المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قضاء الله على بني إسرائيل بأقوال الأئمة والدليل

بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أكرم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد ؛ إن هذا البحث الذي أطرحهُ بين أيديكم اليوم , بعد أن أعانني اللهُ على فهمهِ وكتابتهِ ونشره , هو تتمة وامتداد لتفسيرات علماء السلف رضوان الله عليهم لأوائل آيات سورة بني إسرائيل والمشهورة بسورة الإسراء , وذلك بعد أن أماط الزمان اللثام عن حقائق ووقائع جديدة وضحت وفسرت لنا ما تبقى من معاني هذه الآيات المجيدة , راجياً أن يجعل الله عملي هذا خالصاً لوجههِ الكريم وأن ينفع به الإسلام والمسلمين , إنهُ على ما يشاء قدير وبالاستجابة جدير.

قال تعالى :{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنَ علواً كبيرا 4 فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا 5 ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6 إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7 عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا 8} سورة الإسراء.

قال القرطبي : [ قيل : قضينا أوحينا؛ ولذلك قال ‏{‏إلى بني إسرائيل}‏‏.‏ وعلى قول قتادة يكون ‏{إلى}‏ بمعنى على؛ أي قضينا عليهم وحكمنا‏.‏ وقاله ابن عباس أيضا‏] (1).

قال ابن كثير :[يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراً‏ , أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس.‏ وقوله‏:‏ ‏{فإذا جاء وعد أولاهما}‏ أي أولى الإفسادتين ‏{بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد}‏ أي سلطنا عليكم جنداً من خلقنا أولي بأسٍ شديد، أي قوة وعدة وسلطنة شديدة، ‏{‏فجاسوا خلال الديار}‏ أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي بينها ووسطها ذاهبين وجائين لا يخافون أحداً، ‏{‏وكان وعداً مفعولا}‏‏.‏ وقد اختلف المفسرون في هؤلاء المسلطين عليهم من هم‏؟‏ فعن ابن عباس وقتادة‏:‏ أنه جالوت وجنوده سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك؛ وقتل داود جالوت، ولهذا قال‏:‏ ‏{ثم رددنا لكم الكرة عليهم}‏ الآية. وعن سعيد بن جبير وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل. وقد أخبر اللّه عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط اللّه عليهم عدّوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقاً ‏{وما ربك بظلامٍ للعبيد}, فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء‏.‏ وقد روى ابن جرير، عن يحيى بن سعيد قال‏:‏ سمعت سعيد بن المسيب يقول‏:‏ ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا، فسألهم ما هذا الدم‏؟‏ فقالوا‏:‏ أدركنا آباءنا على هذا، قال‏:‏ فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم، فسكن‏.‏ وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور‏.‏ وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى أنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته واللّه أعلم‏] (2)‏.‏  

وكما يقول أهل العلم والتفسير فإن هذا القرآن يفسرُ بعضهُ بعضاً , وقد جاء في تفسير ابن كثير للآيات من 246 إلى 251 من سورة البقرة , والتي نزلت في ذكر شأن طالوت وداود عليهما السلام وقتالهم جالوت ما يُرجح صحة ما ذهب إليه ابن عباس وقتادة , قال تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 246} 

قال ابن كثير : [قال وهب بن منبه وغيره‏:‏ كان بنوا إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا فسلط اللّه عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا خلقاً  كثيراً وأخذوا منهم بلاداً كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثاً لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها، ..] إلى نهاية القصة .

وتشير هذه الرواية إلى أن فساد بني إسرائيل الأول القريب إلى عهد موسى عليه السلام هو ما سلط الله به عليهم الملك جالوت بدليل ذكر اسمهُ في القرآن في سياق هذه القصة , قال تعالى: {فهزمُوهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتهُ اللهُ الملك والحكمة ...} [251]. 

* قال تعالى : {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6}.

وقد رد اللهُ لبني إسرائيل الكَرَة على جالوت وجنوده المتسلطين على يد طالوت وداود عليهما السلام كما أخبرهم في كتابهم التوراة , وازدهرت مملكة بني إسرائيل بعد هذا النصر في عهد داود عليه السلام , وعلت علواً كبيراً لا مثيل لهُ في التاريخ في عهد سليمان ابن داود عليهما السلام , وقد سرد القرآن الكريم أيضا في سورٍ عديدةً قصة هذه المملكة العظيمة المُهابة التي صنعها الله لسليمان عليه السلام , الذي حكمها بالعدل والتقوى والشكر الجزيل للمصلحين والعقوبة الشديدة للمفسدين , قال تعالى :{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكا عظيما 54} سورة النساء. يعني: ما آتى الله سليمان بن داود عليهما السلام.  

