أحياناً بينما أجلس لمشاهدة أحد البرامج الفكاهية أو المسلسلات الكوميدية ينقلب الأمر لدي فجأة لأجد نفسي قد تجهمت وضقت ذرعاً بالنكات المطروحة مهما أضيف إليها من ضحكات مصطنعة، وذلك بسبب الوجه القبيح الذي يختبئ وراء كل مشهد كان من المفترض أن يحمل لنا الضحكة أو الابتسامة على أضعف تقدير، ذلك الوجه القبيح يمكنك الكشف عنه بمجرد تفكير بسيط بالأناس الذين من حولك. الكوميديا ليست عملاً سهلاً كما يظن الكثيرون، فالنكتة البريئة تحتاج لفطنة كبيرة من الراوي كي لا توقعه في أي مطب أخلاقي. وتصبح هذه النكتة أسخف وأنتن عندما تتجه بالسخرية من مجموعة بشرية معينة.
خطر على بالي هذا الحديث بينما كنت أبحث عن الترفيه في إحدى المحطات الوطنية البريطانية، وإذ أجد نفسي ضحية لعمل تلفزيوني يدعى "بريطانيا الصغيرة Little Britain" وجدته عملاً أضعف من ضعيف بقدرات تمثيلية هزلية فاشلة، ولكن ليست تكمن المصيبة في هذا وإنما جلست أراقب الفقرات الترفيهية المتقطعة المصحوبة بخلفية صوتية لضحكات تتعالى، فلم أجد فيها ما يضحك أو ما يبهج، وقد كان كل ما شاهدته مقتصراً على مواقف يتم فيها السخرية من أشخاص بدينين، وتجسيد أدوار لأشخاص متخلفين عقلياً وصناعة النكتة منهم، ومن ثم الاستهزاء بشخصية امرأة عجوز ولا تخلو المشاهد من تلميحات غير بريئة حول الأجانب والأعراق الأخرى، فبأي مفهوم أصبحت الفكاهة إهانة للآخرين.
وبالرغم من أني لست بديناً ولا عجوزاً ولا متخلفاً عقلياً إلا أنني لا استطيع التوقف عن التفكير بشعور هؤلاء عندما يجلسون لمشاهدة تلك الفقرات، هم أو ذويهم، وكم من الممكن أن تكون تلك الفقرات جارحة لمشاعرهم بدلاً من أن تضحكهم، فلماذا ينبغي لصاحب الصحة أن يضحك على مرض اخيه ولماذا يطلبون منا أن نجعل بعضنا نكاتاً للبعض الآخر، هذا ما أسميه الفشل الذريع في الكوميديا.
إن قولي هذا لا يقو أبداً للاعتقاد بأن الكوميديا وفق تلك المعايير (احترام مشاعر الآخرين) مستحيلة الانتاج، هنالك الكوميديا التي تعتمد على الموقف المضحك بحد ذاته أو الكلام خفيف الظل، وإذا كنا نريد أن نبقى محايدين، نستطيع أن نضرب مثلاً لكوميديا أخرى من نفس البلد وهي الكوميديا المسماة "مستر بن Mr. Bean" حيث استطاع هذا العبقري الانكليزي ان يزرع الابتسامة في وجوه الملايين دون أن يمس بفئة أو عرق أو دين وحتى دون أن ينطق بكلمة واحدة...
رامي السلام
المملكة المتحدة 2008