محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رواية" البوسطة"
رواية "البوسطة"
(الحلقة الاولى)
لكاتبها حسن احمد عبدالله
قبل البدء
هذه رواية من زمن ما عن بعض الناس الذين سرقهم النسيان،من هنا تبدأ والى ان تنتهي ربما يكون الزمن انتهى.
بطيئة،مملة احيانا، لا شيء فيها من الرواية احيانا اخرى،لكن في النهاية هي سرد لزمن ما يبدأ بالمعاناة ولا نعرف اين ينتهي.
من يريد ان يشارك في كتابتها يختار الزمان الذي يريد والمكان ايضا ويبدأ منه.
الفصل الاول
ضجر
حين تنبهت الى ما انا فيه من هذيان كان الباص قد قطع مسافة لا بأس بها باتجاه القرية، وعاد هديرمحركه يصم الاذان حين وصل الى بداية الطريق التي تشق الجبل صعودا،وبدأت تعليمات السائق بتتابع احذر يا محمود من انفتاح الباب الخلفي... انتبه للراكب العجوز... انت يا استاذ دخان سيجارتك يعبق في المكان".
قالت المرأة التي تجلس في المقعد خلف مقعدي :"باتت القرية قريبة، استيقظت منذ الخامسة فجرا ،قلت لزوجي :انا حامل ولا احتمل عذاب الباص، الا انه اصر لان اجرة "البوسطة" اقل من اجرة السيارة(...) الغلاء بات لا يحتمل و منذ الخامس عشر من الشهر نبدأ في تقنين المصروف ، ونشد الحزام في العشرين منه الى درجة الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم".
طال الحديث بين المرأة والعجوز التي تجلس الى جانبها بينما كان حمار يمر الى جانب الباص الذي يتسلق الجبل بصعوبة،وصاحبه يحدث نفسه بصوت عال، وحين وصل الباص الى جانبه نظر الى السائق وقال :"لا تسرع الموت اسرع".
***
حين انهى ارتداء ملابسه كان صوت المؤذن يشق عتمة الليل داعيا الى صلاة الفجر،دارت همهمات عدة بينه وبين والدتي لكنني لم افهم منها شيئا،فقط سمعته يقول:" سوف تسبقني "البوسطة" عندما اعود اخر الشهر نحسم هذا الامر".
اغلق الباب خلفه بهدوء،بينما عادت امي الى الفراش لتأخذني الى حضنها وتغط في نوم قلق،كنت اشعر بخفقات قلبها المتسارعة وكأنها تخفي رعبا كبيرا،فجأة بدأت الاصوات تتعالى وهي اخذت تحضنني بقوة، كأنها تريد الاحتماء بي من الاصوات،انا الطفل الذي لم ابلغ السادسة بعد وكنت يومها خائفا اكثر من امي،التي كانت تقول :" طلعت من الدنيا بـ"الجلبوط" الله يسمح لي فيه".
كانت فريدة بنت ابوعاكف الحلواني تزوجت في سن مبكرة جدا من ابي عفيف محمود اللبني.
كان بيتنا في اقصى الطرف الجنوبي من القرية،وحدنا كنا في هذه المنطقة المنعزلة،مرات كثيرة سمعت صوت الذئاب تعوي بالقرب من البيت،وذات ليلة دارت معركة حامية الوطيس بين كلبنا الجعاري وبين شلة من الذئاب انتهت لمصلحة الذئاب، ومات فيها الكلب بطلا يذود عن حمى قن الدجاج،لم تجرؤ والدتي على الخروج من المنزل الا بعد شروق الشمس، يومها بكت كثيرا ليس على الكلب انما على ثروتها من الطيور الداجنة.
جدي اللبان مات من جراء اصابته بمرض "الكوليرا" حين "اجتاح بلادنا في مطالع القرن العشرين،وجدتي لابي ماتت بعده بعشر سنوات غرقا في البئر حين كانت تنظفها، ومنذ ذلك الحين سدت البئر وتحولت الى قبر لها.
جدي الحلواني اصبح في الخامسة والسبعين من العمر، وهو حتى الان لم يحف شاربه،او يحلق ذقنه منذ توفيت جدتي لامي.
سمعت مرة خالتي تقول لابنة عمها "ابي كان يضربها في الليل لانه كان يعتقد ان جنيا يتلبسها،بينما كانت هي تعاني من الصرع، ولم يقتنع بكلام الدكتور ابولطفي حين اخبره ذلك، لا بل يومها كان من القسوة الى درجة انه اقفل باب الحمام الخارجي عليها وتركها محبوسة طوال الليل فيه".