* ثم قال تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7}.

قال ابن كثير : [{إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} أي فعليها , كما قال تعالى : {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها} , وقوله‏:‏ ‏{فإذا جاء وعد الآخرة}‏ أي الكرة الآخرة , أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم ‏{ليسوءوا وجوهكم}‏‏:‏ أي يهينوكم ويقهروكم، ‏{وليدخلوا المسجد}‏ أي بيت المقدس ‏{‏كما دخلوه أول مرة}‏‏:‏ أي في التي جاسوا فيها خلال الديار، ‏{وليتبروا‏}‏‏:‏ أي يدمروا ويخربوا ‏{ما علوا}‏ أي ما ظهروا عليه , قال مجاهد‏:‏ بعث عليهم بختنصر في الآخرة، كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم‏].

وقد اختلف علماء التفسير في تحديد هوية الذين سُلِطوا على بني إسرائيل في الكرة الآخرة , إلا أن كثيرٌ منهم قال بأن هذا التسليط كان على دم يحيى بن زكريا عليهما السلام , وسواءً أكان الرجل الذي خرب بيت المقدس على بني إسرائيل ودخل مسجده بعد مقتل يحيى وزكريا ورفع عيسى -عليهم الصلاة والسلام أجمعين- هو بختنصر أو غيره من ملوك الفرس والرومان , فإن بني إسرائيل كانوا قد وصلوا حينها إلى درجة من الإفساد في الأرض , بمعصيتهم لأوامر الله وتماديهم على أنبيائهم وتآمرهم على قتلهم وإخراجهم ما يوجب عليهم قضاء الله بمثل هذا التسليط  , وسواءً أكانت هذه الأحداث التاريخية التي مرت على بني إسرائيل قد وقعت على نحو ما هو مذكور في روايات التفسير التي أوردتها أو وقعت على نحوٍ مُختلف عنها , فإن تفنيد هذه الروايات والأحداث التاريخية والتحقيق فيها أمراً خارجاً عن نطاق هذا البحث , وما يعنيني من مُجمل أقوال المُفسرين في هذه الحوادث والآيات هو أن قضاء الله إلى وعلى بني إسرائيل في كتابهم التوراة , قد تم في المرتين في عهد أنبيائهم من موسى إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام جميعاً , وقبل بعث محمد عليه الصلاة والسلام , وهذا هو ما انتهى إليه كلام فُحُُول علماء السلف -رضوان الله عليهم- وأجمعوا عليه في تفسيرهم لهذه الآيات. 

* ثم قال تعالى : {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا 8}.

قال ابن كثير :[{عسى ربكم أن يرحمكم}‏‏:‏ أي فيصرفهم عنكم، ‏{‏وإن عدتم عدنا‏}‏ أي متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا}‏ أي مستقراً ومحصراً وسجناً لا محيد عنه‏.‏‏. وقال قتادة‏:‏ قد عاد بنو إسرائيل فسلط اللّه عليهم هذا الحي محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون] ‏.

بدايةً وقبل شروعي في تفسير هذه الآية الكريمة والتي هي محور حديثي في هذا البحث , أود أن أُشير إلى معنى خفي وإشارة لطيفة في قولهِ تعالى : {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب..} [الآية 4: الإسراء] . وذلك أنهُ سبحانهُ وتعالى قال: {في الكتاب} ولم يقل في التوراة تحديداً , رغم أن المعنى المُراد بالكتابِ بدايةً هو توراة موسى عليه السلام , وهذا لعلمهِ سبحانهُ عَلَام الغيوب أن هذه الآيات التي أنزلها على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام في قرآنهِ , إخباراً لهُ عن قضاءه الذي قضاهُ على بني إسرائيل في كتابهم التوراة , سوف تصبح بعد سنوات قليلة هي بحد ذاتها قضاءً سارياً المفعول على بني إسرائيل من جديد , لقوله تعالى لبني إسرائيل في نهاية ما قضاهُ عليهم في التوراة : {وإن عدتم عُدنا}.

