محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
8ـ من الصفرية الى الانتاج .. او رحلة السبعمائة عام . 4
هل يحقق التطرف سرعة المسير و هل يختصرالزمن ؟
فى مفترقات الطرق و حين تكون "المجتمعات الصفرية" قد بدأت فى الحراك للتخلص من جمودها ، تظهرازمات ناتجة عن تاكل البني التقليدية القائمة على التبعية المطلقة، فى الوقت الذى لا تكون البنى الجديدة قد حققت الاحلال الكافى بعد ، لذا تنشأ لدى قطاعات واسعة توترات نفسية تتمثل فى الشعور بالضياع لغياب الاطمئئان الناتج عن الخضوع للسطوة الاجتماعية الكاملة، والامان الذى تضمنه التراتبية الراكدة فى المجتمع الصفرى.
انه الشعور بانحسار"سحر العبودية" التى تحدد للانسان كل تفاصيل حياته ولا تتطلب منه سوى الطاعة ، وتحصنه بثقافة تفسر له ـ ببساطة ـ موقعه من المجتمع والسبل التى يشقها فى مستقبله و آلامه وعذاباته، دون ان يرتبط ذلك بالتحدى الذى يمثله الاختيارعندما يصبح فى مواجهة عالم جديد يرتبط فيه واقعه بجهده و يصنع فيه ـ لحد كبيرـ مستقبله ، عالم يطرح الكثير من الاسئلة الجديدة على عقله كل ساعة، ويضعه كل يوم امام تحديات الاختيارات الصعبة، وينقله من راحة يقينيات"العبودية" الى توترات غموض آفاق "الحرية" .
وعندما ينتقل هذا التوتر من المستوى النفسى الى المستوى الاجتماعى فهو يتحول لدى الجموع الى احتياج سياسى لخطاب حاسم ، يعد بالفردوس المفقود ، يمتلك كل الحقائق ، يتولى عنهم الاجابة عن التساؤلات و يجد لهم الحلول النهائية ، ليزيل عنهم التوتر.
و هنا ياتى دور النخب السياسية التى تنحصراختياراتها فى تحقيق الزعامة والرغبة فى قيادة الاخرين ، فتبدأ فى طرح خطاب متطرف يستند على ازمات المجتمع و يرتكز على المغالاة ، يستعمل التعميم اللازم لتوظيف الواقع حسب الرغبة ، ويهرب من حساب تاثير الشروط الموضوعية ، ويتبنى المقولات الحماسية التى تلهب المشاعر مع التركيز على التذكيرالمبالغ فيه بوجود خطر داهم ، والتلاعب بالتفسيرات ، والفصل القاسى بين "نحن و هم"و تغذية هذه الثنائية على قاعدة "كل الخير فينا" و "كل الشر هم".
وعلى كاهل هذه الثنائية يبنى عالم جديد يقوم على "الذاتية الجماعية" التى تحفز مشاعر الكراهية و الرغبة فى الانتقام من الآخر ، وليصبح التهديد و الابتزاز ، و القاء التهم جزافا و اغتيال الشخصية ، و تزوير الوقائع و اطلاق التسميات النابية من اركان هذا الخطاب .
ويبدأ البحث فى الماضى عما يمكن ان يضفى على الخطاب تاريخيته ، ينتقى منها ما يخدمه و يخفى الباقى ، و يبدأ ربط الشعارات الحماسية بالوجدان ، و تضفى عليها القدسية لتصبح جزء من كينونة الانسان ، كما تنشأ حساسية مفرطة من المنطق الموضوعى و العقلانية يتطور الى ازدراء عام بالمعرفة لحساب حلول نهائية قادرة على حل كل المعضلات ، وليتحول فى النهاية الى شعارات و مقولات خالية من المضامين تزعم انها تلغى ما عداها .
تخلق مخرجات الخطاب وشحناته العاطفية الجاذبية التى تحشد المقهورين حوله ، حيث يجدون فيه الاطمئنان الذى يبحثون عنه، فعلاوة عن انه ينقلهم من الشعور بالتجاهل فى الاركان المظلمة الى بؤرة الضوء التاتج عن الضوضاء و الحدة ، فهو يقدم لهم مهربا جماعيا من التوترات التى تصنعها الاسئلة الكثيرة التى تسبب لهم الشعور بالضياع ، فيصبح بمثابة بوابة على عالم مريح مبنى على اليقينيات يعيد لهم التمتع "بسحر العبودية" الذى يحصن العقل ضداسئلة الوضع الجديد .
