خام لصياغتها في قالب أدبي وأتذكر مدى الـتأثير الذي أحدثته في كتابات جيلنا السبعيني في العراق رواية 1984 للكاتب الانجليزي جورج أور ويول حيث يتناول الكاتب شخصية دكتاتور ويصفه بأنه الأخ الأكبر – تدور أحداث رواية 1984 في (المستقبل) بمدينة لندن عام 1984 حيث وينستن سميث موظف ذو 39 عاماً من العمر وهو يعمل موظفاً في وزارة الحقيقة أي انه صحفي يراقبه رجال الشرطة و يراقبه جيرانه رغم انه ليس مجرماً وليس ملاحقاً ولكن الرقابة نوع من السلوكيات اللاإرادية التي يقوم بها الجيران ضد جيرانهم لذلك يصبح سميث تحت عين أوبرين صديقه وعضو الحزب الذي يراقبه عن كثب.وجورج أور ويول(أسم مستعار لإريك بلير) الكاتب البريطاني المعروف – مبدع تسمية الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء تقوم به ويحاسب على كل شيء لا يروقه ويدير الدولة بيد من حديد ولا تأخذه بالناس شفقة ولا رحمة في دكتاتورية مطلقة كأنما كان الروائي الانجليزي يتحدث عن مظالمنا، والكاتب الذي أقدم على كتابة روايته في أربعينيات القرن العشرين، كأنه كان يعيش معنا في زمن غير زمنه وهذه حقيقة الإبداع، أنه في جوهره الكلي استقراء لأذواق وأعراف وأفكار ستولد فيما بعد .لقد تحدث عن سلطة “الأخ الأكبر” الذي يمثل الحزب الحاكم وأعوانه وعن شتى أنواع التعذيب والقمع والخطف الذي سيتعرض لهما المواطن في تلك الحياة. المرصودة بأجهزة“الأخ الأكبر” الذي يترصد كل حركاتك، همزاتك ولمزاتك، ليس هناك مكان تستمتع بحريتك فيه إلا تلك السنتيمترات المربعة داخل رأسك، وحتى تلك يمكنهم أن يترصد وها من خلال تعبير وجهك!هذه الرواية السياسية تتشبث في نبوءاتها بجميع أنواع السلطات بما فيها مدعي الحرية وإعلامها المزيف الذي يقلب الحقائق لتتماشى مع مصلحة السلطة . ما ذكرني بهذه الرواية أولا فوزها كأفضل رواية مؤخرا وكذلك دعوة الغداء التي تلقيتها حيث غلبني التفكير فيما مضى من أيام تأريخ سفارة بلدنا في هذا البلد الكريم أثناء حكم نظام صدام حسين وكان وقتها العراقيون في هذا البلد لا يجرؤون من الاقتراب من بيت السفير العراقي ولا من سفارته فقد كانت وكرا حقيقيا للأفاعي ومقرا لإدارة الأعمال المخابراتيه المشبوهة ضد الدول العربية الشقيقة وضد العراقيين الأحرار وضدا لبعضهم البعض ! وحسب نظريات الأخ الأكبر التي تخون الأنظمة العربية وتستعديها بغير حق في الكثير من الأحيان، ولا ترى في الأرض صالحا غير أفكارها العنصرية ونظامها الشمولي، ولا نجباء غير أتباعها ومواليها .وكلما اضطرني طارئ للذهاب إلى مبنى السفارة العراقية في الرباط بعد سقوط نظام صدام حسين ورأيت ما خلف أركان البعثة الدبلوماسية السابقة من بناء فخم وأثاث وثير ورياش ووسائل ترفيه وحدائق غناء تذكرت قول الله العزيز : وتلك عروشهم خاوية بما ظلموا... فأقول مع نفسي سبحان الله لم يقل العزيز الجليل، وتلك عروشهم خاوية بما فسقوا !!ولم يقل تلك عروشهم خاوية بما سرقوا!! ولم يقل تلك عروشهم خاوية بما كذبوا!!.. وهم قد فعلوا كل تلك الموبقات.. بل قال وهو أحكم قائل : وتلك عروشهم خاوية بما ظلموا، وكأنه يؤجل كل انتقام من عباده الذين يسرفون على أنفسهم ما عدا من اقترف جريرة واحدة تهتز لها أركان السموات والأرض : جريمة ظلم الناس، التي بشر الله تعالى بعاقبتها الوخيمة السريعة لفراعنة الأرض بأن عروشهم ستكون خاوية تنعى أصحابها ويرثها قهرا من بعدهم الصالحون في الأرض ..في بناية السفارة العراقية لا تزال آثار تلك البئر العميقة المخيفة التي كان يهدد بها أفراد المخابرات المواطنين العراقيين برمي أي معارض منهم يتواجد في المغرب فيها حتى الموت جوعا وعطشا فماء البئر ملح أجاج لا يمكن استساغته أبدا، والبئر مغطاة بلوح خشبي سميك ماعدا فتحة صغيرة وسطه، ويبقى من يلقى فيها لا يشعر به أحد، ووقتها كانت تدور بين العراقيين قصص مرعبة عن أسرار الأنين الصادر من تلك البئر المخيفة ومصير من تستطيع مخابرات النظام الصدامي استدراجه إلى مبنى السفارة العراقية، وأتذكر أنني وعدد من اللاجئين السياسيين في