تعتقد امي اننا من سلالة ملعونة لان الاحداث التي مرت بعائلتي ابي وامي رسخت عندها هذا الاعتقاد،الى درجة انها تعتقد ان خالي فتاح هو من قتل ثور المختار من اجل سلخه وبيع جلده لمدبغة ابو جهجاه للحصول على اجرة البوسطة للفرار من حياته المريرة في القرية.
امس قالت لوالدي منذ خمسة عشر عاما لم نسمع عن فتاح اي خبر، الم تصادفه يوما في المدينة؟
قال والدي: كيف اصادفه وانا من الفجر الى اخر الليل في المرفاء،اعمل كثور الساقية انقل البضائع،الم تلاحظي ان ظهري تقوص من الاحمال الثقيلة التي احملها كل يوم؟
خالي شريف اتهم بالسرقة في حادثة شهيرة وهو منذ خمس سنوات في السجن، تقول امي كلما شارفت مدة حبسه على الانتهاء افتعل مشكلة في السجن ليبقى فيه لان لا مستقبل له، فجدي بالكاد يستطيع تأمين مصروفه من عمله في محل الحلويات.
شريف كان عمره 18 عاما حين دخل السجن،ومنذ سنتين زاره والدي في محبسه، وكانت هذه هي الزيارة اليتيمة له،وامي لا تجرؤ على طلب الاذن بزيارته لان ابي قال لها ان تنسى ان لها اخا اسمه شريف،و كان غاضبا الى درجة كبيرة والى حد جعلني اخاف منه، ولا اتقرب اليه طوال ذلك اليوم.
***
كيس الورق الذي احمله شارف على التمزق، وبت خائفا على البيض الذي فيه و لا ادري هل سيقبل الحلاق مني البيض مقابل ان يحلق شعري؟ واخاف اذا تكسر البيض ان تعاقبني والدتي ويعاقبني الاستاذ فريد الحديد لانه لا يطيق ان يرى تلميذا شعره طويل في المدرسة.
***
اليوم انا في الخامسة والعشرين من العمر،والدي تقاعد من عمله في المرفأ، ووالدتي اصيبت بمرض السكري الذي افقدها نظرها،كل شهر ازورهما في القرية ليومين، وكأن سيرة ابي تعيد نفسها من خلالي، الفارق ان استقبال امي لابي كان حميميا الى درجة يسنيان فيها انني موجود، بينما استقبالي يبدأ بالشكوى من الظروف الصعبة، وقلة المال،وغلاء الدواء.
الشهر الماضي قال لي ابي: "ما تمنحنا اياه من المال لا يكفي يابني تدبر امرك وزده قليلا". وحين اخبرته ان راتبي لا يكفي لزيادة ما ادفعه لهما قال:" شوف حالك... دبر امرك... لا تكن مثلي ... لقد افنيت عمري عتالا في المرفاء ولم اجمع ثروة كغيري من الحمالين".
سألته كيف يجمع الحمال ثروة؟
قال:" بسيطة يأخذ من البضاعة التي يحملها القليل الذي لا يلاحظ ويبيعه في السوق،او يمرر تهريبه ويقبض عليها ويستريح من عناء العتالة".
قلت :" انت لم تزر خالي شريف في السجن الا مرة واحدة لانه سرق، و كنت تقول ان ما فعله عار لا يمحى ابدا،فكيف تتكلم الان عن التهريب، وعدم استغلال الفرصة؟"
قال:" خالك شريف كان ثاقب النظرة فهو اراد ان يتخلص من تعاسته في القرية بالسرقة ليهجرها الى الابد،لكن الحظ خانه في السرقة ... وفي السجن، ومات سجينا".
