محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ظل المارد ... قصة قصيرة

كان قليلاً ما يتحرك من موقعه المتفرد هذا ..
وإن تحرك.. في ألف ركن وجدار أبحث عنه .. فلا أجده ؟!
يفرد عباءته كثيرة الأطراف .. كان كل طرف فيها مثبت بجدية على أحد الجدران .. دائما ما يختار الأركان ليصنع منها مركزاً لسطوته .. في نصف بيت يتخذ شكلاً مثلثاً انسابت قاعدته للأسفل !
كأنه يدخر حصيلة عمره المطاطي الذي يلفظه مع كل عملية ترميم للبيت .. ليضمن له قضاء أوقات أخرى في مكان لا أعرفه ؟
استدار ببيته ليحتل زاوية متفردة من الركن .. كان أسفل مصباح متدل كرأس مشنوقة نسوها هكذا بعد تنفيذ الحكم .. لوقت طويل يملأها الغبار .. ترسل ضوءاً متعباً .
هل هو سعيد هكذا بالوحدة والأحادية ؟
إنه يشبه إلهاً من آلهة الأساطير القديمة ، فقد يزلزل الأرض إذا مشى فوق ضوء المصباح .. حيث يتحول إلى مارد كبير .. من ظل!
عندما كنت صغيراً .. كنت أستمتع بتعذيب أمثاله بالنار.. لكن أمي كانت تمنعني ، كنت لا أستمع للنصح آنذاك .. وأعاود لأحرقهم جميعاً وفي ذهني صورة المارد / الظل الذي سيأتي ليقبض روحي واخوتي في الحلم.
أدور في البيت بحثاً عنهم .. في الأسقف والأركان.. كانوا يريدون مشاركتنا الدار.
كنت أدس أعواد الكبريت المشتعلة في وجوههم .. لأنتقم منهم .. أصعق أقدامهم صعقاً.. هكذا دون سبب.. أو ربما لخوفي من أن تتحول أحلامهم إلى حقيقة .. ويحتلون البيت فعلاً ؟!
ليس لهم فائدة في هذه الحياة .. ربما كنت مقتنعاً بذلك ؟!
جدي قال لي ذات مرة.. انهض .. فلا فائدة من شخص يضيع عمره بحثاً عن تفسير لرؤيا شاهدها وهو نائم دون غطاء .. و لا تقتلهم .. إنهم أضعف مما تتخيل !
كنت مؤمناً بالذي يأتيني في أحلامي.. جيش منهم وجيش منا .. وهزيمة أليمة تلقيناها على الجدار.. إحساس غريب كان يدفعني لأن أصدق ما رأته عيناي .. ولا أصدق جدي.. قواتنا كانت مبعثرة في المعركة .. لم يكن لدينا خطة واضحة للهجوم .. وهم جالسون يرسمون الخرائط ويراقبون من أعلى .. وينصبون الخيام بلون الحائط لتضليلنا.. كانوا يضعون داخلها الكثير من صور الفتيات الحسناوات بلا ملابس .. ربما كانت فخاً ؟ .. لا أدري !.
ولكن بيتنا لن يفيدهم في شيء إذا ما استعمروه.. إنه قديم وبال .. ويحتاج إلى الكثير من المال لإعادة ترميمه.. لقد أصبح أثراً .. فلماذا يتمسكون به هكذا؟
يقولون إن حياتهم قد تنتهي بضربة حذاء .. وأنهم لا يعيشون سوى نصف حياة فقط .. ولو كانت نصف حياة .. فما سر حقدهم هذا ؟
هذا الحقير .. لابد أنه زعيمهم .. بيته أصبح محاط بالفخاخ المنصوبة.. يبدو أنه ينوي البقاء كثيراً هنا.. كلما حاولت الاقتراب منه .. ينسحب إلى الجحر المظلم في منتصفه.. فلا أراه .
ويزول الخطر .. هكذا يظن .. فيعاود من جديد افتراش محراب مملكته في تحد .
ولكن .. أين جنوده حراسه وخدامه وعبيده الذين رأيتهم في الحلم ؟
ومن هؤلاء المكفنين بدقة من حوله ؟
ولمن تلك الأجنحة المكبلة بخيوط حريرية إلى جواره ؟
هل هو من فعل كل هذا وحده ؟
أشك في ذلك .. فعلامات الوهن والعجز تستعمر وجهه المدبب / المرمم .. وهذا البيت المتشابك هو آخر ما تبقى ليثبت أنه ما زال على قيد الحياة.. ولكن كيف وهو من تزعم حركة إعادة بناء الأركان أمس ؟ .. بعد أن طلع على رعيته منادياً : علينا بالصبر والعمل .. سنعيد لكل شيء زهوه وبريقه؟
ومتى ذهب هذا السافل وكلما رحت وجئت أجده واقفاً في نفس مكانه ؟
فجأة .. قررت أن تلامس أناملي طرف خيمته هذه .. أسرع واختبأ مذعوراً .. إذن هو لم يمت بعد !
كيف وهي يخشى ثلاثة أشياء .. الهواء النظيف الذي يفسد رئتاه ، وأنا الذي أهز عرشه، والعصافير التي تنقر وجهه لتضيع ملامحه المرممة.. كيف يفرد سطوته على كل هذه الجيوش والرعية الذين رأيتهم ؟!
لابد أن أخبر أبى وأمي واخوتي .. اللهم اجعله خير .. في الغد حرب ضروس بيننا وبينهم .. فقط سأكمل نومي الآن .. وفي الصباح لنا موعد أيها الكلب الدميم.
في صباح اليوم التالي .. ذهبت إلى الحمام الذي يسكنه .. لكني لم أجده أو بيته ؟!
بلا خجل سألت .. أين العنكبوت يا أمي ؟
- الأهل قادمون للزيارة يا حبيبي .. وقد أعدنا تنظيف البيت بـ " الزعافة" !
م . ع
|