المملكة المغربية أبلغنا مفوضية الأمم المتحدة بالدار البيضاء عام 1998 عما نسمع عنها من حكايات مرعبة، وقد كانت تلك المفوضية وقتها بمبناها الصغير قريبا من- السيتي بنك- وسط العاصمة الاقتصادية للمغرب –الدار البيضاء - قبل أن تنتقل إلى الرباط بعد ذلك وهي التي كانت ترعى شؤوننا وتحمينا وفق معاهدة جنيف لعام 1954 التي وقعت عليها الدولة المغربية، ورغم إمكانياتها المادية المحدودة وبما تتيحه القوانين في المملكة المغربية من تسهيلات، ووقتها ثبتنا أيضا للمفوضية فيما أتذكر مبنى الخطوط الجوية العراقية في شارع الجيش الملكي بالدار البيضاء كمنطقة خطرة للاجئين العراقيين، وأشرنا لهم أنه مكان مهم لتجمع مخابرات النظام السابق حيث توضع الخطط فيه للإيقاع بالمعارضين العراقيين كما في دول كثيرة حيث يتم تخديرهم وشحنهم للعراق بتوابيت وشهادات وفاة مزورة لتتم تصفيتهم هناك، وحكاية تصفية الدبلوماسي العراقي الذي أنشق على سفارة صدام وفشلت كل الخطط باختطافه، فتمت تصفيته بإطلاق الرصاص عليه وقتله شمال العاصمة، مما وتر العلاقات الدبلوماسية وقتها وهي قصة معروفة لجميع العراقيين وقد كنا مع عدد كبير من اللاجئين الأفارقة والجزائريين نتبادل الهموم والمخاوف وقتها برغم تأكيدات السلطات المغربية لنا في كل المناسبات بأن لا مبرر لخوفنا لأنها تسهر على حمايتنا من كل أذى ممكن أن يحصل لنا ولأسرنا فوق التراب المغربي وبرعاية الأسرة الملكية العلوية الشريفة التي حمت لاجئي المغرب على مر التأريخ وبمختلف الظروف الدولية.استرجعت كل ذلك الماضي المخيف وأنا على مائدة سفيرنا في بيت العراقيين جميعا في المملكة المغربية كما يسميه الأخ السفير عبد المحسن محمد سعيد وزوجته الأخت أم إبراهيم – أخت وأم العراقيين في المغرب - المرحبة دوما بالعراقيين في دارها العامرة بحب العراق وأهله في دعوة الغداء الكريمة قبل أيام مع عدد من ممثلي الجالية العراقية في المغرب وقد أرجعني الكرم العراقي والحفاوة التي لقيناها من سعادة السفير وزوجه الكريمة إلى لقاءاتنا الأسرية الحميمة في العراق بمناسبة إعلان الخطوبة، والأعراس والطهور وأفراح النجاح والتخرج من الجامعة، وأشعرتنا أن العراق بالرغم مما مر به وأهله من سوء وأوقات شدة سيبقى شعبه ورغم ما أصابهم من خراب روحي ونفسي وأحزان أحسن الناس وأنبلهم وسيفخرون بأمثال الأستاذ عبد المحسن محمد سعيد وغيره ممن يحبون العراق وسيكون حال العراقيين في المملكة المغربية أحسن حالا من أي وقت مضى وسيبقى فوق الرؤوس جميعا يشمخ في الباحة الرئيسية للدار علم العراق بألوانه الزاهية وكلمتي الله أكبر تزيدان من هيبته، وفي هذا الجمع المتجانس من العراقيين، العربي و الكردي والتركماني، المسلم والمسيحي ومن وسط العراق ومن غربه ومن جنوبه، جمع متحاب في الله والوطن .حاولنا ونحاول دوما مسح قلوبنا من الأحزان والذكريات المريرة وجربنا أن ننسى بئر السفارة العميقة التي كان ينطلق منها في تلك الأيام السوداء الأنين الخافت المتواصل عند المساء - كما حدثنا بذلك من مروا قريبا من ذلك المكان في تلك الأيام- دون أن يعرف أحد أسراره بالرغم من قربنا من تلك البئر وكنا نتساءل هل كان أقطاب السفارة السابقون يذيعون تلك الأصوات من خلال ميكرفون مكبر ربط إلى جهاز تسجيل ينطلق صوته قريبا من بئر السفارة لغرض بث الخوف والرهبة في نفوس رعايا بلدهم ؟ لا احد لحد هذا اليوم يعرف ما أسرار ذلك الأنين الذي صمت إلى الأبد بعد سقوط نظام صدام حسين كما أن الخجل منعنا من طرح السؤال على سعادة سفير بلدنا الجديد، فليس من الأدب والمعقول أن تسأل عن أسرار تلك الفترة المظلمة وأنت على مائدة طعام ! ومن عادة الشعوب أنها تستعد بعد الأيام الصعبة التي تواجهها لاستقبال غد جديد متألق بالأمل والمحبة والخير. ولكن ولا بد من هذه أل –لكن- اللعينة لا يزال للأسف طيف الأخ الأكبر يعشش في عقول البعض من أبناء العراق.. أنه يناديهم لسلوك طريقته في الحياة لحمل أفكاره الإجرامية فيستجيبون، وكأنما أصيبوا بلعنة أبدية أسمها لعنة الأخ الكبر.