هنا يصبح منتج الخطاب فى موقع "الملقن" القادر على صناعة تفكير الآخرين بينما يغدوا الاخرون فى موقع "المتلقى" ، وتنتفى اى حالة حوارية بين الطرفين لحساب علاقة تبعية يمارس من خلالها الملقن التهييج و التحريض بينما يستجيب المتلقون بالتنفيذ، وليبدأ تكوين قطيع سياسى حول اليقينيات التى يبثها الملقن .
يبدأ القطيع فى انتاج هويته ، فبالاضافة للشعارات والهتافات التى توحدهم عند اللقاء ، يتم شخصنة العدو الذى يجب القضاء عليه ، كما يصبح توحيد الزى و المظهر الشخصى والسلوك و طريقة الكلام و التخاطب واسلوب التحية مظاهر تاكيد الانتماء الى القطيع ، كما تحقق المسيرات ـ خاصة الليلية منها ـ اضفاء الشعور بالسطوة ، ولتحقيق المزيد من الامتزاج بين الافراد تكلف الجموع بمهام الزحف و المداهمة على العدو الذى يقوم الملقن بتحديده ، و يبرز من داخل القطيع "ملازمين" يتولون تنظيمه و تاكيد طاعته كما يبادرون بالتصدى للاعداء و التنكيل بهم لتحقيق مواقع اكثر تمايزا .
ويصبح العنف اداة مشروعة لحسم الخلافات السياسية ، و يكتسب الملقن سلطات القاضى فهو يحدد التهم و يعلن الادانة و يحرض القطيع على التنفيد ، و لتبدأ جثث الخصوم المصلوبة فى الشوارع فى الاعلان عن "زمن الرعب" ، كما تطال التصفيات القطيع نفسه بدعوى "التطهير" وليصبح الخوف سيد الموقف ، وتلطخ الدماء ايادى الملقن و المتلقين فيصبح الحفاظ على انفسهم هو الغرض الحقيقى من عملهم السياسى ، وكذلك لانتاج الشعور بالسطوة الذى يعيد لهم الطمأنينة .
ولا يحدث هذا فى معزل عن المناخ الثقافى السائد فى المجتمع الذى يزود الملقن بالخلفية التى تسمح له بتمرير خطابه و تحقيق المزيد من السيطرة ، ويزود افراد القطيع بكل مبررات الاستكانة و الطاعة .
كذلك يصبح الخصوم السياسيين "خونة للوطن وعملاء " للأعداء الخارجيين الذين يهددون امن الوطن، حتى يصادر حقهم فى الاختلاف وتدفع الحشود الى تصفيتهم ـ دفاعا عن الوطن ـ و هى مرتاحة البال .
فى هذه الاوضاع ، الاستبداد و الاقصاء ، سيطرة الرعب و سيادة العنف ، تختفى كل مساحة تتيح استعمال العقل ، و يتحول المجتمع الى ساحة قتل او حلبة مصارعة او سجن كبير او كلها مجتمعة ، وليبدأ الناس ـ و بفعل الواقع السىء الجديد و الزمن الذى ضاع عبثا ـ فى اكتشاف المخاطر التى يحملها التطرف فى حناياه ، وكيف ان الوعود التى اطلقت بالنعيم المفقود و اختصار الزمن ليست الا كوابح تعطل المجتمع عن تحقيق تقدمه ..لا يمكن ازالتها الا بانجلاء الخطاب المتطرف و تفكيك قطيعه .
هذا ولا تذهب اثار التطرف بزوال تاثيره بل تبقى بعمق الجراح التى يخلفها وقسوة الالام التى تبقى فى الذاكرة الجماعية للناس ، كما تعيق العداوات التى خلقها و اججها امكانية لملمة الصف الوطنى وتحقيق وحدته من جديد ، وفى كثير من الحالات تصبح هذه الاثار ندوب دائمة على وجه الوطن .
