محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
سيدة .. قصة قصيرة
كان جسدها نحيل جداً .. لم تكمل عامها السابع بعد.. يوم أن كانت ترتع في صالة المنزل الواسعة .. لم تكن خطواتها السريعة كاندفاع أطفال يلهون .. وإنما انصياع للنداءات المتكررة عليها من كل مكان.. كانت بريئة كنسمة .. أطرافها ترتعش دائماً.. هي طفلة فقيرة لأب فلاح وأم انهمكت في توثيق علاقتها بالزوج على طريقة الكثير من الأطفال / القليل من فرص الهرب لسيدة أخرى.
علامات للهم تستعمر كل ملامحها .. عروق ذراعيها نافرة على هيئة خطوط دقيقة تبدأ من أعلى لتنتشر في كل الاتجاهات.. على الرغم من صغر سنها إلا أن جلدها اكتسى بالصفرة كيوم مغبر.
أبناء الحاجة أتوا من القاهرة لتوهم .. لكنهم هذه المرة آتين بعلبة مغلقة.. إنهم دائما يضحكون !
تجلس الطفلة ممددة عنقها للأمام لتكتشف تلك الهدية الغامضة .. في صندوق مغلق كانت.. تغلفه أوراق السوليفان ورباط متداخل من الحرير..
حامت سيدة، هكذا اسمها، حول الكرتونة ثلاث مرات .. بينما تجلس توتي الحفيدة التي في نفس عمرها تقريباً في ثبات على الكنبة المجاورة .. كانت ملابسها نظيفة .. ربما لا يدهشها مشهد السوليفان الملفوف حول خصر كرتونة القاهرة.
لابد أن بها شيئاً غير عادي .. هكذا حدثت نفسها أثناء دورتها الثالثة حول مركزها الذي هو الطاولة.. لم تخرج بنتيجة لرحلة الكشف المكوكية.
أحست بعيون المحيطين تتابعها .. في صمت خجول دارت عيناها في ملامحهم.. جلست كالطوبة قرب أحد الأركان في محاولة للاختفاء.. شغلت نفسها بربطة الإيشارب البرتقالي الكبير الذي التف حول رأسها عدة مرات، وإخفاء بقع افترشت جلابيتها المهترئة.
فضولها ما زال يحبسها في نقطة لا تستطيع الفرار منها .. ترى ما الذي وضعوه داخل هذه الكرتونة؟ .. ليتها العروسة الحلاوة التي رأيتها في الدكان عندما ذهبت لأشتري كيس الملح ومرق الدجاج ؟.
سمعت ستي الحاجة تقول إنها مصنوعة من السكر المكرر .. لا بد أنها حلوة الطعم ؟ !
أخذها خيالها الطفولي إلى داخل الكرتونة .. العروسة الحلاوة ممددة في قالب كرتوني.. لابد أن لها زعانف كبيرة من الورق المشرشر.. وربما كانت تتكئ إلى أقراص من الحمصية والسمسمية والملبن .
نفيسة بنت عم عطية الخباز أعطتني قطعة ملبن في المولد الماضي .. كانت حلوة .. لكنه يلتصق في الزور.
تحرك فم سيدة .. ابتلعت ريقها .. وجلست تنتظر موعد فتح الكرتونة بفارغ الصبر .. وأوامر ستها الحاجة.
وبعد تناول الغداء .. جلس الجميع في الصالة يتبادلون الضحكات والنكات.. وسيدة تنقل الأطباق من الطاولة إلى المطبخ في سرعة فائقة وعيناها مثبتة على الكرتونة ذهاباً وإياباً .. وانهمكت في غسل الأطباق تاركة آذانها متجهة نحو الصالة .. وفجأة سمعت أصواتاً خارجية : أوووه هايلة !
في لمح البصر انحشرت وسط حلقة الناس الملتفة حول الكرتونة .. ما هذا ؟
- كل سنة وانتي طيبة يا ماما .. تورتة عيد ميلادك .. إيه رأيك في المفاجأة؟
الكل منهمك في أكل تورتة عيد الميلاد .. وسيدة تنفصل عن الكتلة البشرية منسحبة إلى المطبخ مدلدلة رأسها التي أثقلها سؤال آخر .. ترى هل هذه التورتة تلتصق هي الأخرى في الزور؟
|