الدكتور العنيزي شخصيه مخضرمة ومتعددة المواهب والمهارات، والذي لم يعطى له قدره، ولم يعترف بإنجازاته كما ينبغي، بل إن الكثير يجهله فى داخل ليبيا أو خارجها، ووفاءً منا له ولأمثاله من الرعيل الأول الذي بنى لنا دولةً اسمها معروف بين الأمم، سنحاول تسليط الضوء على هذه الشخصية الفذة المثابرة
____________
هو الدكتور على نور الدين عثمان العنيزي، من قبيلة العواقير، ومن مواليد مدينة بنغازي. وعائلة العنيزي ليست غريبة على الحياة العامة ولا الوظائف الهامة، فهى من اكثر العائلات البدوية فى برقة تقديماً للساسة ، وتأهيلاًً للمسئولين منذ الحكم العثماني إلي يومنا هذا، فقد كان منهم والده عثمان العنيزي الذي كان عضواً فى مجلس برقة السياسي فى إبريل 1915م، ومفتشاً شرعياً فى محكمة بنغازي فى ديسمبر 1915م، وثم عين عضواً فى اللجنة المختصة لاختيار وتعيين مختاري المحلات والأئمة فى 1920م. ولد الدكتور على نور الدين العنيزي سنة 1904م، واكمل تعليمه الابتدائي فى بنغازي، ثم بُعث إلي إيطاليا لاستكمال تعليمه الثانوي والجامعي هناك. وفى سنة 1923م حصل على درجة البكالوريوس، تخصص مستعمرات زراعية من جامعة فلورنسا، وفى سنة 1930م حصل على شهادة الدكتوراه الإيطالية فى فلسفة الاقتصاد من معهد الدراسات الشرقية من جامعة نابولي، وعمره لم يتجاوز 26 سنة. وعند رجوعه ألي ارض الوطن كلف بعدة وظائف إدارية وسياسية من سنة 1931 ألي 1941م. ففي سنة 1931 م عين سكرتيراً أولاً للسجل العقاري (سجل الأراضي) فى بنغازي، وبعدها اصبح مديراً عاماً للمكتبة الحكومية العامة سنة 1933م، وبعدها اصبح مديراً لهيئة الأوقاف فى بنغازي سنة 1935م، ومن ثم مستشاراً للدولة (الإيطالية) للشئون العربية، وهذه أعلى وظيفة تعطى لأحد أبناء البلد الأصليين من المستعمرين المجرمين الطليان في سنة 1939م.
وبعد الاحتلال البريطاني الأول لبنغازي سنة 1941م غادر د. العنيزي ليبيا هارباً من حكم الإعدام الذي أصدره عليه الطليان ويبدأ جهاده مع إخوانه بالمهجر من اجل حريتها واستقلالها. فوصل ألي مصر ومكث بالقاهرة من 1941 ألي 1951م، وكانت هذه المدة حاسمةً ومهمة جداً له، حيث تعلم فيها اللغة الإنجليزية، واستغلها فى تنمية مواهبه وقدراته، فسمحت له الظروف وكذلك المناخ الثقافي آنذاك بان ينهل ويزداد من القراءة والإطلاع والتمرس فى معترك الحياة السياسية الذي وفرته له القاهرة مقارنة مع ليبيا الحرب، والاستعمار الإيطالي الغاشم المدمر، وبدأ يساهم ويدلى بدلوه فى القضايا الوطنية، والإقليمية، والدولية. وظف فى الجامعة العربية كعضو فى السكرتيرة (أمانة السر) من 1945 ألي 1951م، فأكسبته الكثير من الخبرة السياسية وأصقلته بالمهارات الدبلوماسية التي استثمر فيها وقته، ومن الثمار التي جناها انه اخُتير ليكون فى الوفد الليبي الذي ذهب ألي ليك سكسس فى الولايات المتحدة سنة 1949م للضغط وكسب التأييد للقضية الليبية فى الأمم المتحدة من اجل الاستقلال. ومما ساعده على إنجاز ذلك حنكته الدبلوماسية وخبرته الغنية فى دهاليز السياسة، وكذلك قدرته على التحدث بأربع لغات.فقد كان بجانب العربية يتحدث الإيطالية والإنجليزية والفرنسية. وهذه القدرات برزت كلها مع سان ليوسفير دولة هايتى، الذي استطاع الدكتور العنيزي أن يقنعه ليقترع ضد اقتراح ما يسمى بـ "بيفن سفروزا " الذي بموجبه ترجع ليبيا ألي للانتداب الاستعماري، مخالفاً بذلك تعليمات بلاده مما أدى ألي فصله، ولكن المملكة الليبية بعد الاستقلال أكرمته بتعيينه مستشاراً لسفارتها فى البعثة الدبلوماسية فى أمريكا. وانتزع الدكتور العنيزي بذلك الاقتراع المضاد الذي فوت الفرصة على المتآمرين الغربيين للقضاء على آمال الليبيين فى استقلال ليبيا، وهوما اعتبر أغلى شئ حصلت عليه ليبيا فى هذا القرن المنصرم، وباعتراف سان ليووالكثيرين معه، وأصبحت ليبيا أول دولة مستقلة ذات سيادة فعلية فى المغرب العربي، وأول دولة أفريقية تنال استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية. وبعدها استقال الدكتور العنيزي من الجامعة العربية، ورجع ليخدم شعبه ويساهم