وكما قال قتادة في تفسير هذه الآية أعلاه فإن بني إسرائيل قد عادوا إلى الإفساد في الأرض من جديد في عهد نبينا العدنان عليه الصلاة والسلام وكتاب الله القرآن , وذلك بما اقترفوهُ من أذى وسوء جِوار بحق النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في المدينة المنورة , ومبلغ هذا الأذى ووصولهِ إلى حد تحريك قضاء الله عليهم مرةً أخرى , يكمُن في عظمة مقام من كانوا يؤذون عند الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم , ووضوح وكِبر الآيات والمعجزات التي أيدهُ اللهُ بها وإصرار بني إسرائيل على إنكارها والكفر بها. وقد شاء اللهُ بحكمتهِ أن تَنْزِل هذه الآيات التي حَدَثَ بها نبيهُ محمد –عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين عن قضاءه الذي سلف على بني إسرائيل في مكة , وقبل وقتٍ كافٍ من هجرتهم إلى المدينة ومُجاورة اليهود فيها , لتكون هذه الآيات التي سوف يسمعها اليهود منهم مُبكراً , حُجةً عليهم –أي اليهود- وإنذاراً لهم بما ينتظرهم من العذاب الشديد على غِرار ما سبق في التوراة , قبل أن تُسول لهم أنفسهم أن يعودوا إلى الإفساد وأذى الأنبياء وتكذيب الآيات من جديد.

إلا أن اليهود لم يتورعوا عن أذى محمد –عليه الصلاة والسلام- وأصحابه , ولم يتعظوا بما أنزلهُ اللهُ عليه من آيات ولا من تجاربهم السابقة مع الأنبياء والصالحين عليهم السلام أجمعين , فسلط اللهُ عليهم هذا النبي –عليه الصلاة والسلام- وأصحابهُ , فجاسوا وداسوا قُرى خيبر وبني قريظة وبني النضير وغيرها من قرى اليهود , واستلبوها من بين أيديهم وأخرجوهم منها صاغرين , تحقيقاً للوعد المُبين والقضاء العظيم الذي نَسَخَهُ القران الكريم ڊِ {وإن عُدتم عُدنا} . قال تعالى : {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنَ علواً كبيرا 4 فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا 5}.

ومع تحقق هذه الآية الكريمة يكون البند الأول من قضاء الله على بني إسرائيل في القرآن قد تم , وليمضي بني إسرائيل بعدها السنين والقرون وهم ينتظرون تحقيق البند التالي من هذا القضاء المحتوم , وقد كان لهم ما يريدون , فرُدت الكَرةُ إليهم على المسلمين واستعمروا أرض القدس وفلسطين ,وأُمِدوا بالأموال والبنين من الأوروبيين والأمريكيين وأتباعهم أصحاب الملايين , وصاروا أشدَ بأساً وأعزَ سلطاناً وأكثر متاعاً وسلاحاً , وعلوا في الأرض علواً كبيراً حتى سموا طائراتهم بالعَال , وتجبروا وطغوا على الضعفاء والمساكين من أهل فلسطين ولبنان وألقوا عليهم الصواريخ والقنابل من مكانٍ عال. قال تعالى :{ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا 6}.

ومع تَحَقُق هذه الآية الكريمة والتي لا نزالُ نعيشُ في أيامنا هذه أحداثها وتوابعها , يكون البند الثاني من قضاء الله على وإلى بني إسرائيل في القرآن قد تحقق , وبمطابقةٍ حرفية لقضاء الله إليهم في التوراة , حيثُ أخبر الله بني إسرائيل بما سيكون منهم وما سيحصل لهم قبل أن يكون أو يحصل , وهذا الإخبار منصوص عليه في الآية الرابعة بقولهِ تعالى : {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ..} , أي أخبرناهم بما سيكون منهم قبل وقوعه كما قال جمهور المفسرين وذلك كقولهِ تعالى :{وقضينا إليه الأمر أن دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين} أي تقدمنا لهُ وأخبرناهُ بذلك وأعلمناهُ بهِ. وقد أخبر اللهُ بني إسرائيل كذلك في القرآن الكريم بما سيكون منهم من إفساد وما سيسلطهُ عليهم من عباداً لهُ يدخلون ديارهم ويستلبونها وذلك قبل أن تقع هذه الحوادث , بدليل أن هذه الآيات نزلت في مكة قبل هجرة النبي –عليه الصلاة والسلام- إلى المدينة حيثُ وقعت هذه الأحداث , وقد كان مما نزل من القرآن في شأن قتال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابهِ لليهود قولهُ تعالى : {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار 2} سورة الحشر.

 كما أخبرهم جل في عُلاه بأن الكَرَةَ ستُرد لهم على هؤلاء العباد –أي المسلمين- وسوف يغلبونهم ويتفوقون عليهم تفوقاً ظاهراً , وقد تحقق هذا الخبرُ أيضاً.