لذا تبقى المراحل التى يسود فيها التطرف فى حياة الشعوب دروس حية و عملية لأهمية العقلانية والموضوعية والتدرج ، و مركزية دور الحرية فى تقدم الشعوب .
كان هذا احد اهم دروس "الثورة الفرنسية" التى تركت من الاثر الفكرى العظيم على البشر ما دفع "شوين لاى"عام 1965 للقول"ان الوقت مازال مبكرا لحصر الآثار الفكرية للثورة الفرنسية رغم مرور مائتى عام على احداثها".
..لم يكن لويس السادس عشر ملك فرنسا يعلم عندما دعا المجالس الثلاثة ـ التى تكون مجلس الدولة ـ للاجتماع عام 1789 لتدارس الازمة المالية فى البلاد انه فى الواقع يحضر المسرح لواحدة من اهم احداث التاريخ ، ذلك ان النظام القديم الذى تقوده اسرة "البوربون" بسلطات ملكية مطلقة متحالفة مع الكنيسة و النبلاء الاقطاعيين كان يواجه صعود طبقات جديدة خلقها الواقع الاقتصادى و الثقافى الجديد ممثلة فى برجوازية المدن و حلفاءها من الفلاحين و الاجراء .
فعلى وقع الازمة الاقتصادية التى خلقتها الحروب الملكية فى القرنين السابع و الثامن عشر ، و تفاقم الدين العام ، و اعباءالضرائب التى فرضها الملك والكنيسة اكبر مالك للأرض الزراعية فى فرنسا وقتها ، و ارتفاع اسعار الغذاء و انتشار المجاعة و الفقر و ارتفاع معدلات البطالة قى مقابل البذخ فى انفاق البلاط و الطبقة الحاكمة ، وكذلك تصاعد المعارضة للملكية المطلقة ولسيطرة الكنيسة ، ورفض الطبقة الصاعدة من البرجوازية ـ المهنيين و التجارـ لأمتيازات النبلاء المتوارثة ، وامتعاض الفلاحين من سطوة النبلاء الاقطاعيين و انتشار الافكار التى تنادى بالحرية و اقامة الجمهورية جاءت البوادر.
فقد بدا التحالف الصاعد يرفض الترتيبات القديمة التى تقسم مجلس الدولة الى ثلاث مجالس : المجلس الاول لرجال الدين والمجلس الثانى للنبلاء بينما المجلس الثالث للبرجوازية و الفلاحين ، وهى مجالس متساوية الاعضاء يتمتع كل منها بصوت واحد عند اتخاذ القرار ، وتحت شعار" الشعب اساس الدولة ، انه فى الحقيقة الدولة نفسها " بدات مجموعة من الليبيراليين سمت نفسها "لجنة الثلاثين" بالمطالبة بمضاعفة عدد اعضاء المجلس الثالث و ان يؤخذ بالتصويت الفردى ، ومع عدم تجاوب اغلبية رجال الدين والنبلاء بدأ المجلس الثالث فى الاجتماع تحت اسم "الكومونه " اى مجلس العوام ، و اعلن انه "المجلس الوطنى لفرنسا" و انه "مجلسا للشعب و ليس الدولة" داعيا اعضاء المجلسين الاخرين للألتحاق به مؤكدا انه سيسير امور فرنسا سواء التحقوا به ام لا ، كما تعاهد الاعضاء على الا يتفرقوا حتى يضعوا دستورا لفرنسا ، وليبدأ فى تلقى التاييد من مختلف المناطق ، و ليطلق على نفسه "المجلس الدستورى الوطنى".
وداخل قاعة المجلس بدأت الالوان السياسية تتحدد حتى فى اماكن الجلوس ، فعلى اليمين جلس كل من المحاقظين و الملكيين ، وفى يمين الوسط جلس الملكيون الدستوريون ، ثم الوطنيون والليبراليون الذين ينادون بالجمهورية و لكن دون تطرف مثل "الجيروندين" بقيادة ميرابو و لافاييت على يسار الوسط ، و اخيرا "اليعقوبيون" بقيادة روبسبير ودانتون الى اقصى اليسار .