نفث دخان سيجارته واردف:"خالك فتاح ترك القرية وذهب الى المدينة ،اشتغل بالبار سنتين جمع راسمال صغير وهاجر الى البرازيل، وطول الوقت امك مفتكرة انه بالمدينة، بتعرف بشو اشتغل بالبرازيل؟ اشتغل ببار وبعد كم سنة فتح بار وصار رجل اعمال، وصار عنده مصاري ونسي القرية واهله والدنيا كلها، خالك فتاح اليوم صار بالستين،وعنده ثروة ، وانا انتظر اخر الشهر حتى تعطيني شوية مصاري لاعيش انا وامك، العلم شو نفعك؟"
***
كانت حياة ابي مجبولة بالانكسارات واليأس،ربما كان يحصد شوك البؤس التاريخي،حين رويت قصتي الى سميحة مسدت شعري بكفها وقالت :" دعك من البؤس وتعال معي نهاجر الى بلاد بعيدة لا يعرفنا فيها احد، وهناك نبني حياتنا من جديد، انا بشتغل بشي كباريه راقي وانت بتشوف شغلة كويسة ونعيش"؟
بين مرارة ابي مما وصل اليه وطموحات سميحة بت اقرب الى الاقتناع ان ما تقوله سميحة هو الحل الامثل،لكن سري الصغير الذي حافظت عليه طوال ثلاث سنوات سوف ينكشف اذا استسلمت الى الضغط اكثر، سرا ادرس في كلية الحقوق بعد ان انهيت تعليمي الثانوي في المدرسة المسائية، اريد التخلص من كل هذا البؤس دفعة واحدة حين اتخرج،لكن ضيق ذات اليد يدفعني احيانا الى التهور والتفكير جديا بالهجرة،فانا لا مستقبل لي حتى بعد الحصول على شهادة الحقوق اذ كيف ساعمل بشهادتي، اي مكتب محاماة سيقبلني لأتدرج فيه، وانا عار من كل واسطة في بلد الواسطة فيه تفتح كل الابواب؟
اشعر بدوار،اكاد اتقياء كل تعبي...اريد التخلص مما انا فيه...امس ليلا فكرت جديا بالانتحار... لن يكون ابن الحانوتي افضل مني لقد كان جريئا الى درجة انه تجرع قارورة السم دفعة واحدة، وكذلك ابن الحطاب، وبنت ابو شوارب، وزوجة الاسكافي،و ...و ...و ...و ، ثلاث سنوات شهدت فيها قريتنا والقرية المجاورة 25 حالة انتحار وكلها مرت مرور الكرام، لم يهتم اهالي القريتين للامر، وكانوا يعودون الى حياتهم بعد دفن كل منتحر، وكل المنتحرين كانت اسبابهم تافهة اذا قيست بالجحيم الذي اعيشه، وبالتاريخ العائلي الذي احمله.
لماذا لا اتعاطى مع الامر من زاوية اخرى،لماذا لا استغل الانتخابات المقبلة واتقرب من زعيم المنطقة وهو يكون واسطتي حين انهي دراسة الحقوق؟
لا ...لا ... لا مكان لي بين انصار الزعيم،وهم اصلا لن يقبلوا ان اكون واحدا منهم، فوالدي لم ينتخب الزعيم طوال 25 عاما ، وكان في كل انتخابات يشتغل شتاما للمرشحين ،يقبض من هذا ليشتم ذاك ، ويقبض من ذاك ليشتم ذلك ، وتنقضي الانتخابات وهو لم يدل بصوته ، لكنه يكون شتم كل المرشحين، وهم ينسونه طوال اربع سنوات ويتذكرونه في مهرجان الشتم، الى درجة انه اصبح منبوذا من الجميع في القرية ... فكيف سيقبلون بي.
ابي لماذ اورثتني عداوة الزعيم ايضا،لقد احكمت اقفال الابواب امامي، لا ادري فعلا كيف يمكن لي الخروج من الدوامة التي انا فيها ثمة فتاة ليل تريدني ان اهاجر معها. واب الان يرمي من كلامه الى حضي على الانحراف من اجل المال،وام ضريرة، وخال مات سجينا واخر هاجر ليعمل قوادا،وصاحب مواخير،وانا ادرس الحقوق بالسر لانني اخاف فعلا من عدم القدرة على المواجهة في هذا الامر،فاذا علم والدي انني ادفع سنويا 600 ليرة مصاريف دراسة في الجامعة لنصب لي المشنقة،فهو عندما نجحت في امتحانات الشهادة المتوسطة رمى بي في سوق العمل في المدينة، وكان يعتقد انني سأكتفي بهذا القدر من التعليم، وحين طلبت منه مرة السماح لي باكمال تعليمي انزل بي كل غضب الدنيا لدرجة انني بقيت في المنزل ثلاثة ايام للشفاء مما تسبب به من رضوض في جسدي.
تنحنح الرجل الجالس الى جواري مرات عدة قبل ان يقول :"لا تكبرها الهموم تزول سريعا تفاءل بالمستقبل يا بني"،ومن دون ان انبس ببنت شفة اضاف:" انا في الخامسة والستين من العمر،امضيت في السجن عشرين عاما واعود الى قريتي الان بعد كل هذه السنوات وكأنني اولد اليوم،اراك غارقا في همومك الى درجة انك لم تتنبه الى المشاجرة التي وقعت قبل قليل بين امرأتين تجلسان خلفنا".
