محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أنا ما بعد الرحيــــــل ....

أنـا.. ما بعدَ الرحيل..
بإحساسٍ صادقٍ أحببتُهـم يوماً، فمنحني القربُ منهـم عقل الحكمة.. والحكمة التي سكنت عقلي وهبتني العزم على تركِهـم لمّا أهْمَلوا حنيني إليهـم..
فشكراً لهــم..
* * * * * * * * * * * * *
عندما أحببتُهـم أرسلتُ عيوني في دروبِهـم..
فأصبحوا رسمَ كلماتي، وأوراقَ أيامي، وخطوطَ حياتي ..
ثمّ وعندما استدرتُ، ومضيت أضمدُ جروحي، رأيتُ أنَّ حبَّهـم علمني كيفَ يكونُ الكونُ سبباً لإبداعي، ومداداً لجنون كلماتي..
فشكراً لهــم..
* * * * * * * * * * * * *
عندما أحببتُهـم كانَ الشوقُ إليهِـم يُحرقُني.. يُعذّبُني..
أمّا اليوم، وبعدَ الرحيل، أصبحتْ أشواقي فكرةً للذكرى تُعيدني، وبسمةً نحو الأمل القادم تدفعني..
فشكراً لهــم..
* * * * * * * * * * * * *
عندما أحببتُهـم، خَشيتُ أنْ تَحينَ ساعةَ الفراقِ، فأفقِدُ جَمالَ عشقي وتألقَ مَشاعري..
أمّا اليوم، وبعد رحيلي عن أراضيِهـم..
تعلمتُ أنّ ما مضى معهُـم كان مدرسةً لفقهِ الإِنسانِ، واختباراتِ الزمانِ..
فعلمت أنَّ الحـبَّ هو "أنـا"، وأنَّ "أنـا" هو الحـبّ..
أما "هـم"، فَــ "هُـم" لا غير..
"هـم" لحمٌ ودمٌ ليس إلا !!!
فشكراً لهـم..
* * * * * * * * * * * * *
عندما عشتُ معهُـم سنينَ الحبِّ، اكتسبتُ من اللطفِ معانيهِ .. وصعدتُ قِمَمَ الإنسانيةِ، حتّى استنشقْتُ نَقاءَ الإحساسِ وشفافيةَ الشعورِ..
وفي ساعةِ الرحيلِ وأنـا أحزمُ حقائبَ الوداعِ، خشيتُ على نُعومةِ أضلعي من قَسوةِ الكُرهِ والحِقــدِ..
ولكني ألفيتُ قلبي بالرحمةِ يغادرهـم، وبأصفى الدعاءِ يودِّعُهـم.. فعلمتُ أنّي مَلكتُ " تَكوينَ إنســـان" ..
فشكراً لهـم ..
* * * * * * * * * * * * *
عندما أحببتهـم، منحتُهـم رُخصةَ الدخول في حدودي، والإقامة في دياري..
فشربوا من مناهلي، وأكلوا من خمائلي، وتمتعوا بحرير جنسيتي..
فرفرفت راياتُهـم ضمني، ورفعوني ملكةً لا تحكم ولا حتى تملكُ..
وبعد حين، غاب الأمان، وعَمَّ الفساد، وتَفَتَقَتِ البطانة..
فتزلزل عرشي، وسقط تاجي، وانهارت مملكتي..
عندها علمت أن الكون الذي خلقه الله هو مملكة الحـبّ الباقيــة،
وما أنـا وهـم إلا ذرتيـن نَسْبَحُ في مدارها..
ونستمدُ الحبَّ منْ جمالِ يدِ المُكوّن ذي الجلالِ والإكــرام.
فشكرا لهـم..
* * * * * * * * * * * * *
عندما أحببتهـم حَكمتُ على نفسي بسجنٍ ساحِــرٍ ..
حجارتُه هُـم.. وقيودُه هُـم..
ونافذتُه نورُ حريةٍ تَعدني بأملٍ مِنهـم قادمٌ..
فعشتُ بين جُدرانِهـم أروعَ خلوةٍ، نَشَطتْ بها روحي، فَتَخَلتْ وتَحلَّتْ..
ولكن!! وعندما كسرتُ قيدي، وهربتُ من سجنِهـم..
ركضتُ وأخذتُ "بيدي"، وسلكتُ "بـي" سبيلَ النجاة..
فاكتشفتُ أنَّ الحريةَ أجمل، وأنَّ الحياةَ تستحقُ أنْ نعيشها، فهناك دوما من يحتاج إلينا وينادي علينا ..
وأدركتُ أنَّ الخلوةَ هي خَلوتي معَ نفسي، داخل قلبي..
في بحر الأكوان والملكوت، وبين يدي ربي وخالقي..
وما دون ذلك سراب في سراب وعذاب يتلوه عذاب.
فشكراً لهـم ..
* * * * * * * * * * * * *
عندما أحببتُهـم، كنتُ لهـم مرآةً سحرية، ينظرون إليها صُبحَ مساء، فيرونَ فيها بطولات فرسانٍ، نَدَرَ أنْ يَلِدَ الزمانُ أمثالَهـم ..
وقبل أن أمضي، لمستُ مرآتي، وسحبتُ منها سِحرَ ألواني..
وتركت لهـم لوحٌ بلوري، طُبعتْ عليه صورتي "أنـا".. و ذكرياتي "أنـا"..
أما "أنـا" فحلَّقْتُ عالياً، بِمَعيّةِ كياني "أنـا"، وسحر ألواني "أنـا" ..
فشكراً لهـم..
* * * * * * * * * * * * *
و أعترفُ !! أنني في كلِ لحظةٍ أحببتُهـم فيها كان يُرعبني قدوم شبح الفراقِ..
فكم خشيتُ على ذاتي أنْ تَتَبعْثر.
ولكن!! وبعد أنْ نَقضوا العهدَ، وأنْكروا الوعدَ، تَفَجَرَ كُلي ألماً .. وكاد عقلي يَطيشُ حيرةً وضياعاً..
فكساني اليتمُ والفَقْدُ والحُزْن..
ثم وفي لحظة رحمةٍ ربانية، رنوتُ بِبَصري إلى السماء، فشعرتُ بيدِ ربي تمسح على جرحي، وتنير بصري، وتجلي بصيرتي.
فأخذت ما بقي لهـم بِداخلي..
وسَجَدتُ على بلاطِ صاحبِ العزةِ والجلال..
طارحةً لآلئ سنيني بين يديهِ..
راجيةً أن يقبل عملاً طاهراً ما لوثته بدَنَسٍ قط..
هنــا.. سَكنَ القلبُ..
وتَبَخـرَ الدمعُ..
وتَحـرَرتِ الآلامُ..
وغمرني ربي بأجمل قرب وأروعِ حــبٍّ.
فحمداً للّــــــــــــه ..
* * * * * * * * * * * * *
هذه "أنـا" .. ما بعد الرحيــــل ..
فاليومَ ابتدأت "أنـا" وابتدأت الحيـــــــاة..
وسأمضي في طريقي.. وأكمل عزفي المنفرد..
فالحـب قيثارتـي .. وألحانهـا هويتـي ..
وأملـي .. وسر حياتـي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم:ديانا عزت الغبره
|