اجاب الملك على التحدى بطرد رئيس الوزراء "بيكير" الذى كان ينحاز الى مطالب الشعب كما حاول فض اجتماع المجلس ، سرت شائعات بانقلاب يقوده الملك ضد المجلس ، فاعتبر الاعضاء انفسهم فى دور انعقاد مستمر و دعوا سكان باريس لحمايته ، فانتشرت اعمال العنف فى المدينة التى سيطر المجلس عليها فاصبح رئيسه عمدة لها و فى 14 يوليو1789 انطلقت الجموع الباريسية الى سجن قلعة الباستيل فاحرقته و اعدمت مديره ،امام القلاقل اضطر الملك الى اعادة "بيكير" لعمله و العودة الى باريس للتصالح مع المجلس ، ولتنطلق صيحات الابتهاج فى باريس بعد انضمام بعض مؤيديه للمجلس "عاشت فرنسا ، عاش الملك".
لم يثق العديد من النبلاء فى الصلح فهربوا الى الخارج ، واخذ هؤلاء "المهاجرون" فى تحريض ملوك اوروبا ضد الثورة فى فرنسا و مطالبتهم بالتدخل لأخمادها .
خلال اغسطس اصدر المجلس " وثيقة حقوق الانسان و المواطن " التى حملت على غرار "اعلان الاستقلال " الامريكى من المبادئ اكثر مما حوت من قوانين ، الا انه اصدر "قرارات اغسطس " التى الغت الاقطاع و جردت النبلاء و الكنيسة من املاكها ، ومنعتهما من جمع الرسوم ، و امام هذه البوادر حاول بعض الاعضاء كبح جماح التطرف بان ينشأ مجلس ثان للشيوخ لخلق التوازن ، او ان يسمح للنبلاء باختيار مجلس يمثلهم الا ان الاقتراحين رفضا ، واستمر المجلس فى اصدار القرارات التى الغت امتيازات النبلاء و الكهنة ، و اصبح على رجال الدين حلف يمين الولاء للمجلس لممارسة عملهم .
مع تركز السلطة فى المجلس الدستورى الوطنى بدأت القوى السياسية داخله تبحث عن الدعم خارجه ، فمن جهه كون الملكيون ناديهم السياسى الذى حاول التقرب للناس عن طريق توزيع الخبز فى الاحياء ، اما الجيروندين الذين كانواافرادا ليبراليون يتفقون على اراء اكثر منهم حزب حركى فقد استمروا فى صياغة خطاب سياسى اكثر تقدما و اعتدالا ، الا ان خطابهم هذا هو ما ادى الى اطلاق القوى المتطرفة و التى تمثلت فى اليعقوبيين الذى انتشرت شعبهم وفروعهم حتى وصلت الى 150 شعبه واستطاعوا تنظيم الاحياء الفقيرة فى باريس بالتحالف مع اشد المواطنين فقرا والذين اطلق عليهم "السان كولو" اى الذين لا يلبسون الجوارب الطويلة التى تصل الى الركبة التى ترتديها الطبقة الوسطى ، تبنى اليعقوبيون ليس فقط افكار "السان كولو" ولكن ايضا مظهرهم فصارت القيادات تتشبه بطريقة لباسهم تعبيرا عن الثورية ، وعلى رأس هذا التحالف ظهر "روبسير" ليبدأ فى قيادة المجلس الى المزيد من التطرف.
فقد الغى المجلس حقوق الوراثة ، و جعل اتخاذ القرارات فى معزل عن الملك ، كما الغيت كل الاحتكارات و المنظمات العمالية ، و اعتبر "المهاجرين" من الخونة ، كما جرد الملك من كافة صلاحياته ، وبدأت خطب اليعقوبيين داخل المجلس تشير الى المخاوف من كون الملك رمزا يمكن ان يلتف حوله اعداء الثورة فى الداخل و الخارج ، امام ذلك حاول الملك الهرب متخفيامع اسرته الى احدى معسكرات الجيش خارج باريس ، الا انه اكتشف و اعيد مقبوضا عليه مع زوجته ، اتخذ المجلس قرارا بعزل لويس و ابقاه مع زوجته رهن الاعتقال . ولكن امام ضغط الجيروندين اعيد الملك الى العرش و لكن فقط كرمز و ارغم على القسم على احترام الدستور وتعهد بان عودته عن القسم او سماحه لاى كان بان يقوم باعمال مضادة للثورة سيعتبر خيانة .
