محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
بك هم أم أزيدك ?!
المثل المصري الشهير( بك هم أم أزيدك ) إنما يستدل به العامة حينما يكثر البلاء حتى يمتلأ الكأس إلى منتهاه - ولم يكف بعد مُحدثي الألم ومسببي الكدر عن ملأ بقية الإناء هماً وإزعاج ،، ورغم كآبة المثل وفظاظة توصيفه - إلا أنه لا يقال إلا للتندر على المحن .. التي تحمل في طياتها بسمة أو طرفه فتُضحك أكثر ما تزعج .
والمثل أورده هاهنا لمناسبته وتوصيفه لواقعة طريفة مررت بها مؤخرا ...
فلقد ألم بي شهر شديد شبيه بأشهر الجفاء .. حين يجف ماء النهر وتتشقق الأرض الظمأى ، وتجوع الدواب والناس ، وعانيت أثار الجفاف وتجلدت بالصبر ، ودعوت الله أن يهطل المطر ، ويرتوي الزرع وفى ليلة من ليال الجفاف ... أتتني البشريات ... مطر غزير يهطل ، وخير عميم فاض وكثر ، ولم اصدق سرعة الاستجابة ، ولا قدرت لسرعة الرد . رسالة وصلتني عبر بريدي الالكتروني .. تحمل في طياتها تهاني وزغاريد للشاب المصري .. الذي أتحفه الحظ بالفوز بمبلغ المليون جنيه استرلينى ، ولم اصدق أن الرسالة ختمت تهانيها بأسمى . رحت أعيد ما قرأت وأعيد ، وظننت للحظه أن الهواء تجمد من حولي ... فصار كمادة هلامية تحيط بي ، وأنا كتمثال شمع بينها ، قاومت وانتفضت فأزحت ثقل الهواء عنى ، وناديت أخي فتسمر هو الأخير بمكانه ..عندما راح يعد الأصفار الست وهى تقف في إجلال أمام رقم واحد ، فكأنها جنود رفعت يديها بالتحية لقائدها الأعظم .
14 مليون جنيه مصري - محمولين عبر بريد الكتروني منحتهم دولة بريطانيا لبريدي الذي صادفه حظ ما صادف أحداً من قبل - عبر سحب اليانصيب على 200 إميل من دول مختلفة ، والجائزة تختار عينة الإميلات الفائزة عبر الهوت ميل ، وكان لي نصيب الأسد في الجائزة الكبرى لليانصيب ، وقيمتها المليون استرلينى . وتنتهي الرسالة الأولى إلى هذا الحد ، وبانتظار باقي التفاصيل في رسالة أخرى ، ورغم عدم تصديقي واهتمامي - إلا أن الجميع حولي يدفعني إلى التصديق ، كما يدفعوني إلى الجنون ،، فأخي يريد نصيبه ليتزوج ، والوالدة ترتب نفسها للحج ، وتشترط سفر سياحي وإقامة فندقية فاخرة ، وهاجر الصغيرة لا تتطلع سوى لعربة أطفال تسير بالكهرباء تلهو بها مع الرفيقات الصغار ، وأنا سمحت لنفسي بالحلم ولو كان كذبا - فكثيراً ما أجهضنا الحلم في رحمه ، وقليلاً ما فككنا لجام النفس لتتحرر ، وللوهلة الأولى أغمضت عيني وسرحت ، ورأيتني هناك في شقة صغيرة بجوار البحر معشوقى الأول ، وبجوار زوجة عطوفة طيوبه تحبني وتسقيني قطرات الحب والسكينة ، وطفل جميل ألاعبه ويحبو في اتجاهي يناديني ويعبث بشعري ، مستقبل لا أخافه ، ورغيف لا أخشى زواله ، ومعدة ستكف أكيد عن أصوات ثورتها ، وفقراً دميم رحت اضرب أم رأسه بالحذاء ليفر من أمامي ويولى ،، بعد أن كرهت معاشرته وتأفف هو من مرافقتي ، ومصلى لله ابنيه ، وإخواني بفلسطين ، ومتسولي الأرصفة والمساكين . حلمت كثيراً وأبقيت عيوني مغمضة طويلا ، وافقت من جولة طوافي ودوامة سرحاني ... على صوت حاسوبي يخبرني برسالة جديدة ، فتحتها سريعاً ورحت التهمها بعيوني ، وأسابق كلماتها بسهم الفارة ، واتضحت الرؤية قليلاً ، فالجائزة ممنوحة من اللجنة الدولية المنظمة لكأس العالم 2010 بدولة ( جنوب أفريقيا ) ، واللجنة المتألفة من كبار الشركات العالمية – كشركة ( توشيبا - نوكيا - مايكروسوفت ) أرادت أن تخصص لعملائها فرصة العمر... بفوز الملايين ...اعترافاً منها بالجميل ومحاولة رده .
