بسم الله الرحمن الرحيم
نزل علينا في الأسواق فلم جديد بعنوان السر [The Secret] يبدأ الفلم بعرض سريع لانجازات انسانية،آثار، معادلات رياضية، أدوات هندسية، كتب، وصور لشخصيات هامة عبر التاريخ... ثم يبين لك صناع هذا الفلم أنك على وشك كشف سر خطير تم كتمانه عبر التاريخ –كما يقولون- وهو سر النجاح والوصول إلى الغايات... وهو الوسيلة التي استخدمها أعلم العلماء وأعظم الفنانين والفلاسفة، بل والأغنياء، في بناء مجدهم (يا سلام) ! والآن ستكون هذه الخلاصة بين يديك.
لا يمكن انكار جودة الصناعة التشويقية في تلك المقدمة الحماسية، لا بل وأن مثل هكذا مقدمة تسوق فضولك بشكل طبيعي لطلب المزيد ... هل يمكن حقاً أن يكون هنالك سر للنجاح احتبسه الناجحون علينا ؟ (والنجاح مفهوم نسبي).
يتابع الفلم شرحه عن مدى أهمية هذا العرض، وبالدور الذي سيلعبه في تغير حياتك!!! وعندما يصل التشويق مرحلة الملل يطلع علينا رجل له هيئة اساتذة الجامعات، يتكلم بهدوء الواثقين، ليفشي لك بالسر العظيم ، إنه قانون الجذب [The Law of Attraction] أو الجاذبية إن صحت الترجمة.
بمعنى أنك إذا جذبت الأمور الجيدة (عن طريق التفكير بها) فإنها تحدث لك تلقائياً ، وإذا جذبت الأمور السيئة فإنها تقع لا محالة، وهذا الأمر يتم عن طريق الذبذبات الصادرة عن الدماغ! وهنا بالطبع سيجد المطورون بالفكر الديني إثباتاً ومرجعاً يمكن الرجوع إليه لإقناع الناس بضرورة اللجوء إلى الله، وكأن المؤمنين بالله ينتظرون تفسيراً لعلاقتهم مع الرب ووسيلة الاتصال بينهم وبينه!!
وإني وإن كنت من الأشخاص المعتقدين بضرورة التفاؤل في العمل، وإمكانية صنع السعادة باصطناعها،ولا تتمارضوا فتمرضوا، وتفائلوا بالخير تجدوه... إلا أنني –كرجل علم- أرفض رفضاً قاطعاً قضية أن التركيز الشديد تسبب أمواجاً تصدر عن البشر ذات ترددات خاصة وتحمل طاقة تنتشر في المكان لتؤثر على المكونات المادية من حولك إلخ إلخ... والمشكلة أن مثل هؤلاء الدعاة يستخدمون مفاهيم سائدة لدى العامة، كالمفاهيم الدينية الغيبية، ويعكفون عليها محللين ومفسرين، بمحاولة لتوظيف مصطلحات علمية فيزيائية (كالتردد والطاقة والمغناطيسية) لتبرير أفكار غيبية يؤمن البعض بها ويكفر آخرون... ولكنهم يجدون في هذا المزج الخيالي بين العلوم المادية والمعتقدات الدينية تربة خصبة لفلسفة جديدة يمكن أن تخدر الشعوب لسنين طويلة، والأدهى من هذا أن كلمة علم باتت تطلق على كل خرافة إذا أضيف عليها بعض المصطلحات العلمية المذكورة آنفاً، مثلها كمثل الإشاعات الكثيرة التي فندها العلم وضحدها سابقاً كإشاعة مثلث برمودا مثلاً والتي تشكل اليوم عاراً على مسيرة تطور الفكر الانساني، علماً أن كثيراً من المتدينين تمسكوا بها ووجدوها في كتبهم!!
يدعي صانع الفلم أن تحقيق أي هدف يحتاج إلى ثلاثة مراحل: الطلب (أن تطلب بينك وبين نفسك أمراً ما) ، الإيمان (بحتمية حصولك على هذا الشيء)، والاستلام (فقط استلم هديتك المجانية!)...
إن الاعتقاد برأيهم يولد الأشياء، ولم يرد العمل في مراحلهم العظيمة، وكأن الحياة جميلة هكذا! أو كأن نيوتن (وهو أحد أمثلتهم في المقدمة) لم يكن لديه مختبر يعمل به ولم يجهد في القراءة والدراسة!
إنك إذا رسمت أمراً في مخيلتك فإن الكون يعيد تشكيل نفسه ليقدم لك ما طلبت هكذا قالوا لنا، طبعاً دون عمل لأنك أصدرت اشعاعات كافية للتحكم بالكون (رائع!). ناهيك عن تخريفات أخرى كمداواة مريض بحصوات ثلاث، وحصولك على المنزل الذي رسمته قبلاً منذ خمس سنوات ، كما يسرد لك الفلم.
وخلاصة رايي : إن هذا الفلم مضيعة للوقت بكل المقاييس،لا وقد يفسد على البعض منهج التفكير السليم لديهم بما يحمله من تسفيه للعقل، وأنصح بعدم مشاهدته.