عتاب الأصدقاء:
لا يخلو الرجل-وهو معرض للغفلة والضرورة والخطأ في الرأي-أن يُخِلَّ بشيء من واجبات الصداقة؛ فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك أقمت له من نفسك عذراً، وسرت في معاملته على أحسن ما تقتضيه الصداقة.
فإن حام في قلبك شُبْهةٌ أن يكون هذا الإخلال ناشئاً عن التهاون بحق الصداقة- فهذا موضع العتاب؛ فالعتاب يستدعي جواباً، فإن اشتمل الجواب على عذر أو اعتراف بالتقصير، فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر، وسماحة نفس.
وعلى هذا الوجه يُحْمَل قول الشاعر:
أعاتبُ ذا المودةِ من صديقٍ إذا ما سامني منه iiاغتراب
إذا ذهب العتابُ فلا iiوداد ويبقى الود ما بقي iiالعتاب
ومما يدلك على أن صداقة صاحبك قد نبتت في صدر سليم أن يجد في نفسك ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي، وجبينك الطلق ذهب كلُّ ما في نفسه، ولم يجد للعتاب داعياً.
قال أحد الأدباء:
أزور محمداً وإذا iiالتقينا تكلمت الضمائر في iiالصدور
فأرجع لم أَلُمْهُ ولم iiيلمني وقد رضي الضميرُ عن الضمير
فإن أكثر صاحبك من الإجحاف بحق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف الكثير عذراً يزيل من نفسك الارتياب في صدق مودته-فذلك موضع قول الشاعر:
أَقْلِلْ عتابَ مَن اسْتَرَبْتَ بودِّه ليست تُنَال مودةٌ iiبعتاب
كتم السر عن الأصدقاء:
من المعروف أن الإنسان لا يكتم عن أصدقائه سراً يخشى من إفشائه ضرراً، وقد يجد الرجل في نفسه شيئاً متى شعر بأن صديقه قد كتم عنه بعض ما يعلم من الشؤون.
وأشار إلى هذا بعضهم فقال:
والْخِلُّ كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
ومن الأدباء من ذهب في النصح بكتم السر الذي يُخْشى من إذاعته ضررٌ إلى حدِّ أَنْ نَصَح بكتمه حتى عن الأصدقاء.
ووجه هذا الرأي إنما هو الخوف من أن يكون لصديقك صديق لا يكتم عنه حديثاً، وإذا انتقل السر إلى صديق لم يؤمن عليه أن يصبح خبراً مذاعاً، قال محمد بن عبشون :
إذا ما كتمت السرَّ عمَّن iiأَوَدُّهُ توهم أنَّ الودَّ غيرُ حقيقيْ
ولم أُخْفِ عنه السرَّ مَنْ ظنَّةٍ به ولكنني أخشى صديقَ iiصديقيْ
والقول الفصل في هذا أن الأمر يرجع إلى قوة ثقتك بصديق الفضيلة، وذكائه، وفهمه قصدَك لأن يكون هذا السرُّ في صدره، لا يتجاوزه إلى غيره؛ فإن كان صديقك على هذا المثال فأطلعه على ما في نفسك؛ فإنما أنت وهو روح واحدة، ولكنها في بدنين، فإن كان مع صداقته الخالصة لا تأمن أن يجري على لسانه بعض ما أفضيت به إليه فذلك موضع قول الشاعر:
ولكنني أخشى صديق صديقي
ومن الأذكياء من يحرص على كتم سرِّ صديقه، فلا يفضي به إلى صديق له آخر، ولا سيما صديقاً ليس بينه وبين الذي أودع عنده السر صلة صداقة، قال مسكين الدارمي:
أواخي رجالاً لست مُطلعَ iiبَعْضِهم على سرِّ بعضٍ غير أني iiجِماعُها
يَظلُّون شتى في البلاد iiوسرُّهم إلى صخرة أعيا الرجالَ انصداعُها
أثر البعد في الصداقة:
شأن الصداقة أن تنعقد بين شخصين يقيمان في موطن، وتبقى حافظة المظاهر ما دام الصديقان يتمتعان بأنس القرب والتزاور، فإن فرَّقت الأيام بين داريهما، وبدَّلَتْهما بالقرب بعداً، وبالأنس شوقاً بقيت الصداقة في قوتها، وإنما يكون للبعد أثر في مظاهرها.
وذكر أرسطو أن الغَيْبَة الطويلة من شأنها أن تنسي الصداقة، وساق على هذا المثل الذي يقول: "كثيراً ما أودى بالصداقة سكوت طويل".
ونحن نرى أن صداقة الفضيلة متى بلغت منتهاها لا تأخذ الغَيبة الطويلة شيئاً أكثر من مظاهرها.
وربما عُقِدَت الصداقة بين شخصين لم يتجاورا ولم يلتقيا، وإنما عرف كلٌّ منهما فضل الآخر على بعد، ولم يكن بينهما اتصال إلا من طريق المراسلة:
وإني امرؤ أحببتكم iiلمكارم سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وكثيراً ما تأتي هذه الصداقة بثمار طيبة غزيرة، وإن كان مسلكها في الروح غير مسلك الصداقة الناشئة عن لقاء ومشاهدة.
الصداقة صلة بين الشعوب:
لا غنى للشعوب أن ترتبط بصلات تجعلها كأمة واحدة، تسير إلى غاية واحدة، وهذه الرابطة تتحقق بالصداقات التي تستوثق بين علمائها وزعمائها الناصحين.
فالصداقة التي تنتظم بين طائفة من علماء الصين وطائفة من علماء المغرب الأقصى مثلاً - تجعل القطرين في اتحاد أدبي، وللاتحاد الأدبي غايات سامية لا يستهان بها.
وإذا دلنا التاريخ أو المشاهدة على صداقة كانت بين علماء متباعدي الأقطار، ولم تعد على تلك الأقطار بفائدة-فإن هذا الزمن يدعونا إلى أن نعمل على تقوية روابط الصداقة بين علماء الشرق والغرب، ونوجه جانباً من هذه الصداقات إلى خدمة المصالح العامة، والتعاون على أسباب السعادة المشتركة في الحياة.
10/10/1426هـ