عارض اليعقوبيون ذلك و بداوا فى التحريض ضد الملك والمجلس قائلين" ان الملك يعتبر مخلوعا منذ ان حاول الهرب" ، استطاع الحرس الوطنى التابع للمجلس استعادة النظام وطارد المتطرفين ، و فى غضون ذلك سقط خمسين شخصا فى الاشتباكات ،عقد المجلس جلسة ختامية قدم خلالها الدستور الذى جعل فرنسا ملكية دستورية للملك الذى تعهد باحترامه و الدفاع عنه و دعى "المجلس التشريعى" للأنعقاد حسب الدستور.
الا ان اعلان ملوك اوروبا الحرب تضامنا مع الملك و بتحريض من"المهاجرين" الذين انضم اليهم شقيق لويس قلب الاوضاع فى الداخل ، حيث رفض الفرنسيون التدخل ، ومن اجل اكتساب الشعبية اعلن الملك الحرب و سانده فى ذلك الجيروندين الذين رأوا فيها فرصة لتصدير الثورة الى باقى اوروبا .
الا ان اليعقوبيين وحلفاؤهم "السان كولو"وجدوا فى الازمات التى خلقتها الحرب فرصتهم للسيطرة على الاوضاع ، ففى ليلة 10 اغسطس1792 قام مسلحون من كومونة باريس الثورية بمهاجمة القصر الملكى والقاء القبض على لويس و زوجته ، و ليلغى المجلس التشريعى المنعقد يثلث اعضائه فقط كلهم من اليعقوبيين بالغاء النظام الملكى ، كما قامت كومونة باريس الثورية بملاحقة المعتدلين و قتل 1400 شخص بعد محاكمات صورية ،كما اعلن المجلس نفسه"مؤتمرا وطنيا" و ارسل رسائل للمدن الاخرى يطالبها بالحذو حذو باريس ، كما شرع فى كتابة دستور جديد للجمهورية الوليدة و ليصبح الحاكم الفعلى لفرنسا.
مثلت المعركة حول اعدام لويس داخل "المؤتمر الوطنى" الفرصة التى يريدها اليعقوبيون للتخلص من المعتدلين من الجيروندين ففى حين طالب هؤلاء بالعفو على الملك او استفتاء الشعب على اعدامه اصر اليعقوبيون على اعدامه تحت المقصلة لآنه رمز الخيانة وعدو للشعب و الثورة و اطلق "روبسبير " مقولته " حتى تعيش فرنسا لابد ان يموت لويس " وبالفعل اعدم الملك فى يناير بينما اعدمت زوجته فى اكتوبر1793 ، و بفعل استمرار ازمات الحرب قاد "اليعقوبيون " و"السان كولو" الراديكاليون الاضطرابات مما دعم سطوتهم على البرلمان ، وهزموا الجيروندين وقادوهم الى المقصلة ، وصاروا تحت لواء "روبسبيير" الحكام الحقيقيين لفرنسا.
شكل المؤتمر الوطنى "لجنة السلامة العامه" تحت رئاسة روبسبيير لينطلق زمن الرعب ، فقد ارسلت اللجنة 18 الف شخص الى المقصلة باعتبارهم اعداء الحرية ، و اعلن قيام "الدكتاتورية الثورية" فى يونيو1793 و بدئ فى اتخاذ الاجراءات الرادعة ضد "اعداء الثورة"، كما صدر القرار رقم 22الذى يلغى الحاجة للشهود او الاثباتات لادانة اعداء الثورة .
خطب "روبسيير" ليقول " اذا كانت الفضيلة ضرورية فى زمن السلم فان الرعب هو فضيلة زمن الثورة ، فالفضيلة دون رعب تبقى عاجزة على الانتصار" كما اتهم المعارضين بالخيانة والتامر مع ملوك اوروبا ، واصبح للرعب مؤسساته ، فشكل الجيش الثورى من "السان كولو" لمصادرة الغلال والتنكيل بمن يتهم "بالجرم ضد الحرية" ، واقيمت "المحاكم الثورية" وصارت المقصلة رمز السلطة ، حيث سيق اليها الالاف فى عربات خشبية مكشوفة وصت صيحات الدهماء الراغبة فى رؤية الرؤوس و هى تنفصل عن الاجساد .
