المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
نجيب وبديعة والخادمة

ناس

 

 

 

نجيب وبنت الطحان والخادمة

 

حسن احمدعبدالله

 

وضعت يدها على كتفه وقالت :" انتبه لنفسك، لن تجد بعد اليوم من يمنحك الامان"، اطرق قليلا والتفت خلفه وقال:" اعلم ذلك، لقد امضيت 30 عاما وكنت اشعر كل صباح انني اولد من جديد، لكن الان اصبحت طاعنا في الهم، وليس في السن فقط".

في تلك الاثناء كانا اصبحا وحدهما في المقبرة، وكان بضعة عمال يكملون اهالة التراب على ضريح ام نجيب. رفعت رأسها ونظرت الى اعلى وقالت :" يجب ان تتغير حياتك، انت اليوم بحاجة لمن يرعاك، او بالاحرى من ترعاك، انت تعلم انني وزوجي سنغادر بعد اسبوع الى حيث نعيش، ستبقى بمفردك، يجب ان تتزوج".

لم يعر الامر كثير اهتمام، وقال:" دعك من هذا الموضوع الان، استطيع تدبر اموري(...) هيا بنا نعود الى المنزل فالمعزون سيتوافدون بعد قليل".

حين كانت تغيب بين المسافرين كانت الدائرة تضيق على نجيب، وكانت الاصوات من حوله تبدو وكأنها اتية من كوكب بعيد، لم يتنبه الى من كان يناديه التف على نفسه ، ومضى ساهما .

نجيب اعتاد كل صباح على صوت امه يوقظه من النوم، ورغم انه اصبح في الثلاثين من العمر الا انه بقي اشبه بالتلميذ في المرحلة الابتدائية الذي يخضع لامتحان طويل من الاطمئنان الى تناوله الفطور ، وترتيب ملابسه، وقلما كانت ام نجيب تترك اي امر من طقوس الصباح للصدفة او الاعتماد على ابنها فيه، فهي تعتقد ان "الاستاذ" نجيب هو الوحيد بين ابناء القرية الاستاذ، بينما بقية اقرانه هم عندها "معلمين ولاد"، اي في حسبانها لم يرتقوا بعد الى مصاف ابنها، حتى الاستاذ مدير المدرسة،والذي امضى نحو ثلاثة عقود في ادارة مدرسة البلدة هو "معلم اولاد"، نجيب وحده الذي ذهب الى المدينة ونال منها شهادة"استاذ"، لذلك امضت المرأة حياتها غير معترفة بـ"استاذية" زملاء ابنها، واحيانا كثيرة كانت تقول هذا الكلام الى اصدقاء ابنها الذين كانوا يجتمعون في بعض الليالي في منزلها.

في سنة من السنوات صممت ام نجيب على اختيار عروس لابنها،واستعرضت في جلسة واحدة مع ابنتها كل بنات القرية، ووجدت في كل واحدة منهن عيبا يمنعها من ان تكون "كنتها"، وحين عجزت قالت:" الزواج قسمة ونصيب، ويمكن كون نسيت واحدة من بنات القرية التي هي مناسبة لنجيب". قالت الابنة:" مارأيك ببديعة بنت الطحان؟" اجابت:" بنت الطحان ما بتليق بابني، ابوها بالنهار غارق بالمطحنة وبالليل مشغول باله بمشاكسة امها، والمثل بيقول :طب الجرة على تمها بتطلع البنت لامها،لا ...لا...لا هذه بتكون مثل امها مشاكسة ، وبتشغل بال اخوك".