وشاء الله أن أكون على رأس من يُرد إليهم الجميل ، وبعد أيام صدق حدسي بالرسالة الثالثة .. تخبرني فيها الجهة المانحة .. أن المبلغ أودع بشركة تأمين ، وغلف بغلاف صلب لا يمكن فكه أو الإطلاع عليه أو محاولة سرقته ولذا فالجائزة مؤمنة تماماً ، وسيتم تسليمها يداً بيد إلى العنوان المطلوب إرساله وأرقام الهواتف ، وبعد ساعات وجدت موسيقى ( عمر خيرت ) تخبرني أن هاتفي يتلقى مكالمة من غريب ، والكود الذي ابتدأ به الرقم +44 و الخاص ببريطانيا العظمى ، وعلى الناحية الأخرى من العالم ... كان الفم البريطاني يقذف ما شاء له من الكلمات والتعابير السريعة كالوميض ، متوقفاً في كل 10 دقائق متواصلة لبلع ريقه ، ومواصلة المعركة الكلامية والذي كان هو فارسها الوحيد ، واكتفيت أنا بكلمة ya ، ولم انبس بغيرها .. لأنه وباختصار شديد لم افهم كلمة واحده ، حملت هاتفي إلى مترجم زميل ، وكنت قد سجلت المكالمة ، وبعد أن جلسنا والهاتف بيننا نسترجع شفرات الرجل الإنجليزي ، برز المطب الأول - أتعاب شركة الشحن التي يترأسها الرجل ... يريد أن تُرسل إليه أولا .. وبعدها يمكننا تسلم اللوتاريه ، وقدر الرسوم 12 ألف جنيه مصري ، تلاقت أعيننا ، وكلانا يتحرك في صدره جملة واحدة وحوار واحد ، وكأنما تنزلت بوحي على خمستنا ..
( نصب ) هي الكلمة التي بها نطقنا في آن واحد ، وآثرت السكوت وقلت في بالى ( جاءت الحزينة تفرح فلم تجد لها مطرح ) .
كفت أذان والدتي عن سماع أصوات الحجيج ، ووجدتني أطلق الزوجة التي بها دخلت فقط في خيالي طلقة بائنة لا رجعة فيها ، وتنكرت لابني ورميت به بعيدا ، وأمام شاشة ( الجزيرة ) لم املك لإخواني المعذبين سوى أن أكمل الدعوات ، وهى سلعتي الرخيصة والتي عليها دأبت وتمرست ، ومرت أيام وانشغلت بالكسر الذي ألم بساقي ، إلا أن عزف ( عمر خيرت ) من جديد ، فانتبهت فإذا الرجل الإنجليزي هناك على نهر( التايمز ) وقد صار يرطن ويعوى ، ثم أغلق الخط وفهمنا أنه سيرسل الشيك الرابح إلى عنوان منزلي خلال 24 ساعه ، وهو للعلم مختوم بخاتم وزير الخارجية وموثق من قبل الحكومة البريطانية ، وطلب منى أن أتحرى عن الشيك وأستعلم عن صحته من خلال السفارة البريطانية بالقاهرة ، وعادت المياه تجرى من جديد ، والحلم يقض على منامي ، والأم راحت في غيبوبة نشوة مع أصوات الملبين الحجيج ، وبعد 24 ساعة بالتمام ... هل الضيف الكريم ، موزع الخطابات ينادى بصوته المحفور في الذاكرة منذ كانت تحمل الخطابات قديماً أوراق خضراء وحوالات من الوالد الكريم ، هلعنا جميعاً ونزلنا نسابق الريح ، نتدحرج على درجات السلم ، والكل يريد أن يرى هذا العفريت الصغير..