وكأنه يريد الانتقام من صمت عشرين عاما في السجن قال:"قبل عشرين سنة كنت عريسا في شهر العسل، وكنت يوما امام بقالة القرية،سمعت احدهم يتحدث الى البقال وخيل لي انه يغمز من قناة زوجتي، لم اتمالك نفسي انذاك وانقضضت عليه واخذت اضربه بلا هواده واطبقت على عنقه حتى مات(...) بعد ثلاثة اشهر طلبت زوجتي الطلاق،قبل ان يصدر حكم المحكمة،طلقتها،وحين انتهت عدتها تزوجت من رجل من قرية مجاورة،وعلمت انها انتقلت الى المدينة،وبعد مضي اربعة اشهر على زواجها من ذلك الرجل انجبت ولدا،ولقد سجلته بأسم زوجها! عندها تيقنت ان الرجل الذي قتلته كان على حق،وقد امضيت عشرين عاما في السجن ثمنا لسراب الشرف(...) لا ادري الان كيف ادخل القرية؟ لا ادري اذا كنت استطيع فعلا مواجهة الناس(!) هل تعلم ان منذ 15 عاما لم يزرني اي من اهلي،هل تعلم انني امضيت 25 عاما في المهجر،جمعت فيها بعض المال،وحين عدت تزوجت من امرأة كانت تخطط فقط للحصول على مالي،وبدلا من ذلك دخلت السجن في السنة نفسها التي عدت فيها من المهجر وتزوجت؟"
كان الرجل يريد الى من يستمع له،وربما انشغالي بهمومي كان الدافع ليسرد علي قصته،لكن المسافة المتبقية لن تسعفه كثيرا،لذلك قلت له:لماذا لا تكون الليلة ضيفي، وغدا صباحا تذهب الى قريتك؟ اجاب:" الليل ستار العيوب، ولن يتنبه لي احد اذا دخلت القرية ليلا،وبيني وبينك لن انزل من البوسطة في القرية ،انما بالقرب من مدخلها،لا اريد لاحد ان يراني الان احتاج الى بضعة ايام من العزلة في البيت، وبعدها اخرج الى الناس".
قلت :انت غادرت القرية منذ عشرين عاما، ومنذ 15 سنة لم يزرك احد من اهلك،فهل متأكد ان البيت مازال كما هو،او مازال بيتك؟
بشيء من الحسرة قال:"مفتاح البيت ارسلته زوجتي الي مع احد رجال الدرك بعد خمسة اشهر من دخولي السجن، ومازلت احتفظ به، لا ادري اذا كان البيت يصلح للسكن، لكن لا مأوى لي غيره... ربك بيفرجها،من نام 20 سنة على فراش الحبس لن يزعجه فراش البيت حتى ولو كان من البلاط".
كانت غربان الدموع تحوم في افق عينيه،ربما هي غربان الخديعة التي دفع ثمنها 20 سنة في السجن،و لا ادري لماذا شعرت بود كبير لهذا الرجل الى درجة لمعت في رأسي فكرة ان ارافقه في الليلة الاولى له في قريته،شعرت انه يعاني من ظلم كبير ومن وحدة هائلة، انفلتت الكلمات مني لا شعوريا اذ قلت:" اتعلم انني ارغب بمرافقتك في اول ليلة لك في منزلك، اشعر انني مسؤول عنك،ارغب فعلا في تمضية الليلة معك، واذا لم يكن بيتك صالحا للنوم فيه نذهب معا الى قريتي سيرا على الاقدام ونبيت فيها ومن ثم نتدبر امرك،فغياب 20 سنة عن المنزل والقرية ليس بالامر الهين،استحلفك بالله الا ترفض اقتراحي هذا،فانت تريد الى من يستمع اليك، وانا اريد ان اروي بعضا مما اعتقده مأستي، وكلانا ياعزيزي في الهم غرقى".
نظر الي بعينين فيهما حنان كبير وقال:" يا بني انت مازلت في مقتبل العمر، لا تجعل نفسك اسير الحيرة،دعك مني فانا الان على مشارف النهاية، بعد كل هذا العمر لا اعتقد انني انفع الناس او نفسي في شيء، ماذا تستفيد اذا استمعت الي، رويت لك بعض مأساتي لانني شعرت من تأففك الدائم انك تحمل جبالا من الهموم اكبر من الجبال التي تحيط بنا".
صمت قليلا ثم اضاف:" لن ارفض طلبك،سأقبل عرضك، لانني فعلا اذا لم اجد بيتي، او اذا لم يكن صالحا للمبيت فيه احتاج الى بيت امضي فيه ليلة واحدة تنسيني الحبس".