وأما البند الثالث من هذا القضاء فإنه يصُب في مصلحة المسلمين , لأن فيه وعد الله الآخِر بكسر إرادة المُفسدين من بني إسرائيل ومعاقبة الظالمين منهم جزاءً لهم على ما فعلوه على مدى العقود الماضية من أعمال التطريد والتشريد والقتل والتخريب بحق الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني, وأكبر شاهدٍ على الظلم الذي تُقيم عليه الدولة الإسرائيلية, هو منع الحُجاج المسلمين والمصليين من أهل فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين , والذي يخطط اليهود إلى هدمهُ أو تحويلهُ من مزار ديني مُقدس للمسلمين إلى معلم أثري وسياحي , إلى جانب مساجد ومعالم دينية أخرى مثل الحرم الإبراهيمي وأضرحة الصحابة ومقامات الأنبياء وغيرها , في خطة تستهدف محو الذاكرة وطمس الهوية الدينية للمسلمين في فلسطين , تماماً كما طَمسَ الوثنيين والمشركين من قبل هذه المعالم نفسها من ذاكرة اليهود وهويتهم , قال تعالى : {ومن أظلمُ ممن منع مساجد اللهِ أن يُذكر فيها اسمهُ وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم}.

قال ابن كثير : [قال قتادة في أحد قولين لتفسير هذه الآية : أولئك أعداء الله النصارى حَمَلَهم بُغض اليهود على أن أعانوا بُختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وقال السدي : كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خرَبه وأمر أن يُطرح فيه الجِيف , وإنما أعانهُ الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.. , قال كعب الأحبار : إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه, فلما بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام أنزل عليه هذه الآية فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً].

هكذا كان حالُ بني إسرائيل مع أعدائهم بالأمس البعيد , أما اليوم فإنهم صاروا على النقيض , إذ أنهم صاروا هم من يسعون في خراب بيت المقدس ويمنعون المصلين من الوصول إليه بُغضاً في أمة العرب والمسلمين حَمَلة الرسالة السماوية بعدهم إلى يوم الدين . إلا أن الأعظمُ من هذا كله هو قتلهم  للنفوس الزَكِية من أطفالٍ رُضع وشُيوخٍ رُكع ونساء وعبادٍ صالحين , باستخدام أسلحتهم الذكية أو بمنع الدواء والعلاج عنهم حتى يهلكوا ويموتوا ويصيروا نسياً منسياً.

قال تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 7}.

إن إظهار اليهود الإحسان في معاملتهم لفئات خاصة أو عامة من أبناء الشعب الفلسطيني في بيت المقدس وفلسطين إن كان, فإنما هو لاحتوائهم وللمحافظة على أمن واستقرار دولة إسرائيل, ولإسكات الأصوات الغاضبة والمُعارضة لها في الداخل والخارج, وللتجاوب مع الضغوطات التي تمارسها القوى العالمية عليها. 

ومن الناحيةِ الأُخرى فإنَ إساءة اليهود المُبرمجة أو العَبثية لبعض أبناء الشعب الفلسطيني, وذلك بتخريب أو مصادرة مُمتلكاتهم وأراضيهم وإخراجهم منها, وبقتل وأسر وتعذيب من يُقاوم هذه الأعمال ويُطالب بحقهِ المشروع في حياةٍ آمنة وكريمة على أرضه, فإنما هذه الإساءة تكون من اليهود للتوسع في دولتهم وإزاحة من تبقى من أبناء الشعب الفلسطيني من طريقهم, ولردع كل من يُفكر في مُقاومتهم والانتقام لنفسه أو أبناء شعبه منهم, وفي كلتا الحالتين فإن إحسان اليهود وإساءتهم مقرونٌ بتحقيق منفعة وفائدة لهم ولدولتهم , إلا أن هذه المنفعة المؤقتة الناتجة عن الظُلم والإساءة سوف تعود عليهم بضرر أكبر في دُنياهم وآخِرتهم , لأنهم يعملون وفقاً لمصالحهم وغاياتهم الدنيوية لا بحسب أوامر الله وشريعته التي في التوراة والإنجيل والقرآن.

لهذا فإن الله قضى عليهم وعدهُ الآخر الذي بدأ أبناء الشعب الفلسطيني تنفيذ الجزء الأول منه بأرخص سلاح وهو الحجر, وبأصغر جُند وهم الأطفال, أطفال فلسطين الذين تمكنوا من إيصال مُعاناتهم وحرمانهم إلى كل الناس في هذا العالم, وكشفوا القناع الذي كانت الدولة الإسرائيلية تُخفي وجهها السيئ خلفهُ, قال تعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ...}.