نصب "روبسبيير " الاها جديدا سماه "الكائن الاعلى" والذى قال عنه انه يختلف عن الاه المسيحيين حامى الملوك بانه سيحمى "الجمهورية والثورة والحرية والعدالة" ، كما عقد قداس فى كاتدرائية "روتردام" للالهة "منطق" عام 1794 .
و امتد الرعب الى داخل القطيع ، فبدعاوى "النقاء الثورى" صفى من كان على يسار "روبسبيير" من رفاقه مثل "هيبيرت" ومن كان على يمينه مثل "دانتون" بعد اتهامهم بالخيانة و فصلت رؤوسهم على المقصلة .
الا ان "روبسبيير" لم يسلم فى النهاية من "زمن الرعب" الذى اطلقه ، فبعد خطاب دام ساعتين هاجم فيه الخونة ممن يتامرون على الجمهورية اتبعه احد انصاره بخطاب تأييد ، الا ان الاصوات فى المجلس ارتفعت تتهمه بالديكتاتورية ، ولمفاجأة الاعضاء فقد تجمد "روبسبيير"الخطيب الفصيح فى مقعده عاجزا عن الرد على مهاجميه حتى ان الصيحات انطلقت بان "دماء دانتون تداهمه" ، قبض على "روبسبيير" الا ان قوات تابعة للكومونة الثورية نجحت فى تهريبه الى وسط باريس ، الا انه قبض عليه من جديد بعد ان حاول الانتحار و ارسل بدوره الى المقصلة .
بعد اعدام "روبسبيير" اغلقت نوادى اليعقوبيين ، وتشتت "السان كولو" واعيد الاعتبار "للجيروندين" واعتبروا من الشهداء ، واعدم الكثير من القيادات المتطرفة تحت شعار "العنف الابيض" ، وصيغ دستور جديد يتولى التشريع فيه مجلسان احدهما للنواب و الاخر للشيوخ ، وانيطت السلطة التنفيذية "بادارة" مكونة من خمس مديرين يختارهم مجلس الشيوخ حسب ترشيح مجلس النواب .
مع تكوين "الادارة" انتهت الثورة ، وانجلى الخطاب المتطرف و تفكك قطيعه ، حيث ان الامة الفرنسية ارادت الراحة و معالجة جراحها ، ولم يعد المتطرفون سواء من يدعون الى عودة الملكية البوربونية او الى الثورة و العنف يلقون اى تاييد شعبى .
الاان آثار تلك المرحلة من التطرف وما ادت اليه من انهيار فى النظام الاقتصادى ، وفقدان الثقة بين الاطراف الاجتماعية ، و العداءات التى انغرست فى وعى الجمهور ، والاحباط العام ، والعزوف عن المشاركة السياسية ، و اجهاض الافكار الرائعة حول الجمهورية و الحرية والعدالة ، لم يتح للنظام الجديد النجاح .
وزاد تدخل الجيش فى الحياة السياسية حتى اعلن الجنرال "نابليون" نفسه امبراطورا ، ولتقضى فرنسا ـ التى ساهم مفكروها مثل روسو وديكارت ومونتيسكيو فى نقل الفكر البشرى الى افاق جديدة ـ 75 عاما تتخبط تحت تاثير و توابع مرحلة سيطرة الخطاب المتطرف و الرعب الدى خلقه العنف قٌبل ان تعود من جديد الى طريق التقدم وبناء المجتمع الانتاجى.
يؤكد درس ما حدث من سيطرة الخطاب المتطرف على الثورة الفرنسية و نتائجه ، وكذلك كل الحالات الاخرى التى وقع فيها المجتمع ضحية لذلك الخطاب، ضرورة التصدى لكل من يزعم "امتلاكه للحقيقة" و شرعية "تفرده بالسلطة" لانه مشروع "لزمن رعب" قادم .
|