كانت العتمة بدأت تدب في الارجاء،ونحن منذ تسع ساعات في البوسطة، لنقطع مسافة مئة كيلو متر بين المدينة والقرية، وكأننا نمتطي دابة وليس باصا،لكن هذه هي العادة في الانتقال بـ"البوسطة" الى القرية،فهي تتوقف عند كل منعطف وفي كل مدبنة وبلدة وقرية.
في المقعد المقابل لمقعدي كان ولدان من قرية مجاورة ويبان عليهما الجوع الى درجة انهما التهما كل الموز الذي في كيس ورق اشترياه من احدى المحطات، المرأة الاربعينية التي تجلس في المقعد ما قبل الذي امامنا يظهر عليها التعب، وكأنها ترغب في قضاء حاجتها ولكن اين في هذا الخلاء؟ وهل سجروء على الطلب الى السائق التوقف من اجل ذلك؟ ان ذلك سيجعل منها حديث قرى الناحية كلها، وستوصم بعدم الذوق، و انها بلا شرف، على المرأة في مجتمعنا ان تحتمل كل العذابات والا وصمت بابشع الاوصاف.
لقد نهضت من مكانها مرات عدة،تلفتت حولها مرات ومرات، لكن اسقط بيدها،وهي لن تقضي حاجتها الا عندما تصل بيتها، والواضح ان "البوسطة" لن تصل الى وجهتها قبل ساعة من الان.
معاون السائق اعتاد الحياة في "البوسطة" ولذلك اتخذ مقعده وغط في نوم عميق،اغمض عينيه عن شواردها، ولن ينبه السائق الى ما يريده الركاب،عليهم ان يتحملوا ما هم فيه. فجأة علا صوت الولد في المقعد المقابل" ابو فرج وقف "البوسطة" بدي فوت على الحمام"، لكن السائق لم يهتم كثيرا له، نادى رجل سبعيني السائق منبها السائق الى ما قاله الولد، الا ان ابا فرج اجاب:"بس يوصل على بيتهم يفوت على الحمام ما افينا نوقف بهذه الطلعة،الطريق صعبة والبوسطة مش راح تقلع مرة ثانية بس نوصل للسهل الله بيفرجها".
واردف موجها كلامه الى معاونه:"يا ابو خليل اقوم شوف الركاب،مش وقت النوم هلق". وكأنه اعلن في ذلك احتجاجه على كلام السبعيني،قال جاري:"زمان كان الواحد منا يمشي اكثر من ساعتين ليوصل لمكان توقف البوسطة حتى يستقلها اليوم يمكن صارت توصل الى ساحة البلدة، تغيرت البلاد... لكن الطريق بعدها لم تتغير".
وبشيء من التعالي سألني:" هل تعرف قصة الطريق التي نسير عليها؟"
ومن دون انتظار اجابتي قال:" في اواخر القرن الماضي استعانت الحكومة العثمانية بمهندس فرنسي لشق الطريق، وبعد اشهر من المعاينة والدراسة وبعد الكثير من الخرائط، وجد هذا المهندس نفسه امام معضلة حقيقية اذ ان الطريق لن تكون صالحة لمرور العربات،وفي تلك الايام لم تكن السيارات قد صنعت، وفي يوم الايام مر احد الفلاحين بالمهندس،وسأل المترجم منذ اشهر اراكم في هذه المنطقة، وترسمون الخرائط وتعيد رسمها ومعينة المنطقة، لماذا ؟
فقال المترجم ان المهندس الفرنساوي يخطط طريقا لتصل الناحية بالمنطقة الاخرى،فاجاب الفلاح:"قل للمهندس ان الحل عندي،واذا نفحني عشر ليرات ذهبية سأقدم له الحل". نقل المترجم كلام الفلاح الى المهندس،واخذ الاخير الكلام على محمل السخرية من الفلاح،واعتقد ان الرجل بحاجة الى الليرات العشر تلك ولن يطلبها مجانا، فوافق على طلبها، واعطاه الليرات التي طلبها ،حينها قال الفلاح للمترجم قل للمهندس ان يمتطي حماري، نقل المترجم كلام الفلاح الى المهندس،ضحك الفرنسي ساخرا،لكنها ساير الرجل وامتطى الحمار، عندها قال الفلاح للمترجم قل لمهندسك ان يرسم الطريق التي يسير عليها الحمار، وسيكتشف ان طريق الحمار هي اسلم الطرق ، ولن يحتاج الى مزيد من الوقت في البحث والمعاينة والخرائط.