قالت الابنة:" لكنها تدرس الطب في الجامعة ،وبعد سنتين بتصير دكتوره". ردت المرأة العجوز:" دكتورة شو ... شو يعني كل مين حمل شهادة صار متعلم ، نحن بعنا ثلاث بقرات حتى علمنا خيك، الطحان شو باع؟ بشو ضحى من شأن تتعلم بنته؟" صمتت قليلا وكتعبير عن حنقها من ابنتها قالت لها:" قومي اعملي غذاء لزوجك واخوك ، قومي ... بنت الطحان دكتورة ... دكتورة قال، اخوك استاذ مدرسة فهمتي شو يعني استاذ مدرسة ؟"

كانت السماء تمطر بغزارة حين مر نجيب من امام دكان ابو عرب، فناده من الداخل "تعال استاذ نجيب اجلس حتى يخف المطر"،دخل الرجل فوجد الطحان والفحام وابوعرب يتحلقون حول المدفأة ، كان الفحام اشعل للتو لفافة تبغ ، ومج منها نفسا عميقا ، واكمل حديثا كان بدأه منذ قليل، بينما نجيب القى جسده على اقرب كرسي من دون ان ينبس ببنت شفة. كان الطحان ينعم النظر به من دون ان يتنبه له، سكت الفحام ،كأنه يستدرك حضور الاستاذ، والتفت اليه قائلا:" من اي متى انت هنا ياأستاذ، لم اتنبه الى حضور ، لا مؤاخذة". قال نجيب:" منذ تركت الغنم عند مطحنة ابو وديع". قال ابو وديع الطحان :" خبرنا عنك يا استاذ كيف تمضي حياتك بعد رحيل الوالدة؟ الوحدة يا ابني صعبة، وانت بعدك شاب لماذا لا تتزوج؟"

لم يجب الاستاذ، بينما تولى ابو عرب زمام الامر وقال:" بلا مؤاخذة ابو وديع انا امون على الاستاذ ، واعتبر نفسي مثل والده" ووجه كلامه الى الاستاذ وقال :" اليس كذلك يا استاذ؟" قال نجيب:" والنعم ابوعرب والد واكثر، ويمون وما يقوله انا اوافق عليه من دون تردد".

التفت ابو عرب الى الطحان وقال له:" انا اطلب ايد ابنتك بديعة للاستاذ نجيب". عقدت الدهشة لسان الطحان ، بينما علت ابتسامة وجه نجيب وحاول كتمها الا انها فضحته. استدرك الفحام الامر ، واضاف :" ابووديع الاستاذ نجيب من اوادم القرية وسيرته عطرة بين الناس (...) وانت عارف انه وحده ، واخته تعيش مع زوجها في المدينة وهو يعيش وحده، وموظف وليس بحاجة لاحد ، وهو خير صهر لك ، وبديعة جوهرة يستاهلها هكذا جواهرجي، وهو يقدر قيمة الدكتورة".

لم يحر جوابا ابو بديع ، وبقي صامتا بضع دقائق ، وقام مودعا . ما ان خرج من الدكان حتى قال الفحام :" يا جماعة ابشروا خيرا صمت الطحان دليل الرضا لكنه لن يبت بالامر بمفرده يجب ان يستشير زوجته، ويكلم البنت بالامر ، لا تنسيا انها دكتورة، ولها شخصيتها المستقلة".

بديعة الدكتورة كانت افتتحت عيادتها في غرفة من غرف منزلهم، واصبحت في الثلاثين من العمر ، وابن الحلال الذي يقدر الدكتوراه لم يأت بعد، ولذلك كانت استقلت، في عرف القرية، قطار العنوسة ،بينما كانت الطبيبة تهتم بتطبيب ابناء القرية كان غرورها يأخذها الى ابعد مما يمكن ان يصل اليه اي غرور، فكانت تشترط على امها ان اي عريس يتقدم لها يجب ان يوافق على شروطها كافة ، والا لا يحدثها احد بأمر الزواج،هذا الحديث شبه اليومي بينها وبين امها كان يتحول احيانا مصدر خلاف بين ابووديع وزوجته ،فالمرأة كانت تنقل حرفيا كلام ابنتها الى الوالد وكان دائما يرد عليها:" شو شايفة العرسان صافين بالدور على الباب، بنتك اصبحت عانس ، وخلصونا من الحكي الفاضي،قومي اعملي ابريق شاي خلينا نسهر شوي على التلفزيون (...) نسمع كلمة اخبار ونروح ننام، شروطها قال ،تحمد ربها انها صارت دكتورة ، بنتك مثلك بدها اعمى قلب يتزوجها ، وان شاء الله ما يكون هو له شروط  ... دكتورة قال(...) وصفت دواء بواسير للحامل، وصبغة شعر لابو ناجي الذي كان يعاني من التهاب بالرئة، ونتيجة فحص الدم لابوخليل طلعت مع بنتك ان الرجل حامل( ...) قومي اعملي شاي وما تجيبي السيرة مرة ثانية، الله يسترها معنا و ماحدا يشتكي على بنتك لنقابة الاطباء او الشرطة وبيرموها بالحبس".