وأما الجزء الثاني من هذا الوعد الآخر فإنهُ سيتحقق بعد خروج الإمام المهدي عليه السلام, وشده الرحال إلى بيت المقدس برفقة أصحابه المؤمنين أيبين مُنيبين عابدين لربهم حامدين, وليدخلوا المسجد الأقصى حَاجين كما دخلهُ أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب وأصحابهِ رضي الله عنهم أجمعين, قال تعالى: {.. وليدخلوا المسجد كما دخلوهُ أول مرة ..}, وقد جاء مِراراً على لسان خير النبيين أنهُ لا بُد أن يظهر في آخر الزمان إمام العادلين وشيخ الخاشعين المهدي عليه وآلهِ أفضل الصلاة والتسليم, قال تعالى : {ولكل أمةٍ رسول, فإذا جاء رسولهم قُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون 47 ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين 48 قل لا أملكُ لنفسي ضَراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله. لكل أمةٍ أجل. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً, ولا يستقدمون 49} سورة يونس. وعن أبي سعيدٍ الخُدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لا تقوم الساعة حتى تمتلىء الأرضُ ظُلماً وعدواناً , ثم يخرُج من عِترَتي , أو من أهل بيتي من يملأُها قِسطاً وعدلاً , كما مُلِئت ظُلماً وعدواناً} (3), وعن إبراهيم بن ميسرة, قال: {قلت لطاووس : عمر بن عبد العزيز المهدي هو؟ قال : لا , إنهُ لم يستكمل العدلَ كله} (4), وعن كعبٍ الأحبار رضي الله عنه, قال: {المهدي خاشعٌ لله كخشوع النَسر جناحه} (5), وعنه رضي الله عنه أنهُ قال: {لا تنقضي الأيام حتى ينزل خليفةً من قريش ببيت المقدس, يجمعُ فيها جميع قومهُ من قريش, يُنزلهم وقُوادَهم, فيغلون في أمرهم, ويُترفون في مُلكهم, حتى يتخذوا أُسكفات البيوت من ذهبٍ وفضة, وتدينُ لهم الأمم, ويَدِرُ لهم الخَراج, وتضعُ الحربُ أوزارها} (6). 

وأما الجزء الثالث والأخير من هذا الوعد الإلهي الآخر فإنهُ سيتحقق بعد نزول العلامة الثالثة من علامات الساعة الكُبرى المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام من السماء, والذي سيُعينه الله على تحطيم وتدمير ما تبقى من مظاهر الظُلم والعدوان في الأرض المُباركة, قال تعالى: {... وليتبروا ما علوا تتبيراً 7}, وقد روى كثير من علماء السلف رضوان الله عليهم أحاديث في أن عيسى ابن مريم عليه السلام يصلي خلف المهدي ويُبايعهُ وينزل في نُصرته , وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (7) , عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهُ أنهُ قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : {لا يزالُ طائفةٌ من أُمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة}.

قال : {فينزل عيسى ابنُ مريم , صلى الله عليه وسلم , فيقولُ أميرُهم , تعالَ صَلِ لنا . فيقولُ : لا, إن بعضَكم على بعضٍ أُمراء تَكرِمَة الله تَعالَ لهذه الأُمة}.

وفي حديثِ آخر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهُ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {يلتفت المهدي , وقد نزل عيسى ابن مريم كأنما يقطُر من شعرهِ الماء , فيقول المهدي : تقدم وصَلِِ بالناس.

فيقُولُ عيسى ابن مريم : إنما أُقيمت الصلاة لك.

فيُصلي عيسى خلف رجلٍ من ولدي , فإذا صُلِيت قام عيسى حتى جلسَ في المقام , فيُبايعه} , وذكرَ باق الحديث. أخرجهُ أبو القاسم الطبراني في (مُعجمه) (8).

وفيما يلي فقرة مُنتقاة من الحديث الطويل الذي رُوي عن أبي أُمامة الباهلي في وصف الدجال وفتنته , وقد ضمت هذه الفقرة مُوجز للأحاديث التي روُيت عن جولة الحسم الأخيرة بين المسلمين واليهود في آخر الزمان.

{... فقالت أم شريك بنت أبي العَكر : يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟

قال : هم يومئذٍ قليل , وجُلُهم ببيت المقدس , وإمامُهم رجل صالح , فبينما إمَامُهم قد تقدم يصلي الصبح , فيرجعُ ذلك الإمام ينكُصُ , يمشي القهقرى , ليتقدم عيسى ابن مريم ليصلي بالناس , فيضعُ عيسى يدهُ بين كتفيه , ثُم يقول : تقدم فَصَلي فإنها لك أُقيمت , فيُصَلي بهم إمامُهم.