الذي يرقد بين جنبات الخطاب ، وعلم بريطانيا بصليبه المعهود يطل من على واجهة الخطاب ، صنعنا دائرة والعفريت يتوسطها ، ورقه لا يتعدى وزنها عن عشر الجرام تحمل الست أصفار ، وتحمل معها أمال طال انتظارها ... جفت ويبست - ماتت وذبلت ، وما عاد للقلب أن يتجرأ بالنبض ، وأخذنا صورة جماعية مع الشيك ، وقبلته أمي بعفوية ، وتمنت لو أن تصنعه حجاباً لي ، وفى الصباح الباكر خرجت أتوكأ على أخي حتى وصلنا إلى سيارة تقلنا إلى قاهرة المعز ، ويدي تطبق على الشيك بقوة ، وعيوني تتفحص المارة ، وللعجب أشعر بهم جميعاً يريدون سرقتي ، وكلما مال أحدهم بجانبه تجاهي أدير الشيك الجهة الأخرى ، ورغم سهدي وقلقي ... إلا أن لي عين بوم لا تغمض طيلة الطريق ، وكلما دنوت من مبنى السفارة .. دق قلبي بشدة حتى ظننته سيقفز من أضلعي ، وقبل المبنى بخطوات توقفت وجددت نيتي مع الله ... أن انذر نصف ما أربحه خالصا لوجهه ، وأن يعيذني الله من شر النصف الأخر وشر نفسي ، ودعوت الله وخطوت تجاه الباب الكهربي ، بعد الفحص والتفتيش سمحوا لي بالدخول ، جلست إلى جوار شاب يحمل أوراقاً راقبت عيونه المتوجسة والقشعريرة التي تعلو وجهه فأحالته إلى صفرة نحاسية ، لم أتطفل بالحديث وتركته يهيم في عالمه الممجوج والمقلق ، ولاح هناك قادماً من الممر الطويل شاب مصري أنيق وبلهجة عربية مكسرة راح يستعلم عن سر الحضور ... فنطقت أنا وجارى بلسان واحد ( اللوتاريه ) وصدمنا أننا سوياً في نفس المصير ، وصدمنا لرد يأتينا بلا تفكير ولا انتظار نصب .. نصب .. نصب
وانغلق الباب الكهربي ولكن هذه المرة ونحن خارجه ، شعرت أن هناك يد صعيدية خشنه غليظة سوف تباغت قفاي أنا وزميلي .. تطرحنا أرضا .. نظرنا إلى الأوراق معنا قارناها ببعضها ، وانفجرنا بالضحك .
نعود الآن إلى حيث جئنا ،، نعود محمولين على سيارات المواشي .. تداعبنا أمال لن تتحقق ، وأحلام انتحرت كثيراً حتى صارت خجلي من نفسها .
نعود إلى فراش الصبر نتلوى ونتألم فما من مجيب وما من رحيم ، وقديماً عاد الأعرابي بخفي حنين ونحن قد عدنا ولا حتى بالخفين .
يا رب لك وحدك نشكو ونتضرع فارزقنا اللهم حُسنى الدنيا والأخره .
الإدراج إنما انشره هنا كي أوفر على غيري من المساكين المُتلاعب بهم مثلي .. من الرسائل المشبوهة ، وبائعي الكوابيس وصائدي الماء العكر ... أن تكون تجربتي توعية وتحذيرا ، وأن أوفر على غيري هم السفر عبر الأميال الطويلة ، وهم التمني والحلم والذي دوماً منه نفيق على أصوات الحمير .
والتالي صورتين ...
الأولى : للشيك ومسطراً بأسمى .
والثانية: لمغفل مصري يقف أمام السفارة البريطانية ويحمل الوهم بيديه .


|