فى بناء وطنه، فتقلد عدة مناصب أكثرها يهتم ويتعلق بالقضايا الاقتصادية، حيث اشتغل كعضوفى لجنة العملة. وبعد الاستقلال تقلد د. العنيزي عدة وظائف عليا فى عالم السياسة والاقتصاد والدبلوماسية. فقد اصبح عضواً فى أول برلمان ليبي موحد فى فبراير 1952م، ووزيراً للمالية ما بين 1953 ألي 1955م، وعمل تحت قيادة ثلاث رؤساء وزارات : محمود المنتصر ومحمد الساقزلى ومصطفى بن حليم. وبعدها اصبح د. على العنيزي أول محافظ لمصرف ليبيا المركزي، وبعد 6 سنوات كرجل ليبيا المالي الأول. بعُث د. العنيزي ألي بيروت ليقيم فيها كسفير معتمد للبنان والأردن معاً لمدة سنتين، وبعدها طلب منه الرجوع ألي ليبيا لحاجة البلد الماسة لخبراته، فعين وزير لأول وزارة للبترول من سنة 1963 ألي 1964م تحت رئاسة وزارة الفكيني والمنتصر. وبانقضاء عام 1964م ترك الدكتور العنيزي الحياة العامة ليصب كل جهده ووقته فى المسار الاقتصادي والتركيز عليه، لاجتهاده بان الجميع يحسن السياسة ولكن قل من يتعاطى الاقتصاد لرفع مستوى البلاد المعيشي وبناء دولة المؤسسات المستقرة للأجيال القادمة. فترأس اللجنة الليبية الأولمبية، وانضم كعضوفعال ألي عدة مجالس إدارية مصرفية وتأمينية. فكان رئيساً لكل من مصرف الصحاري وشركة ليبيا للتأمين والشركة الوطنية للملاحة (ليبية & تونسية)، وعضواً فى مجلس إدارة شركة التنمية الوطنية .. والخ. وكمفكر كان مهتماً بما يجرى على الساحة الفكرية والطرح الثقافي السائد ليبياً وإقليمياً ودولياً. فكانت له إسهامات ومحاضرات كرئيس لجمعية الفكر بطرابلس التي كانت تعنى وتناقش شؤون الساعة الفكرية، بمشاركة علماء واقتصاديين ومختصتين من جميع أنحاء العالم، وكانت للدكتور العنيزي إطلالات من الجواهر الفكرية، ولمسات اجتهادية ألي جانب عصارة تجربته السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والإدارية. وقضى ما تبقى له من العمر فى جمعية الدعوة الإسلامية مع فضيلة الشيخ محمود صبحي لخدمة الدعوة ألي دين الله تعالي. بعد هذه المسيرة الطويلة الحافلة بالكثير، انتقل ألي جوار ربه فى لندن بتاريخ ا إبريل 1983م، ونقل جثمانه الطاهر ليوارى الثري فى مدينة بنغازي عن عمر يناهز 79 سنة، ودفن بمقبرة الكويفية بجوار أمه كما أوصي. وترك من البنيين ثلاثاً عمر فخري وسعود وعادل، وبنت واحدة ماجدة، والتاريخ الحافل لنا لنتأمل. هذا وقد شهد له الكثير بالكفاءة والنزاهة والرقي، ولخص ذلك الدكتور احمد صدقي الدجاني، المفكر والمؤرخ الفلسطيني، فى مقابلة للتاريخ أجريتها معه فى لندن الذي عرف المرحوم العنيزي عن كثب، فقال : "إن المرحوم الدكتور على نورا لدين العنيزي كان محباً للتاريخ، ومحباً لكل شئ هذا الرجل ومن أهم الصفات هذا الرجل انه كان يشجع كل شاب، وكل زهرة تتفتح فى ليبيا، وبتواضعه ألجم، و.. و.. و، ويكون في كل محفل، وكان دائماً يركز على الإيجابيات، ويخُرج فى اشد الأوضاع صعوبة ما يمكن أن يبنى فوقه، هذا الرجل ساند الحركة التاريخية ..". واخبرني أحد وجهاء الليبيين بان الدكتور العنيزي كان له الفضل فى السماح له بالذهاب في دورة تدريبية خارج البلد مع أحد الشركات عندما كان محظوراً عليه السفر وصُدر جواز سفره من سنة 1961م إلي 1965 م. ولقد لعب الدكتور العنيزي دور كبير فى إقناع السلطات المعنية في استصدار جواز سفر جديد له وسماح له فى الذهاب وكذلك تشجيعه في طموحاته حتى أصبح مديراً لشركة كبرى فى ليبيا. فما أحوجنا اليوم ألي هؤلاء، ورحم الله الدكتور على نورا لدين العنيزي وشكر الله له كل جهده من اجل ليبيانا الحبيبة الذي انتزع لها استقلالها، بقلب سياسات ومخططات الدول الاستعمارية (إيطاليا - بريطانيا) رأساً على عقب فى الأمم المتحدة. فرحم الله ذاك الجيل من البناة والمجاهدين والعلماء المستترين أمثال الدكتور على نورالدين العنيزي ؛ وجزاهم عنا كل الخير، واحسن الجزاء فى الدارين.
_________________________________________
بقلم فرج نجم
باحث ليبي
منقول عن موقع ليبيا جيل
http://www.libyajeel.com/index.php?option=com_content&task=view&id=1797&Itemid=184