حين ترجم المترجم كلام الفلاح اطلق المهندس ضحكة مجلجلة تردد صداها في الارجاء،عندها اطلق الفلاح العنان لحماره،وسار خلفه بينما بدأ الفرنسي يتابع باهتمام سير الحمار ويخط على ورقة بيده خطوطا لم يدرك الفلاح معناها الى ان وصلا الى القاطع الثاني من الناحية، وهكذا اعتمد المهندس الفرنسي طريق الحمار طريقا لنا، يعني من شق الطريق ... حمار".
قصة الطريق كنت سمعهتا عشرات المرات من كبار السن في قريتي والقرى المجاورة، ودخلت الى الادب الشعبي عبر كتاب لسلام الراسي، لكن ما كان يشغلني الورطة التي وضعت نفسي فيها عبر اصراري على مرافقة الرجل،فهو قاتل و لم يمض على خروجه من السجن اكثر من 24 ساعة،ماذا ترك به الحبس ؟ كيف عاش حياته خلف القضبان؟
ربما كان الرجل يقرأ ما يدور في خلدي،فقال من مقدمات:" هل تعرف ان للسجون قوانينها،و عالمها مختلف تماما عما تعرفه خارج اسوار السجن؟"
قلت : ماهي قوانين السجن؟ كيف هو هذا العالم الذي تتحدث عنه؟
قبل ان يجيب كان صوت معاون سائق البوسطة يعلن الوصول الى مشارف قرية رفيقي، وعلى من سينزلون فيها الاستعداد فقال الرجل:" اخبرك عن ذلك لاحقا دعنا نترجل من البوسطة هنا". ونادى على السائق ان يتوقف لنترجل، لم يعر السائق اي اهتمام للامر اذ المنطقة مقفرة وبعيدة الى حد ما عن اول بيوت القرية، توقفت البوسطة وقال سائقها لمعاونه "ساعد الجماعة(...) قبضت التعرفة منهم؟"
ترجلنا وحمل كل منا حقيبته،بينما استمرت البوسطة في رحلتها، ترامى الينا نباح بعض الكلاب، فقال رفيقي :" غريبة طوال عشرين عاما لم يتغير نباح كلاب قريتنا، ياعمي عندهم اصالة اكثر من بني ادم". واردف:" اعتقد ان الساعة الان تقارب السابعة مساء،في مثل هذا الوقت نتناول العشاء في السجن، ونعود الى القاووش،عند التاسعة تطفأ الانوار، ويتفقد السجان كل الزنازين ليتأكد من نوم المساجين.
احيانا كثيرة كنت امضي ليلا مستذكرا الماضي، الايام في الغربة حيث كنت شابا لم تكن الدنيا تسعني، واحيانا كنت اغفو فور وضع رأسي على وسادة القش التي كانت كل سنتين تستبدل".
توقف الرجل قليلا ونظر حوله في الظلام وقال :"كما هو جميل ان ترى الليل بحرية،من دون سجان ومن دون من يطرق على الباب الحديد ويقول لك بلهجة الامر نام يا فلان".
كان الرجل بدأ يدخل في حالة من الحنين الى السجن فهو امضى ثلث حياته فيه ومن الصعب ان يخرج منه بسرعة، سيبقى السجن فيه لزمن، طالما هو يتحدث عنه فهو غارق في السجن،اذ قال :"اول مرة اشعر بالخوف منذ عشرين عاما، يخالجني الشعور انني لن امضي في الحرية الكثير"، و لا شعوريا قال من دون ان ينظر الى الارض:" انتبه بعد قليل سنمر بعليقة الجنية،هذه الجنية كانت تخرج ليلا لتغوي الرجال الذين يمرون في المكان،لقد اصيب ابو جليل بلوثة منها، ففي ليلة من ليالي ايار كان عائدا الى منزله،يجر حماره خرجت اليه الجنية عارية كما خلقت، واغوته، بقي الرجل طوال الليل اسيرها، وفجرا تركته ودخلت العليقة حاول ان يدخل خلفها لكن الشوك مزق جسده،وعندما عاد الى البلدة كان ينزف من كل مكان في جسده، ولم ينبس ببنت شفة طوال اسبوع.
بعد اسبوع استيقظت زوجته على هذيانه،وبدأت بالصراخ،اذ كان الرجل يحدث كائنا غير مرئي، ويضحك،ولم يعر صراخ زوجته اي اهتمام بل استمر بهذيانه الى ان جاء الشيخ ابوعباس ، ولم تنفع رقيته في اخراج الرجل من لوثته،صار لازم يشوفه حكيم لازم ينكوي براسه حتى يشفى، وجاء الحكيم نسيم، وهو بالمناسبة الحلاق والصيدلي والطبيب والمطهر،وفي وقت الفراغ كان يشتغل سمسار زواج، كوى صدغ الرجل لكن الحالة تطورت اكثر، يومها ارسلوه على العصفورية، وانقطعت اخباره".
