المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الماضي الجميل

حين تسود الدنيا أمام أعيني وتحاصرني اللوعة والاسى والحزن من كل ناحية بسبب كل ما نعانيه كأمة أولا وكشعب في هذا المغرب العجيب ، أرجع إلى الله  وأعزي نفسي كمسلمة بالقرآن والسيرة العطرة لخير البرية عليه أفضل الصلوات والتسليم ثم أسرد بداخلي كل الوقفات التاريخية المجيدية التي مرت على أمتنا  .

أجل ، فالعزاء الوحيد الذي أعزي به نفسي وأنا أتجرع مرارة الأحداث وخسة البشر وندالة الساسة والحاكمين بالخصوص ، هو الرجوع إلى الوراء  ولكل تلك الحقب التاريخية المنورة التي كان فيها للمسلمين كلمة وكان لهم همة وشأن وقيمة حقيقية..

هكذا نحن العرب ، نهرب من واقعنا المعاش الذي لم يعد جديرا بان يعاش بالهروب إلى الوراء ، فنتذكر كل رجالاته وفرسانه وأبطاله ، نتذكر احداثه وتفاصيله علنا نخفف من وطئة الحاضر المر الذي يأبى إلا أن يستمر على ما هو عليه بأيادي حكامنا وساساتنا وبأيادي كل المتواطئين معهم من مفسدين وفاسدين ووصوليين  .

والغريب في الأمر ، أن نهايات الماضي لم تكن كلها جميلة 100 في 100 كنهايات أفلام الأبيض والأسود ، لكن الطبيعة البشرية هكذا  ترى في الماضي كل ما هو جميل مقارنة بما تعيشه من هوان وضعف في الوقت الراهن ، خصوصا مع موت الأماني والأحلام التي أضحت تتبخر مع مرور الوقت أمامنا كسراب الطريق وقت القيض.

فحتى أضعف شيء وهبه الله إياك  الا وهي الأحلام والأماني ، تراها تختلس منك في وضح النهار وتدنس بلا أسباب ،بل وتغتال بلا رحمة مما يجعلك تقف مذهولا بواقعك ومفجوعا في الذين يقومون بذلك ..

تكاد لا تصدق ، لكنك سرعان ما تصدق لانه للأسف تلك هي الحقيقة المرة التي ما عليك إلا ابتلاعها رغم مرارتها.

فتشعر وكأن الامس البعيد أو حتى القريب رحل وسحب معه  كل أبطاله ورجالاته الواحد تلوى الآخر ومن سوء حظك انت ، فقد وجدت في هذه الحقبة الرديئة  بالتحديد كي تعيش نهايات مؤسفة لكل شيء جميل .

نعيش نهاية فرسان السياسة والنضال والمعارضة الذين غيبهم الموت ، منهم من رحل في هدوء حزين تاركا في العين دمعة وفي القلب لوعة وحافرا في الذاكرة التاريخية والبشرية أحداثا راقية شجاعة لا يمكن ان تغيب أو تنسى..

منهم من تم اغتياله ظلما بلا أسباب ، فقط لأنه كان يخالفهم في التفكير  فغيب بطريقة بشعة لا تمت للإنسانية ولا للدين بصلة، جعلتنا نشعر بمدى اتساع رقعة الحقارة في خارطة هذا الكوكب  الذي علينا أن نصعد إلى السماء السبع  ونلقى عليه نظرة من فوق عله يبدو لنا جميلا . 

كان هنا شعراء ،

كان هنا أدباء ..

كان هنا مفكرين عرب ومسلمين لهم وزنهم الثقافي والادبي احتلوا في قلوب الناس مساحة شاسعة من الحب والتقدير، يوم كان للكلمة قيمتها وللحرف بريقه وللمداد رائحته العطرة وللكتاب أمانته ومصداقيه وللشعر مذاقه اللذيذ .

فقدناهم  ونعاني حاليا من اتساع رقعة الفراغ من بعد غيابهم ..بل أصبحنا في زمن يضطر فيه الكثير من الادباء والشعراء والمبدعين  ، عرض كتبهم وحوائجهم على الأرصفة للبيع ،لا لجشع في الحياة وطمع في الغنى وانما فقط كي يتمكن من العيش.. 

نهاية الكثير من رجال الدين الاثقياء  الأنقياء الذين رحلوا أحيانا في صمت وتجاهل  كانوا يمثلون لنا الشيء الكثير وبفضلهم تعلمنا أن "كل المسلم على المسلم حرام .." وأنه لا فرق بين عربي وعجمي اوبيض واسود إلا بالتقوى" غرسوا في نفوسنا قيم الاسلام السمح وكانوا راية في سماء عمرنا .

 برز في الساحة رجال دين بلباس  ولحي يدعون الدين ويتحدثون باسمه ويسبون ويشتمون الصحابة والصدقين ويحرفون أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يمتون للدين الاسلامي بصلة وأبعد ما يكونون عن سماحته وعظمته.. 

رحل الكثير من رجال  الفن الراقي الذي كان يغذي الاحاسيس والحواس بينما امتلأت السوق عن آخرها بأشباه فنانين مشوهين يبحثون عن تغذية أشياء أخرى ، فنهم الوحيد الذي يمارسونه باتقان وتفان هو فن الانحراف على جميع المستويات..

 وبعد كل هذا الرحيل المؤلم لفرسان الأمس الجميل لم يبق ما يشدنا أكيد ، فمع تقلص عددهم تلاشت العلاقات والروابط الانسانية والاجتماعية ومعها اندثرت الأحاسيس النبيلة التي بفرط كل العوامل المحيطة بها ،  تطورت بشكل سلبي كما تتطور الفايروسات الخبيثة ، وتحولت لنزعات  وتصرفات غريبة عن قيمنا التي تلقناها منذ نعومة أظافرنا.. 

 لم نعد نر الجار الطيب الذي يستر عورة جاره ويهب لنجدته عند انكساره ، واندثر الصديق الحميم تحت وطأة الغذر والحسد والأنانية والمادة ، أضحت الصداقة شيئا نقرأه في القصص الخيالية فقط ونشاهده إلى جانب الأطفال في أفلام الكارتون ، دنس الحب وافرغ من مفهومه السامي بسبب  الانحطاط الخلقي وقلة التربية الذي تعاني منها جل المجتمعات الاسلامية والعربية.

اندثرت أيضا الرجولة والشهامة فأين هم الرجال الغيورين على الدين والأعراض والمبادئ النبيلة بصفة عامة ، فالغالبية العظمى بدأت تمارس أضعف الإيمان..

كل  المكارم التي يحث عليها ديننا استبدلت باخرى غريبة عنا وأصبحنا نعاني مرارة التناقض بين القيم التي تشبعنا بها والتي ترسخت بدواخلنا و"القيم " الغريبة التي من حولنا وهي الاكثر انتشارا للأسف.. 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."