إنه المكان الذي أحببته ذات يوم ، و ذقتُ عذابات كثيرة بين أرجائه .....
إنه اليوم مكانٌ هجرتْه الأشباحُ و ملَّتِ المكوثَ فيهِ ..... تركتْهُ لأغبرةِ الزمن تتراكم عليه و تغطي جثَّةَ الحياةِ المقتولةِ فيه .....حتى صدى الأصواتِ و الضحكاتِ و ازدحام الناسِ ذهب ، إلى أين ؟ لا أدري ، لكن لا أرى إلا أشياء جامدةً توحي بالموت لمرَّاتٍ عديدةٍ متتاليةٍ .....
أجوبُ الأمكنةَ لوحدي ، يتوجَّعُ الإنسانُ في أعماقي فيُثقِلُ وجعُهُ خطوي .
أُصبِّرُه و أُصبِّرُ نفسي لأتحمَّلَ ألمَ رجعِ الأحداث التي كانت - ذات يوم – سارَّةً ، أمَّا ذكرياتها اليوم فمؤلمةٌ قاسيةٌ ، تومئُ لي مودِّعةً تاركةً خلفها خيالاتٍ تبتسمُ ابتسامةَ عجوزٍ مؤمنٍ يُحتَضَرُ بسلامٍ ، فيُلاقي ربَّهُ بابتسامةِ مَنْ تخلَّصَ مِنْ عذاباتِ الأيَّامِ ..... لكنْ أنا الباقيةُ هنا بينَ دفَّتَي رحى تدورُ بلا رحمةٍ و لا توقُّفٍ ، ماذا أفعلُ ؟
إنَّهُ الوجعُ نصيبي و قدري الذي لا مفَرَّ منهُ ..... لغةُ الصَّمتِ التي علَّمني إيَّاها حبيبي كانتْ تُزعجُني ، و كنْتُ أُصلِّي للرَّبِّ كي يرفعَ عنهُ لعنةَ السُّكوتِ ، فلْينطقْ و لو بكلماتٍ ميتةٍ . و في هذه اللحظةِ أقفُ بإجلالٍ أمامَ الصَّمتِ لأنَّ ألمَهُ أقلُّ بكثيرٍ ، و حبيبي هو الإنسان الوحيدُ في هذا الكونِ الذي يخشى إيلامي ......
أُحبُّني فيهِ و لهُ و معهُ ، و أذوبُ في عشقي لنفسي و تقديري لها عندما أدخلُ عوالمَهُ ، لكنِّي اليومَ أفتقدُهُ و أفتقدُ بقايايَ هنا لأنَّها فقدتْ مَنْ يجمعُها و يحوَّلُها عالماً متكاملاً من الحبِّ و الأمانِ .