شعرت بكلام الرجل انه يحاول بعث الخوف في نفسي للسيطرة عليّ،فقلت :هل لا تزال تؤمن بالجن،العالم تطور كثيرا، ولا تخف لا شيء اسمه جن.
فقال :" تعوذ من الشيطان لا تقل ذلك،ان الله خلق الجن والانس ليعبدون". كنا حينذاك قد وصلنا الى جانب عليقة الجنية، ومررنا بمحاذاتها، وكان الرجل خائفا من اغواء الجنية،فأخذ يبسمل ويحوقل ويتعوذ الى ان اصبحت خلفنا بمسافة لا بأس بها،قلت: ها نحن مررنا الى جانبها ولم تخرج الينا الجنية. واردفت : ما رأيك اذا رجعت واشعلت النار في العليقة؟ هل تخرج الينا الجنية؟ بصراحة ارغب باغوائها لي. ووضعت حقيبتي ارضا وعدت مسرعا الى حيث العليقة،ومن ان التفت الى تحذيرات الرجل، اشعلت علبة الثقاب التي كانت معي ورميتها في العليقة،وعدت ادراجي،كانت النار بدأت تعس في العليقة رويدا رويدا بينما منت اقتراب من حيث وقف الرجل،وما ان وصلت اليه حتى قال :" انت مجنون رسمي،دعنا نسرع الخطى حتى لا تلحق بنا الجنية،لكن النار التي شبت بالعليقة احالت المنطقة المحيطة بها الى ما يشبه النهار،واخذت تستعر بينما نحن نحث السير.
حين وصلنا الى اول بيوت القرية،توقف الرجل وقال:"عملها ابو الحن واستولى على الارض وبنى بيت من كيسي"!
قلت : من هو ابو الحن؟
- انه اخي الصغير
مررنا الى جانب المنزل من دون ان يحاول الرجل حتى الالتفات بينما اخذني الفضول الى الاقتراب من المنزل توقفت قليلا امامه وعدت اليه حيث كان سبقني،قال:"ماذا وجدت؟"
واضاف:" انت لا تزال شابا ولن تستطيع فهم الحياة الا اذا عركت التجربة(...) على كل حال لم يعد البيت بعيدا". وكان الستيني يتحاشى منازل البلدة قدر الامكان لذلك انحدرنا قليلا الى بعض الحقول التي زادت من مشقة الطريق،واخيرا وصلنا الى المنزل الذي كان ينبعث منه ضوءا خافتا،وبشيء من الدهشة قال الرجل :"من استولى على بيتي،اقسم انني سأعود الليلة الى السجن،لن اتنازل عن بيتي،فهو كل ما تبقى لي من هذه الدنيا واريد ان امضي ما تبقى لي من عمر فيه.
امام المنزل كان شجرة زنزلخت ارخت اغصانها على جزء من الباب، طرق الباب بقوة، اكثر من مرة و بعد دقائق معدودات فتحت امرأة ستينية الباب وقالت :من انتما وماذا تريدان؟ وكانت تحمل بيدها عصا غليظة،فقال الرجل:شو عم تعملي هون؟ مين سمح لك ترجعي على البيت؟ واندفع الى الداخل،اطالت المرأة النظر في وجهه من دون ان تنبس ببنت شفة،كنت لا ازال واقفا امام الباب خراجا فقال ادخل...ادخل لا تخف.
التزمت المرأة الصمت واقفلت الباب خلفنا وعادت لتنظر في وجه الرجل بينما ران الصمت في المكان، وكانت الثواني اشبه بسنوات، ولم يكن هو ينظر اليها كان يحدق في الجدار امامه.
النظر في الفراغ احيانا يبعث في النفس كثيرا من المشاعر المختلطة،وبدأت حمم الغضب تتسرب الى ملامح الرجل،وتحولت انفاسه الى مايشبه التأوه،لم تمل المرأة من النظر اليه، وشعرت في تلك اللحظة انني اصبحت دخيلا غير مرغوب فيه،وحين وقفت قالت المرأة: اجلس يا بني لتسمع واحدة من اكثر المآسي غرابة في هذه الدنيا.