في اليوم التالي جلس ابو وديع على كرسي قرب ابنته في العيادة وقال لها:" لن اطيل الكلام في الموضوع. ابوعرب طلب ايدك للاستاذ نجيب. وانا موافق ، لن اسألك عن رأيك ، اقول لك لمجرد العلم بالامر، والان عليك ان تتحضري حتى اكمل الاتفاق مع ابي عرب والاستاذ نجيب".

تلقت الدكتورة الخبر بشيء من الفرح الممزوج بالمرارة، فاخيرا هناك من يريد الارتباط بها،لكنه الاستاذ نجيب اقل منها علما، اردف الطحان:" سمعت ما قلت لك؟" قالت الابنة:" ما تراه مناسبا اوافق عليه، ولا شروط عندي".

بعد اسبوع من الزواج قالت بديعة لنجيب:" انت تعرف مشاغل العيادة، لذلك نحتاج الى خادمة ،ما رأيك ان نستقدم خادمة من مكتب في المدينة؟" وافق نجيب فورا على طلب زوجته المصون، وبدأ اجراءات استقدام الخادمة، وكانت هي الخادمة الوحيدة في القرية الاتية من دولة اجنبية ،اذ لم تكن ظاهرة الخادمات قد انتشرت بعد، وكانت المسكينة لا تعرف كلمة واحدة من اللغة العربية، وهذا الامر كان مصدر صعوبة في التفاهم بين الدكتورة بديعة وبين خادمتها، وفي يوم من الايام عادت بديعة من المدينة ومعها كتاب طبخ باللغة العربية، دخلت المطبخ وقالت للخادمة:" اسمعي اريد منك يوميا ان تعدي اكلة مما في الكتاب، واياك اذا اخطأت، لن ارحمك".

لم تفهم الخادمة ماقالته الدكتورة ، ورمت الكتاب جانبا ، في اليوم التالي عادت الدكتورة من العيادة ولم تجد الغذاء الذي طلبته من الخادمة صباحا، فجن جنونها وانهالت توبيخا على الخادمة التي لم تدر ماهي جريمتها!

طرق الباب ففتحته لتجد والدها فقال لها :" لماذا تصرخين على الخادمة؟ ماذا فعلت؟" قالت :" قلت لها ان تعد الطبخة الموجودة في الصفحة 90 من  كتاب الطبخ لكنها لم تطبخها(...) هذه الخادمة لا تنفع سأستقدم غيرها".

قال الوالد:" نعم لقد ارتكبت ذنبا يجب ان تحاسب عليه، لكن تذكري انها اتت مباشرة من كوخ في احدى قرى بلادها الى بيتك فورا، وهي لم تتخرج من معهد عال للغة العربية حتى تستطيع قراءة كتاب الطبخ، هي الى الان لم تستوعب انها تنام في غرفة لها سقف من الخرسانة، ليس ذنبها انه ذنبك يادكتورة الا تعرفين انها لا تعرف اللغة العربية؟"

لم يرق الامر لبديعة لكنها سكتت على مضض ، وحين حضر نجيب الى المنزل اخبرته بجريمة الخادمة وحملته مسؤولية هذا الذنب الذي لا يغتفر لانه لم يختر خادمة تفقه اللغة العربية، وختمت خطبتها العصماء بالقول :" انا ذاهبة الى بيت اهلي وحين تجلب خادمة تفهم سارجع الى البيت".

مضى اكثر من 25 عاما على مغادرة الدكتورة بيت نجيب والى الان تنتظر ان يستقدم زوجها خادمة ، وهي لا تزال تحلم بخادمة تحل عقدتها.

 hasana961@yahoo.com




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."