محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
نشوة الاحتراق
نشوة الاحتراق
كل الطرق تؤدي الى القاعة اذن كل الطرق تؤدي الى روما . هكذا كان يتخيل نيرون ، وهو يداعب زجاجة كحول الحريق ، بعدما داعبت عقله .هكذا كان يحب أن يسمي نفسه بهذا الاسم ، رغم أن الناس يطلقون عليه عدة أسماء مختلفة . الا أن نيرون روما أحرق روماه بالحديد والنار ، وجلس بعيدا ، يتلذذ باحتراقها ، فدخل التاريخ من بابه الواسع . أما نيرون القاعة فقد أحرق نفسه بشرب كحول الحريق ليدخل من باب العدم الفسيح ، ويبقى معلقا على هامش الحياة وبالاحرى التاريخ . رغم هذا التناقض الصارخ الحاصل فيما بينهما ، أراد أن يقوم بتوئمة فريدة من نوعها على حسابه الخاص . في هذا اليوم المشؤوم ضبطوه يتسكع في شوارع روما بدون عمل وبلا أوراق اقامة . أرجعوه الى وطنه في أول طائرة منزوعة المقاعد ، كأنه سلعة فاسدة ردت الى أهلها بعدما انتزعوا منه جواز سفره .
جلس نيرون قصيا في ركن سقفه من الصفيح ، مفترشا الكارتون ، واضعا أمامه أنائين من البلاستيك فيهما أكلة المعقودة وعصير الطماطم ، وفتات خبز بارد متراكم أمامه . جلس يجتر ذكرياته الحزينة في هذا المكان منذ سنوات .
بدأ نيرون يدندن بأصابعه النحيلة المتسخة على أوتار عوده الذي صنعه من علبة الصفيح . يعلو بصوته مزمجرا تارة وأخرى يخفته حتى يخيل للمرء أنه يكاد أن يختنق مترنما بكلمات ساقطة بعدما لعبت الشمول برأسه .
بدأ أطفال القاعة يتقاطرون عليه الواحد بعد الآخر ، يتصايحون ׃
־ ״ واكويلة …! وا المجنون…! ״ .
وقف على رجليه ليوبخهم ، يتمايل كغصن صامد أمام الريح ، يتلاعب بيديه مشيرا إليهم ׃
־״ أهذا ما تعلمتم من قراءة وكنابه !؟…أهذا ما تعلمتم من أدب ينفعكم في المستقبل !؟ . تبا لكم يا أبناء القحبات ، تقو…! عليكم يا حفدة الاميركان ״ .
־״ ابتعدوا أيها الأطفال الملاعين عن ولد الهجالة (الأرملة) (ع…) .
أراد أن يعاود الجلوس ، لكن هذا الصوت الخشن ربما يعرفه ، انه صادر من وسط مجموعة من الشيوخ والكهول الجالسين القرفصاء ، المتكئين على حائط المقهى ألصفيحي بعدما نفضوا أيديهم من لعب ورق الكارطة ولعبة تيداس ليتفرجوا عليه . تقدم بخطوات قليلة أمامهم وجها لوجه ‘ متظاهرا بأنه في كامل قواه وفي أتم عقله ، بعدما أرغد وأزبد ، احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ، مشيرا إليهم بأصابعه المرتخية ، صائحا ׃
־ ״ ألا تعرفني يا ابن الهجالة(ح …) !؟ ، أما أنا فأعرفك جيدا ، لقد بعت فدانك وحمارك وخسرت كل شيئ بل خسرت حتى نفسك . أما أنا فابن هذه القاعة ، منذ طفولتي وأنا ألعب مع رفاقي لعبة (دينيفري) الرمضانية فوق رمال ساخنة بأقدامنا العارية . وهنا كانت قبائل التوازيط والشرفاء بنو فضل وأولاد أبي رحمة ، كانوا يبيعون الخضر والفواكه الموسمية ، وكذلك الحطب والفحم واعواد البناء التي كانوا يسرقونها من الغابة المجاورة . وكانت هذه القاعة ملجأ لرجال المقاومة ورموز الحركة الوطنية ، وضربا لمواعيدهم نظرا لموقعها الاستراتيجي قرب الغابة . وكانت مرتعا للجنود الاميركيين وهم يبحتون عن العاهرات في كل اتجاه. لكن نيرون ضاع صوته وسط صياح الصغار وصفير الكبار وضجيج الباعة المتجولون . وأحس بأنه فشل في تبليغ صوته الى الاذان الصماء . تراجع مهزوما ليستجمع أغراضه ، اتجه مهرولا الى رئس الدوار . جلس يراقب من هناك الداخل والخارج الى ومن القاعة يتلذذ بنشوة احتراقه.
عبدالعالي بن علال أبوجليل
Aboujalil99@hotmail.com
|