
لم أكن مخبراً للشرطة حين ضبطته ويده الصغيرة ترتعش برغيف من الخبز- سرقه خلسة من " طاولة" أفلت بها صاحبها تواً من الطابور اللانهائي أمام المخبز البلدي.
عندها تساءلت عيناه المريضتان في رعب - هل ستخبر صاحب الخبز ؟
لم أجد لدي إجابة - وليت وجهي منتظراً دوري في صمت المتواطئ، بينما رأيت طيفه يتقافز عن يميني إلى لا مكان
لم أعد أطيق رؤيتي لتلك الأطياف، أراهم في الطريق يهرولون أمام عصي غليظة تتبعهم، ثيابهم رثة مهدلة، غلظت ملامحهم الطفولية أشياء وأشياء .. وأشياء
تصطدم قدمي بأحدهم جالساً على الطوار المقابل لمحل للشواء - تاركاً نفسه لدخان اللحوم يتحلق به - يكسوه من رأسه إلى قدميه، يلتصق بخياشيمه الصغيرة .. التي خلقت له هكذا .. وهي الطريقة الوحيدة التي يتعرف بها على مفهوم اللحم المشوي
لكن الجلسة لم تدم طويلاً - عندما أظلمت في وجهه الدنيا لثوان إثر ركلة من العيار الثقيل تلقاها من عامل من عمال ذلك المحل الواسع المزدحم بالناس في مساء غريب من مساءات مدينتنا
لكن واحداً منهم وهم كثيرون .. لم أستطع أن أتخلص من صورته
كان احتفال بالصلح بين عائلتين كبيرتين في مدينتنا .. وكانت وليمة كبيرة .. كثر فيها المدعوون من كل صوب وحدب
أخذ الجميع في الإعداد لإنجاح الصلح وتلك الوليمة التاريخية التي ستتقاسمها العائلتين .. ساعات طويلة في بيت من بيوت أحد الكبراء قضيتها .. الكل يقف على قدم وساق
هنا ستكون الوليمة، هكذا يشير كبير الكبراء .. اجعلوها ذبيحة كبرى .. ليكن عجل سمين .. فالناس كثيرون .. لا تنسوا أن نواباً عن الناس سيحضرون الوليمة.. وبعض العمد والمشايخ .. وكذا الأعيان
وانصرف
دائماً لا يعرف الكبراء إلا كبراء مثلهم .. وها هم مجتمعون في ردهة الفيلا الواسعة .. غير أن بينهم بعض ممن وجدوا أنفسهم هنا في ساعة الصفر .. صدفة ! أو هكذا يظنون
في المطبخ الذي بني خصيصاً للطهاة على طرف الحديقة المنسي هناك .. الطهاة يسابقون الزمن لإنجاز المهمة .. الأفواج البشرية تتوالى .. تهدر كموج، يدلفون إلى القاعة الفسيحة وجزء آخر من حديقة الفيلا
الكراسي والمقاعد مرصوصة بدقة إلى جانب الأشجار .. والكل يغط في لحظة من التأمل والشرود
توزيع بشري منمق .. الكبراء في القاعة فرعونية الطراز .. والباقون في الحديقة .. وكذلك أنا
بدأت الطواقي لببيضاء في الظهور فيما اتخذ كل واحد جلسته مهيئاً معدته لابتلاع ألف ذبيحة كهذه .. الصواني تظهر .. كانت الأطباق محشورة فيها بلا أية مساحة خالية .. تفوح روائح لكل ما لذ وطاب .. ولعاب يسيل
أمامي كان يجلس رجل ضخم، كان عندما يفتح فمه لتدخل قطعة من اللحم، أرى دائرة مظلمة تتسع بحجم رأسين كراسي .. بل تتعدى ذلك .. إنه قادر على ابتلاع ألف رأس مثل رأسي بفمه الكبير هذا
انشغلت به قليلاً .. ليدور في داخلي حوار عن أمثاله الذين ملأوا بلدتنا .. أنظر كيف تتفتت قطع اللحم الكبيرة بين أنيابه وضروسه .. إنه يشبه طاحونة غلال كبيرة .. لكنها من أكلة اللحوم
فجأة ..
وأنا أدور بعيني في المكان متأملاً بشاعة آكلي اللحوم .. رأيت الكل منغمساً في معزوفة مضغ لا تنتهي .. ورأيت فتحة باب الحديقة الموارب تتسع شيئاً فشيئاً .. تظهر من خلفها عين واحدة ونصف وجه صغير يحملق
لم يكن هذا الوجه غريب عليّ
لم يجد في نظراتي الوحيدة التي تلحظه دون الجميع ما يربكه أو يقلق طفولته .. ابتسم .. ثم سرعان ما ظهر نصفه الثاني
بدت عيناه تنظران في نهم هائل لأكوام اللحوم الملقاة على الطاولات .. وحرمان أزلي يلتهم منه كل دقيقة يقضيها صامت هكذا
أمسكت بقطعتين من اللحم .. ورغيف من الخبز .. ورفعت عيني لأشير له بأن يأتي ليقاسمنا الوليمة .. كان يبدو جائعاً لحد كبير
وإذا بطيفه يتقافز فزعاً أمام عصا عامل الفيلا التي تلاحقه وعيون الجالسين ضاحكة عليه .. إلى لا مكان
م . ع