المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
المضامين العصرية للحياة الكريمة.

جدلية العلاقة بين تكيف الفرد و حيوية المجتمع .

 

ومن خلال مشاق الرحلة اكتسب الانسان القدرة على التكيف.

فعندما استطاع استعمال العقل فى تحسين مركزه تجاه المخاوف الثلاث : الخوف من طغيان الطبيعة، والوهن الذاتى ، و الصراع مع الاخر ، واصبح قادر من خلال التكنولوجيا والتقدم العلمى على زيادة تحكمه فى تفاصيل تلك المخاوف ، فقد صار اكثر قدرة على انتاج الغذاء و بذلك اقل عرضة للجوع ، كما صارت مساكنه اكثر ملاءمة لحياته ، وصار يمتلك معرفة جيدة باسباب وهنه ومرضه و يتغلب كل يوم على جرثومة كانت تفتك به ، وبنى نظم الادارة و الاتصال التى جعلت تبادل المعلومات و الاراء ممكنا مما حفز وسارع من تطور قدراته ، كما وصل الى فكرة التعايش السلمى وتبنى الديمقراطية وسيلة لحل الخلافات، فانه فى الحقيقة قد ازداد قدرة على التحكم فى المدخلات التى تؤثر فى حياته و نوعيتها الى حد كبير.

لقد صار الانسان من خلال تطور قدرته على التكيف اكثر قدرة على حماية نفسه من المؤثرات السلبية كالجوع والفقر و المرض والاستعباد و تحفيز المؤثرات الايجابية كالوفرة و الازدهار والامان و النظافة و العدالة ، كما صار اكثر قدرة على حفظ نوعه  وتحسين نوعية حياته وكذلك الظروف التى يعيد فيها انتاج نفسه .

كما اصبح قادر على مواجهة الارتباكات التى تشهدها البيئة المحيطة به ، و التخفيف من خسائره عند حدوثها ، ومعالجتها فى اوقات قياسية ، بل صار فى كثير من الاحيان قادر على التكهن علميا بتلك الارتباكات قبل حدوثها و تجهيز نفسه لمخاطرها .

لقد صار "التكيف"  وما يعنيه من "قدرة الانسان على زيادة مساحة تحكمه فى حياته "هو المعيار المعاصر  لقياس مدى استمتاع الفرد بالحياة الكريمة من عدمه .

فمن يعرف ان دخله المادى سيكفى غدا لعائلته وان الرعاية الصحية المتوفرة لهم ستخفف من الامهم وتحمى صحتهم وان بيته سيحميه من مخاطر العاصفة القادمة ، هو اكثر رضى عن حاله ممن لا يعرف ماذا سيتوفر لآسرته غدا و لا يتمتع بالرعاية الصحية و لا يعرف عن العاصفة القادمة ناهيك عن انه يسكن خربا  او يعيش فى العراء.

لقد ادى تطور قدرة التكيف عند الانسان الى تعاظم قدرته على امتلاك امره و كذلك تحقيق الرضى عن الحال بتوسيع امكانياته فى توفير احتياجاته و تحقيق اهدافه و بالتالى الاستمتاع بذلك الشعور بالسرور الذى نطلق عليه السعادة.

واذا كانت السعادة اللحظية هى الشعور بالرضى و السرور لدى اشباع الحاجات و انجاز الاهداف فهى على مدى الحياة الطويل تكتسب مضمونا اكثر تعقيدا ، فهى تعنى هنا رجحان الشعور بالرضى عن الحال لفترات طويلة ، اى تصبح حالة وديمومة و ليس فقط لحظة ، كما يصبح مفهوم الحاجات اكثر تركيبا ، فتتخطى الغذاء و الكساء و السكن والجنس الى الامن والحصانة و العدالة و الانتماء و العواطف  وكذلك تبادل الاحترام والاستمتاع والتثقف و حرية الاختيار و الفرصة فى الابداع والحق  فى التنافس مع الاخر .

يخص المفهوم العصرى للحياة الكريمة " تلك المجتمعات القادرة على توفير اعلا درجات السعادة لاكبر عدد من افرادها مع خلق الفرصة للباقين لتطوير قدرتهم على التكيف " بهذه الصفة ، وهو هنا يستند على مقومات قابلة للقياس ، و ليس على افكار طوباوية ثبت فى جميع الاحوال انها تنتج نتائج عكسية و فى بعض الاحيان كارثية عند تطبيقها.

ولذلك فان المفهوم العصرى للحياة الكريمة يستند على هذه المقومات الثلاث القابلة للقياس ، القدرة المادية للفرد ،  و الدراية المعرفية ، و القدرة على المبادرة.