فإذا انصرف قال عيسى : افتحوا الباب. فيُفتح ووراءهُ الدجال , معهُ سبعون ألف يهودي , كُلُهم ذو سيفٍ مُحلىً وساج (*) , فإذا نظرَ إليه الدجال ذابَ كما يذوب الملح  في الماء , وانطلق هارباً.

فيقول عيسى إن لي بك ضربة لن تسبقني بها. فيُدركهُ عند باب لُدٍ الشرقي فيقتُلُه. ويهزم اللهُ اليهود , فلا يبقى شيءٌ مما خلقهُ الله يتوارى به يهودي إلا أنطقَ اللهُ ذلك الشيء , ولا حَجَرَ , ولا شجرَ , ولا حائط – إلا الغرقدة (*) فإنها من شجرهم لا تنطق – إلا قال : يا عبد الله المسلم , هذا يهودي , فتعالَ اقتُلهُ} إلى نهاية الحديث. أخرجهُ الحافظُ أبو عبد الله ابن ماجة في (سُننه) (9).

(*) ساج : الطيلسان الأخضر.

(*) الغرقدة : ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك.

لطيفة: لقد وَردَ في نهاية هذه السورة نفسها – سورة بني إسرائيل – إشارةً إلى الوعد الآخِر الذي تجتمع عند قُربه أخلاط اليهود في بيت المقدس ويأتونهُ من بلادٍ وأجناسٍ شتى.

قال تعالى : {وقُلنا من بعدهِ لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرضَ فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً 104}. قال الجوهري‏:‏ واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى؛ يقال‏:‏ جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏جئنا بكم لفيفا} أي مجتمعين مختلطين‏‏.‏ وقال الكلبي‏{فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء] تفسير القرطبي‏.‏

وقد فسر كثير من العلماء المعاصرين معنى قولهُ تعالى : {فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لفيفاً} , بأنهُ قدوم اليهود وهجراتهم المستمرة من جميع البلدان والجنسيات إلى بيت المقدس وأكنافه , والتي كان آخرها هجرة اليهود الإثيوبيين أو ما يُعرف بهجرات يهود الفلاشا إلى فلسطين بموجب ما تسميه إسرائيل بقانون العودة , والتي لا تزال مستمرة حتى الوقت الراهن (10) , وما اجتماعهم وتكاثرهم عند بيت المقدس وما حولهُ إلا ليُتِم الله وعدهُ الآخر المذكور في أول السورة , بإهلاك المُعاندين والمُفسدين منهم ومن كان معهم وفي صحبتهم من الكفرة والدجالين.

عن أبي هريرة رضي الله عنه , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر و الشجر : يا مسلم ! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود} متفقٌ عليه (11). 

إن الرباط والصبر والثبات على الحق مهما حصل من تقلبات هو من أهم بنود إنجاز هذا الوعد الرباني, لذلك فإننا نجد أن تركيز العدو ينصب على تحطيم إرادة ومعنويات أهل فلسطين ومن حولهم من العرب والمسلمين, وذلك ليتسرب اليأس إلى نفوسهم ويدب الرعب في قلوبهم ويظنوا أن لا سبيل لهم سوى الركون والاستسلام للأمر الواقع, ولا بد من الاعتراف بأن صبر المسلم في ظل هذه المحن العظيمة التي نعيشها اليوم يحتاج إلى صبر آخر لتدعيمه, ولا يمكن تحقيق مثل هذا الصبر والثبات إلا من خلال عقيدة صحيحة وإيمان عميق وإرادة صلبة, وعلى العاقل أن يتأمل واقعه ويعرف ما له وما عليه ويتصرف ضمن حدود إمكانياته, وأن يحتسب عجزه وضعفه إلى القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء سبحانهُ وتعالى, وحتى وإن مُنع المسلمين من أهل فلسطين من أداء شعائر الدين في المسجد الأقصى وغيره من مساجد فلسطين قهراً, فإن الله يجزيهم ثواب وفضل نيتهم ولا يزالُ معهم من الله ناصراً ومُؤيداً لهم على عدوهم ما داموا بالإيمان مطمئنين, وكذلك فإن انتصار الفلسطيني لنفسه وبلدهِ ومُقدساته ضد من يؤذيها أو يُعين على أذاها من المُفسدين والكافرين , وذلك بما تيسرَ لهُ وظَهرَ عليهِ من أسباب القوة هو من الشريعة والدين, قال عز من قال: {ولا يجرمنكم شنئان قومٍ أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى, ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله. إن الله شديد العقاب} [2, المائدة]. 