قبل عشرين سنة كنا لا نزال عروسين، وكنت حاملا بأبني،كان ابو حاتم في القرية يشتري لنا من الدكان بعض الاغراض حين سمع احدهم يتناولني بالسوء، ومن دون ان يتبصر الامر اطبق على عنق الرجل و قتله،الله لا يسامح من كان السبب لانه دمر اسرة كانت تتكون بالحب والسلام والسكينة.
وبلا طول سيرة، دخل ابوحاتم السجن، وجاء اخوه ابو الحن وطردني من المنزل، و فذهبت الى اهلي لكنهم طردوني ايضا لانهم صدقوا ما قاله الرجل،فذهبت الى المدينة وعملت خادمة في البيوت، مرة التقيت بابن عم زوجي فقال لي :ابو الحن اقنع زوجك ان يطلقك وقد طلقك فعلا منذ شهر،ولم يمض على حبس ابوحاتم شهرين بعد،يومها شعرت انني قد مت،وحين ولدت ابني حاتم اضطررت ان اعود الى القرية،كان استقبال اهلي فاترا، وقال ابي: نحن لا نستطيع اعالتك،جايبه معك ولد كمان روحي ارميه لاهله،رفضت وهددت بالعودة من حيث اتيت،الا ان امي تعهدت لابي بحل الامر بمعرفتها،وفي يوم من الايام استيقظت صباحا لم اجد ابني الى جانبي جننت فقالت امي لا تقلقي سيعود اليك ابنك انه بعهدة عمه،ذهبت الى ابو الحن ورجوته ان يعيد اليّ ابني،وبعد تمنع مصطنع اشترطت علي ان اخذ ابني واغادر القرية فورا،قبلت الامر على مضض، واخذت الرضيع ومضيت في حال سبيلي، وذهبت الى سورية ومنها الى الاردن حيث امضيت 19 عاما هناك اعمل خادمة في البيوت،عشت انا وابني سنوات عدة من دون هوية ، ولم نفكر يوما باستخراج جواز سفر،لقد سافرت الى الاردن مع مجموعة من البدو الرحل من دون المرور على نقاط التفتيش، وكنت حذرة جدا من افتضاح امري.
في يوم من الايام جاءني ابن صاحب البيت الذي اعمل فيه، وكان طالبا جامعيا، وقال الولد يجب ان يذهب الى المدرسة،فاين جواز سفرك لاسجله في المدرسة،وحتى لا اطيل اخبرته حقيقتي من اولها الى اخرها،وكان الشاب شهما فأخذ يعلم الولد في المنزل،وبدأ يبحث عن وسيلة يجعلني فيها مقيمة شرعية في البلاد،فاستخرج لي هوية لاجئة في العام 1948 عندما نزح الفلسطينون من ارضهم، وتحولت من لبنانية الى فلسطينية،واستطعت ان ادخل ابني مدرسة الانروا باسم حاتم كريم العز، مواليد صفد في 15 ايار 1942".
تنحنح ابو حاتم وسألها بشيء من الضيق"وين الولد؟"
من دون ان تلتف اليه قالت بحماس:"اسير عند اسرائيل". وبعد صمت ران على المكان اردفت:"كان من اوائل الذين التحقوا بالمقاومة الفلسطينية، ووقع اسيرا قبل اشهر قليلة بيد الاسرائيليين عندما كان ينفذ عملية فدائية بالارض المحتلة،كان دائما يعتقد انه فلسطيني، وانه يريد العودة الى صفد وكنت خائفة ان اخبره الحقيقة،لكن في يوم من الايام، وبعد التحاقه بالمقاومة،كان متحمسا جدا، اخبرته الحقيقة كاملة وعارية من اي لبوس فقال :لبناني او فلسطيني المصير واحد،المهم القضية،المهم تتحرر فلسطين،وطالما سجل مسقط رأسي صفد يجب ان اصل الى صفد التي منحتني هويتي. كان فرحا جدا بالحقيقة ولم ادر ما السبب،كان دائما يسألني عن ملامح ابيه، ويقول لي مازحا:هل كنت تحبينه؟"
بشيء من الزهو الممزوج بالغصة انفرجت شفتي العجوز عن ابتسامة وقال:"ابني بطل،وانا لا اعرفه"، ثم نظر الى زوجته وقال:"انا صار لي عشرين سنة بالحبس، والزلمة صار له من الصبح بالبوسطة، شوفي شو بدك تعملي بدنا ناكل ونرتاح شوية وبعدها بنحكي".
ثم وجه كلامه اليّ قائلا:" صار عندك حكاية حلوة يمكن تحكيها للناس،لكن تذكر دائما ان كل واحد منا بريء،والغلطان دائما مجهول، الحق على الطليان يا ابني".
hasana961@yahoo.com
|