فلكى يحقق الفرد قدرته على التكيف لابد ان يمتلك الموارد المادية التى تمكنه من توفير احتياجاته ، كما لابد ان تكون امامه الفرصة كى ينمى هذه القدرة المادية ، بل ان تنمية الموارد المادية و تحقيق فائض فى الدخل لتكوين مدخرات يمكن استثمارها يتخطى بالفرد من مرحلة توفير الاحتياجات الى الاستمتاع بالحياة و التمكن من مواجهة الارتباكات المستقبلية ، وهى تقاس بالقدرة الشرائية للفرد و ليس بارقام مصمتة مثل متوسطات الدخل  او الحصص الوهمية من الثروة الوطنية، ذلك ان " القدرة الشرائية هى المقياس العملى و اليومى لمدى توافر الموارد المادية للفرد ".

ففى مجتمعات متقدمة مثل المجتمع الامريكى  الذى يبلغ فيه الحد الادنى للمرتبات ما يقارب الستة دولارات فى الساعة تخرج ارقام اسبوعية تقيس القدرة الشرائية  للمستهلكين كما توضع متوسطات لعلاقة دخل الفرد باوجه انفاقه ، فالسكن لا يجب ان يستهلك اكثر من ثلث الدخل ، واجمالى تكلفة خدمة ديونه لسداد السكن و السيارة و الاثاث  و غيرها يجب الا يتعدى نصف دخله ،الذى يجب بدوره الا يقل عن "ثمانيةعشر الف دولار" فى السنة اذا كان اعزبا و"ثمانية وخمسين الفا" ان كانت له اسرة كأسرتى من سبعة افراد ـ حسب قوانين ولاية ماساتشوستس ـ حيث تضعه قدرته الشرائية المتدنية تحت خط الفقر مما يستلزم اعانته على الحياة.

ولكن الموارد لا تعنى الكثير فى غياب الدراية المعرفية ، فلابد من التسلح بالمعرفة  لتحقيق التكيف ، للبحث عن الموارد و كسبها ثم استثمارها بشكل صحيح ، و بدون المهارات التى تخلقها المعرفة لا يمكن حل الاشكاليات حيث لا يتمكن الفرد من ربط النتائج بالاسباب ، و  يعجز بالتالى عن مواجهة الواقع و التخطيط للمستقبل ،  وهنا فان "مقياس الامية لم يعد يعنى الكثير فقد اصبحت الحياة اكثر تعقيدا من ان تكفى  معرفة القراءة و الكتابة للتحكم فى مجراها "، بل بالمهارات العالية ووسائل تعميمها فى المجتمع و الادوات التقنية التى يستطيع الفرد تشغيلها مثل الحاسوب و مدى انتشارها .

ان انتاج واستهلاك الكتب هو معيار جيد لهذا المقوم ، فانتشارها مؤشر على مدى انتشار الدراية المعرفية فى المجتمع و مدى توفرها للفرد ، و من جديد و لتوضيح الفكرة فقط  فقد طبع اكثر من 290 الف عنوان من الكتب فى الولايات المتحدة عام  2006 اى بمعدل عنوان كل  دقيقه و اربعون ثانية تقريبا، كما يبلغ عدد الكليات الجامعية و المعاهد العليا 4140 كلية ومعهد اى واحدة لكل 70 الف مواطن ، اما مكتبة الكونجرس فتحتوى على 120 مليون مصنف منها 18 مليون عنوان كتاب تفترش ارفف طولها الاجمالى 760 كيلو مترا اى ما يقارب مسافة السفر من بنغازى الى مصراته.

الا ان توافر الموارد المادية و الدراية المعرفية دون امتلاك الانسان القدرة على المبادرة تحرمه من الدافع لبذل الجهد المطلوب ، فالحصول على الموارد و تنمية الدراية لا تتحقق صدفة و لا تمطر بها السماء كما انها لا تنبت على الشجر و لكنها تاتى نتيجة لجهد بشرى تصنعه القدرة على المبادرة ، والتى بدورها تكون نتيجة لاقبال الانسان على الحياة، و الاستبشار فى المستقبل و الامل المتجدد فى تحسين نوعيتها .

وهنا لا يمكن ان نضع انسانا غائبا عن الحياة ، يعزى كل ما  يعانيه لاسباب لا يستطيع التداخل معها ، مع اخر مقدم بنشاط عليها ، يخطو بثبات نحو توفير الموارد المادية و الدراية المعرفية لتطوير قدرته على التكيف ، ينتقل من نجاح الى آخر ، واذا فشل عاود الكرة فى اصرار مستفيدا من الخبرة التى اكتسبها من كبوته .

الا ان توفير الموارد و الدراية المعرفية و القدرة على المبادرة  ، وبالتالى تطوير القدرة على التكيف لا يمكن  تحقيقها الا من خلال  توافر خاصية لابد من توافرها فى المجتمع ، وهى "حيوية المجتمع"  التى تتيح للفرد و تسمح له و تدعم جهده لزيادة قدرته على التكيف."