وعلى المسلمين جميعاً في أرض فلسطين وغيرها أن يصبروا صبراً جميلاً وأن يكظموا غيظيهم مدى الاستطاعة, وأن يكون ردهم على أي عدوان يصيبهم عقلانياً ومناسباً, فنحن قبل أن نكون أمة جهاد كنا أمة دعوة إلى الله ودينه الحق الإسلام, وإن لم يكن بمقدورنا الانتقام والانتصار على العدو بالطرق اللائقة فإن الله وملائكته وجنده قادرين وهم مع العباد الصابرين, ولكن عذر المسلمين في هذه الأيام هو غياب الإمام القدوة الذي من شأنه وضع النقاط على الحروف وإنارة الطريق للسالكين, قال تعالى: {واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر قال لأقتلنك, قال إنما يتقبل الله من المتقين 27 لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك, إني أخاف الله رب العالمين 28 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار. وذلك جزاء الظالمين 29 فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين 30 .. من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون 32} المائدة.   

لطيفة:

قال تعالى : {ولا تحسبنَ الله غافلاً عما يعملَ الظالمون. إنما يؤخرهم ليومٍ تشخصُ فيه الأبصار 42 مُهطعين مُقنعي رؤوسهم لا يرتدُ إليهم طَرفُهم وأفئِدتُهم هواء 43 وأنذرِ الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخِرنا إلى أجلٍ قريب نُجب دعوتك ونتبع الرُسل. أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال 44 وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبينَ لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال 45 وقد مكروا مكرَهم وعندَ اللهِ مكرُهم وإن كان مكرُهم لتزول منهُ الجبال 46 فلا تحسبنَ الله مُخلف وعدهِ رُسله. إن اللهَ عزيزٌ ذو انتقام 47} سورة إبراهيم.

إنَ وجه الأرضَ المُباركة مليء بالخيرات والثمار والأزهار, وأما باطنها فهو حُفرة من النار التهمت على مر السنين أجيالاً من المُفسدين والعابثين الذين صاروا عبرةً للعالمين, وعلى اليهود أن يأخذوا عبرة من تجارب أجدادهم السابقة في سَكنِ بيت المقدس, والتي تكللت جميعها بزوال ملكهم عنه وخروجهم منه جزاءً من الله على إفسادهم فيه, وإن من جهل ابن آدم وعنادهُ أن يتمسك بما هو زائل من حُطام الدُنيا ويترك ما لا يزول أبداً من نعيم الآخرة.[ ورد في بعض طرق حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى جهنم في طريقه إلى بيت المقدس, وروي عن عبادة بن الصامت أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي يبكي وقال ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى جهنم].
قال الله في كتابه: {أتأمرون الناس بالبِر وتنسون أنفسكم}, لذلك فإنهُ وقبل تجريمنا للآخرين وحملنا عليهم وإظهارنا إساءتهم وإنذارنا من سوء عاقبتهم, فعلينا نحن أمة العرب والمسلمين أن لا ننسى أنفسنا ونتجاهل جرائمنا بحق بعضنا البعض, وإساءتنا المستمرة لعقيدتنا ومقدساتنا بما نرتكبه من ذنوب وفواحش وآثام عندها وحولها في الشام وفي جزيرة العرب وغيرها من البلاد, ولولا ذلك لما استُلب منا بيت المقدس ولما تناقص سلطان هذه الأمة وعزتها وهيبتها, وللأسف الشديد فإننا لا نزداد إلا سقوطاً وتهاوياً يوماً بعد يوم إلى أن يشاء الله أن يصلح أمةً بعد فسادها.   
 
