محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
يوم ميلادي .. عذراً .. لن أحتفل بك
الرابعة فجراً .. أترك يومي الأول خلف ظهري مستديراً لأستقبل صباحي الثاني .
أدور نصف دورة حول نفسي.. وسرعان ما أنشطر لنصفين فزعاً .. خربشات صغيرة في جنبي .. ما هذا ؟
من .. من ؟
لا رد ..
انتصبت واقفاً فوق السرير حاملاً غطائي الخفيف فوق كتفي .. دارت عيناي تبحث عن سبب لما حدث .. لا شئ غير عادي .
تذكرت حكايات أمي .. عندما كنت صغيراً في الخامسة أو ربما قبل ذلك بقليل .. إنها جنيّة ما قبل الفجر .. لكل واحد منا أخت أرضية .. تعيش في باطن الأرض .. ولكل فتاة أخ كذلك أرضي .. وإذا نمت غضبان أو حزين فسوف تأتيك لتعنفك على غضبك وتكبح ثورتك .. كذلك سـتأتيك لتبارك لك في يوم ميلادك وتحتفل بك.. هكذا قالت أمي.
أترى هي هذه التي أتتني الآن في عامي الثامن والعشرين ؟
لم أدر لماذا جرفتني ذكريات ماضية لأيام كانت تأمرني فيها جدتي بالذهاب لاستلام معاش المرحوم جدي من نادي المعلمين.. وتجلس تنتظرني في ردهة منزلنا الواسعة.. على ذلك الكرسي الخشبي الهرم.. العريض .
أعود ساحباً دراجتي الصغيرة في يدي .. بعد أن انقطع شريط البدال .. أتركها متكئة إلى الحائط وأهرول إلى جدتي .. لأعطيها النقود .. وأنتظر مكافأتي .. كانت جنيهاً في الغالب .. ينظر لي أخي بعيون منكسرة وشبه إحساس بالظلم يتطاير.. أهرول إلى الدكان المجاور لأشتري ما يحلو لثلاثتنا .. أنا وأخي وأختي الصغيرة ذات السنوات الأربع آنذاك.. وأعود لنستكمل عملية ثقب الخمسة قروش ودقها في يد الكرسي الخشبي الذي تجلس عليه جدتنا.. وهي تضحك .. كانت تقول : تذكر أنك فعلت ذلك قبل يوم عيد ميلادك بيوم واحد.. لقد كبرت عملتي الآن .. صار عمرها عشرين عاماً .. تكبر دون أن تتسع على ذات المساحة الخشبية القابعة في منتصف الصالة هناك .. في بيتنا.
وفي مدرستي .. كنت ولد شقيّ .. هكذا قيل عني من كل معلمة مرت ولو على سبيل الاحتياط على فصلنا .. في الفصل الذي علقت على بوابته لافتة سوداء صغيرة كتب عليها 4/1 كنت أدرس .. وأكتب مع زملائي الرسائل الغرامية للبنات.
يومها ضبطتنا معلمة الفصل .. كانت رسائلنا الأولى .. واحترقت الرسائل في سلة مهملات الحوش الواسع .. ومثّل بنا أمام الجميع في صباح اليوم التالي.. وتوقفت مواهبنا عند هذا الحد الفاصل بين الممكن والمستحيل.
وفي صيف مضى .. كنت على مشارف إكمال عامي الرابع عشر .. وكان يوم قائظ .. ذهبت مع اخوتي وأبناء الجيران لنأتي بحمولة عربتين من الصاج محملتين بالبلح الأحمر والأصفر والبرتقالي .. إنه بلح نخلنا الكثير.. وكانت هي تتمايل حذراً على الجسر المقابل لنا .. وتركت البلح والعربة التي كنت أقودها آنذاك والأصدقاء .. وهرولت إليها .. وإذا بكلبهم المفترس يخرج عليّ من خلف الساقية المجاورة ليمزق بعض ملابسي ويلاحق طيفي المتقافز أمامه إلى حيث لم أكن أعرف آنذاك.
في " الساحة" التي هي مركز شباب مدينتنا الريفية .. كنا نحتفل به بشكل مختلف في هذا العام، كان احتفال على إيقاعات " الجوزة" البلدي بدائية الصنع التي اشتريناها للتو من سوق وسط البلد في المدينة .. كنت ورفاقي قد بدأنا في رحلة جديدة للتعرف على مفهوم جديد " لمزاج " من نوع خاص .. تركت دراجتي بالخارج .. لن أنسى هذا اليوم الذي دخلت فيه لأول مرة في حياتي مركزاً للشرطة .. يومها سألني الضابط .. أين بطاقتك الشخصية ؟
قلت له .. ليس لدي بطاقة .
بدت دهشة على ملامحه .. وسؤال عن السبب متكور في حنجرته الغليظة .
قلت : في الغد سأكمل ستة عشر عاماً .
دائماً كانت تحدث لي مفارقات قدرية غريبة عندما يحل عليّ أو فقط يقترب .. ففيه أيضاً سقطت من فوق جدار المدرسة الثانوية .. يوم كنا ذاهبين لسرقة " الفول " من أرض مجاورة.. لكن ساقي لم تنكسر.. إلا من طين افترش المساحات العريضة على ملابسي.. وفي العام التالي .. قبل أن يحل بيومين أو ربما ثلاثة .. أحرق صديقي حصاد فدان كامل من قش الأرز يوم كنا جالسين هناك .. كنا ستة أصدقاء .. ولكي نشعل حجر " جوزة" أشعلنا في قش فدان من الأرز .. وهرولنا مفزوعين إلى حيث يختفي الخوف وراء ستار صنعته أيادي الأهل التي تربت على أكتافنا .. وتدفع ثمن القش المحترق.
وفي الجامعة .. اقترب مني كعادته .. فاصطدمت بدراجتي النارية في جسر خرساني وخُلع كتفي الأيسر.. عن غير عمد حدث ذلك .. ولكنه حدث.. يومها طرت في السماء لمترات وسقطت بكتفي على الإسفلت .. ما أفظع شعور السقوط .. في غيبوبة عن العالم.
جالس الآن أعتصر في ذاكرتي لأتذكر أمراً حدث في مثل هذا اليوم .. يوم عيد ميلادي .. بعد الجامعة .. ولكنني لم أجد ما يمكن أن يذكر .. لسبب بسيط .. أنني قطعت هذه العادة .. ولم أعد أحتفل به منذ ذلك الحين.
وها هو الآن يقترب مني .. بخطى وئيدة .. أشم رائحته في صوري القديمة التي أفتش فيها الآن.. أنظره في عقارب ساعتي التي تلتهم ما تبقى من وقت.. أسمع صوت خطواته تتخلل أغنية لعبد الحليم حافظ .. إلا أنها هذه المرة لم تكن قارئة للفنجان .. بل كانت أعز الناس .. أولئك الذين مرقوا على شريط ذاكرتي الآن .. واحداً وواحدة .. وتذكرتهم بكل خير .. آملاً في أن يصدق حليم .. وألا أنسى أعز الناس.. ولا ينسوني.. في يوم ميلادي.. الذي لن أحتفل به.
|