ان طوابير المهاجرين هى دائما تنتقل من المجتمعات الاقل حيوية الى المجتمعات الاكثر حيوية لان الاخيرة تتيح لهم فرصة افضل للحياة الكريمة ، و لا علاقة لذلك بالعرق او القومية او الدين ، بل بخصائص يتم تراكمها من خلال جدلية العلاقة بين التكيف الفردى و بين حيوية المجتمع ، فالفرد الاكثر قدرة على التكيف يبنى مجتمعا اكثر حيوية و فى نفس الوقت فان المجتمع الحيوى يتيح للفرد المزيد من التكيف .

فلكى يحقق الفرد القدرة المادية لابد ان يتيح المجتمع له فرص العمل و تحقيق الكسب وان يحمى ثروته و يشجعه على تنميتها من خلال اليات علنية ومعروفة ، كما لابد ان يوفر و بما يتناسب مع قدرته الشرائية  ومن خلال نشاطه المسكن المناسب و السيارة و الاثاث و باقى المستلزمات المادية للحياة .

كما لابد ان يشجعه  من خلال شعوره بالامان على تحويل ثروته الى راسمال ، اى اخراجها من اشكال الاقتناء القديمة كحلى و مجوهرات الى مساهمات فى الكعكة الاقتصادية  الحديثة من خلال السوق الذى يصبح ميدان تنمية الموارد و توزيعها.

وايضا لابد ان يتيح المجتمع المنافسة فى ظل تكافؤ الفرص و المساواة امام القانون ، والشفافية التى لا تتحقق الامن خلال حرية التعبير ، فمن خلال المنافسة ياتى النجاح الذى يضيف بدوره الى حيوية المجتمع .

كذلك يصبح تطوير النظم الادارية و المالية فى المجتمع ، وسلاسة الاجراءات ، سبيلا لسهولة وسرعة انتاج و انتقال السلعة والخدمة و المال و المعلومات و الافكار .

كما يجب ان يرعى المجتمع البحث العلمى و نشر المعرفة لانها تزيد من قدرة الافراد على اتقان انتاجهم السلعى و الخدمى ، كما تمنحهم القدرة على السيطرة على مجريات حياتهم بشكل افضل .

و توجه المجتمعات الحية جزء كبير من ثمرة انتاجها للخدمات الاساسية ، الامن والصحة و التعليم و رعاية الاسرة و الاطفال ، و تحفز المؤسسات الغير حكومية على تولى المزيد من مسئوليات هذه المناشط .

كما ترعى الثقافة و الابداع و سبل الامتاع و تشجع النشاطات الرياضية لاعطاء الحياة التنوع الذى يجعلها تساهم فى دفع الفرد للمزيد من المبادرات و الرغبة فى المنافسة.

كما تحقق للفرد المزيد من الشعور بانسانيته من خلال احترام حريته و تحصينه ضد القمع و التنكيل و الاضطهاد عن طريق تحقيق سيادة القانون والعدالة و المساواة امام القضاء .

واخيرا فهى تعطيه القدرة فى تشكيل مستقبله عن طريق توفير امكانية المشاركة السياسية امامه ، سواء على المستوى الوطنى او المحلى ، وتمكنه من  سن القوانين ومراقبة الحكومة و سياساتها فى ظل القبول بالتنوع و التعدد.

ففى حين تتيح "حيوية المجتمع " الفرصة امام الفرد لزيادة مساحة تحكمه فى مجريات حياته وبالتالى شعوره بالرضى عن الحال و الثقة فى المستقبل و الاقدام على الحياة ، فان المجتمعات التى تفتقر لتلك الحيوية تغلق هذه المساحة  وتحوله الى تابع عاجز عن مواجهة التحديات المحيطة به مذعورا من الارباكات التى يحملها المستقبل و تغرقه فى مشاعر البؤس و اليأس و العدمية.

من هنا و ان كانت "الحياة الكريمة" فى مفهومها العصرى حالة ينخرط فيها الفرد فعلا و تأثرا فانها لا تتحقق الا من خلال حاضنة شرطيةهى "حيوية المجتمع ".

لذا سأنتقل فى المقال القادم ـ باذن الله ـ الى محاولة التعرف على المجتمعات التى تفتقد " الحيوية" والبحث فى الاسباب وراء ذلك من خلال التنقيب فى بنيتها ، و تقصى اوضاعها .

ـ اود ان اعتذر  و خاصة للمتخصصين ان كان فيما احاول ان اطرح قصور مخل ، متمنيا عليهم التفضل بالتصحيح ان رأوا ذلك .

ـ و اخيرا : تعقيبا على ما طلبه بعض الاصدقاء من الانتقال السريع للحديث عن ليبيا ، اتصور ان هذا التمهيد ضرورى و يتيح  لنا درجة افضل من الفهم عندما ننتقل لتلك المرحلة. 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."