 
لطائف التفسير :
* لقد عاقب الله بني إسرائيل على فسادهم الأول في عهد التوراة على أيدي عبادٍ جبارين كفرة من المُلحدين وعَبدت الأوثان أمثال جالوت وجنوده , حيثُ كان بني إسرائيل حينها هم الأمة المُستَخْلفة من الله في الأرض.
بينما جاء عقاب بني إسرائيل على فسادهم الأول في عهد القرآن على أيدي عبادٍ صالحين مؤمنين , هم محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابهُ المُسْتَخْلَفين بحق من رب العالمين.
* لقد ردَ اللهُ الكَرَةَ لبني إسرائيل على عدوهم الذي اخترق مُدنهم وقُراهم وأخرجهم منها بعد فسادهم الأول في عهد التوراة , على أيدي عبادٍ مؤمنين صابرين من أوليائهم الصالحين وأنبيائهم المُقربين أمثال طالوت وداود وسليمان عليهم السلام أجمعين.
 بينما رُدت الكَرَةُ لهم على عدوهم – أي المسلمين- الذي اخترق قُراهم في المدينة المُنورة وما حولها وأخرجهم منها بعد فسادهم الأول في عهد القرآن , على أيدي عبادٍ قُساةٍ ظالمين من القادة والأغنياء والحُلفاء الذين وطَنُوهُم في أرضِ فلسطين مُتجاهلين لسُكانها الأصليين المختلفين عنهم بالثقافة والدين.
* وكما حصل لهم بعد فسادهم الأول فقد عُوقِبَ الظالمين من بني إسرائيل على فسادهم الثاني في عهد التوراة على أيدي المارقين والسفاحين من أمثال بُختنصر وجندهُ.
بينما سيكون بإذن الله عقاب الظالمين من بني إسرائيل على فسادهم الثاني في عهد القرآن على أيدي عبادٍ مؤمنين من أهل الإسلام من أمثال المهدي والمسيح عيسى ابن مريم عليهم السلام {ود وسواع} (12), كما دلت على هذا أغلب الروايات.

وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى اللهُ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبهِ وسلم.   

مواضيع ذات صلة على هذه الروابط :

دخول القراعين أرض فلسطين بالوعد المُبين

نُشر لأول مرة بتاريخ 24-10-2008

فكرة وإعداد : وليد أحمد الكراعين  

  الهوامش : 

(1) من كتاب الجامع لأحكام القرآن المشهور ڊ (تفسير القُرطبي).

(2) جميع أقوال ابن كثير هي من كتاب (مختصر تفسير ابن كثير) للصابوني.

(3) أخرجهُ الإمام أحمد بن حنبل في (مُسنده).

(4) أخرجهُ الحافظ في سيرة المهدي (الفتن).

(5) رواهُ الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود في كتاب (المصابيح).

(6) أخرجهُ الحافظ في كتاب (الفتن).

(7) في باب نزول عيسى ابن مريم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام , من كتاب الإيمان . صحيح مسلم 1/137.

(8) المُعجم الصغير الذي رتب فيه أسماء المشايخ على الحروف.

(9) في باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج , من كتاب الفتن , سُنن ابن ماجة 2/1359 – 1363.

(10) راجع موقع ويكيبيديا , عنوان البحث (يهود الفلاشا). 

(11) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

 (12) سورة نوح آية 23.

 

 

المراجع :

- مختصر تفسير ابن كثير , تحقيق محمد علي الصابوني.

- الجامع لأحكام القرآن , للإمام القُرطبي.

- كتاب رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين , للإمام النووي.

- كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر , للإمام يوسف بن يحيى الشافعي السُلمي.

- وتمت مراجعة أكثر من كتاب من كتب تفسير القرآن المشهورة.

 

فهرس لبعض أعلام المُفسرين:

ابن كثير : هو الإمام العَلاَمة الحافظ الثبت الثقة أبو الفداء (إسماعيل بن كثير) المتوفى سنة 774 هجرية , من جهابذة المفسرين وأعلامهم المشهورة , جمع في تفسيره بين الرواية والدراية , قال السيوطي في تفسيره : [لم يُؤلَف على نمطه مثله].

القرطبي : هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي , والمتوفى سنة 671 هجرية , قال عنه الذهبي :[إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة إطلاعه ووفود عقله وفضله] 

- عبد الله بن عباس : الحبرُ البحر , ابن عم رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وتُرجمان القُرآن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لهُ حيثُ قال : {اللهم فقهُ في الدين , وعلمهُ التأويل}. 

- مُجاهد بن جبر : من جيل التابعين - وهم الذين لم يصاحبوا النبي عليه الصلاة والسلام لحداثة سنهم أو لتأخر مولدهم عن فترة البعثة النبوية المُباركة , وتُسمى كذلك الأجيال التي جاءت بعد جيل التابعين من العلماء والصالحين ومن تبعهم ڊِ (تابعي التابعين) إلى وقتنا هذا- وكان مجاهد آية في التفسير فقد قال : [عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات , من فاتحتهِ إلى خاتمته , أوقفهُ عند كل آية منه وأسألهُ عنها]. ولهذا قال سفيان الثوري : [إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبُك به].

- سعيد بن جبير  , سعيد بن المُسيب , قتادة: جميعهم من علماء التابعين والمُفسرين الثقات المشهورين.

 كعب الأحبار : كان من يهود اليمن وصاحب معرفة وعلم كبير في التوراة والإنجيل وأنبياء وروايات بني إسرائيل, أسلم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."